الزير المعلّق وحارة السقّايين
حكاية الماء حين يصبح سلطة
هناك حكايات لا تحفظها الكتب، لأن الكتب مشغولة عادةً بأسماء الملوك، ومواعيد الحروب، وعدد القصور التي بُنيت، ولا وقت لديها لتسأل عن الرجل الذي كان يقف تحت الشمس وفي يده زلعة ماء، أو عن العامل الذي كان ينتظر دوره في طابور طويل كي يشرب جرعة تسدّ حلقه.
والتاريخ، حين يكتبه المنتصرون، يحب القصور أكثر مما يحب الأزقة.
يكتب: بُني القصر. ولا يكتب: عطش البناؤون.
يقول: اتسعت المدينة. ولا يسأل: من كان يسقي الذين وسّعوها؟
ومن هنا تبدأ حكايتنا.
حكاية حارة السقّايين، والزير المعلّق، والرجل الذي اكتشف أن الماء، ذلك الشيء البسيط الذي ينزل من السماء ويخرج من النبع ويجري في النهر، يمكن ـ إذا وقع في يد رجل يحب «الأمارة» ـ أن يتحول إلى امتحان في الطاعة، ودرس في الانضباط، ومشروع صغير للحكم المحلي.
حين أراد الباشا أن يجعل مصر أجمل بلد في الدنيا
منذ نحو مئة وخمسين عامًا، كانت مصر تستعد لدخول مرحلة جديدة من تاريخها.
وكان على رأس المشهد أمير شاب، غني، وسيم، متعلم في باريس، وله خبرة في الجيش والسياسة، ويحمل طموحًا أكبر من الشوارع التي تحيط به.
كان اسمه إسماعيل، وأصبح لاحقًا إسماعيل باشا.
وكان إسماعيل يرى مصر بعين الرجل الذي رأى أوروبا، ثم عاد إلى القاهرة، فوجد مدينة لها تاريخ عظيم، لكنها ـ في نظره ـ تحتاج إلى أن ترتدي ثوبًا جديدًا.
نظر حوله. ترع. أتربة. بيوت متلاصقة. أسواق مزدحمة. ناس يمشون في كل اتجاه. وحياة كاملة تتحرك بلا أن تستأذن أحدًا.
فقال، أو هكذا تروي الحكاية: «أنا عايز البلد دي تبقى أجمل بلد في الدنيا».
ثم أضاف الجملة التي كان لها أن تغير شكل المكان: «وابنوا لي في وسطها قصرًا كبيرًا عظيمًا مالوش مثيل».
وكانت تلك هي البداية.
استُدعي مهندسون وخبراء من الخارج، وجاءوا يحملون الخرائط والمسطرة والبوصلة، وأخذوا يبحثون عن مكان يليق بالحلم.
حتى وقع الاختيار على موضع كان فيه قصر قديم منسوب إلى القائد المملوكي عابدين.
اشتروا المكان، وهُدم القديم، وبدأ الجديد يصعد شيئًا فشيئًا.
ولأن الحكام يحبون الاحتفاظ بالأسماء القديمة حين تكون الأسماء جميلة، قيل: «خلّوا الاسم عابدين».
وهكذا صار للقصر اسم من الماضي، وشكل من المستقبل.
وبدأت القاهرة تتحول. الحجر فوق الحجر. والخشب فوق الخشب. والحديد يدخل في العمارة. والعمال يتوافدون من كل صوب.
وكانت الشمس، كالعادة، لا يعنيها شيء من كل هذه المشاريع.
تطلع كل صباح. وتضع نارها فوق رؤوس الناس.
عم حكيم الزرزور
في تلك الأيام ظهر في الحكاية رجل اسمه عم حكيم.
كان ضابطًا عثمانيًا جاء إلى مصر في زمن سابق، ثم أحب البلاد أو ألفها أو لم يجد سببًا كافيًا للعودة، فاستقر فيها.
وكان الناس يحبونه، لكنهم كانوا يعرفون له عيبًا صغيرًا. كان يحب أن يأمر. بل إن الأمر عنده لم يكن مجرد وسيلة لإدارة الحياة؛ كان نوعًا من الهواية.
إذا رأى اثنين واقفين قال لأحدهما: اقعد. وإذا رأى جالسًا قال له: قوم. وإذا لم يجد أحدًا يأمره، شعر أن اليوم ضاع منه.
لذلك أطلق عليه أهل الحي، على سبيل المحبة والسخرية معًا، اسم «عم حكيم الزرزور».
والزرزور طائر كثير الحركة، كثير الصوت، لا يكاد يستقر على غصن حتى ينتقل إلى آخر.
وكان عم حكيم كذلك.
لكن الرجل كان، رغم عصبيته وتعاليه، صاحب قلب لا يخلو من الرحمة.
وفي أحد أيام الصيف، مرّ بالقرب من العمال الذين يبنون القصر.
رآهم يرفعون الأحجار. يحملون الأخشاب. ينقلون التراب. والعرق يسيل من وجوههم كأن أجسادهم نفسها أصبحت جزءًا من أعمال البناء.
نظر إليهم وقال: «الغلابه دول هيموتوا من العطش».
ثم عاد إلى بيته وهو يفكر.
وفي الصباح، ملأ زلعتين كبيرتين بالماء. وضع واحدة على يمين الحمار، والثانية على يساره.
وأخذ عصاه. وأخذ كرسيًا صغيرًا وسجادة.
ثم حمل معه قطعة قماش، وفروعًا من الشجر، ليصنع لنفسه ظلًا يقيه الشمس.
واتجه إلى مكان قريب من القصر.
فرش السجادة. وأنزل الزلعتين. وصنع لنفسه مظلة صغيرة.
ثم جلس. انتظر. ولم تمر دقائق حتى جاء أول عامل.
رأى الماء، ففرح. مد يده إلى الزلعة اليمنى. فإذا بالعصا تهبط على يده.
«استنى!»
تراجع الرجل مذعورًا.
قال عم حكيم:
«اشرب من الشمال».
مد الرجل يده إلى اليسار.
فضربه الرجل مرة أخرى.
«قلت لك اشرب من اليمين!»
نظر العامل إليه في حيرة.
ثم قال: «طب أمد إيدي فين يا عم حكيم؟»
فقال عم حكيم، بكل ثقة من اكتشف سرًا من أسرار الكون: «استنى دورك».
ومنذ تلك اللحظة، وُلد أول نظام طوابير رسمي للماء في المنطقة.
الماء المجاني... بشروط
جاء عامل ثانٍ. تعلم من الأول. وقف ينتظر. وحين جاء دوره سأل: «أشرب من اليمين ولا الشمال؟»
فقال عم حكيم: «إنت؟ لأ، إنت ما تشربش».
استغرب الرجل.
قال: «ليه؟»
قال: «إنت شربت كتير امبارح».
فتح العامل فمه.
«امبارح؟! ده أنا أول يوم ليا هنا».
سكت عم حكيم لحظة.
نظر إلى السماء.
ثم قال: «أيوه... صح».
ثم هز رأسه كأن ذاكرته خانته قليلًا.
«إيفيت... إيفيت... افتكرت».
اقترب العامل.
«افتكرت إيه؟»
قال: «اشرب من الاتنين».
وبدأت فلسفة الماء. يشرب من اليمين قليلًا. ومن اليسار قليلًا. ولا يشرب من زلعة واحدة.
ولم يكن أحد يفهم لماذا.
لكن الناس، منذ فجر التاريخ، لديهم استعداد عجيب لتصديق الإنسان الذي يتحدث بثقة.
انتهى اليوم.
نفد الماء. وعاد عم حكيم إلى بيته سعيدًا. لقد اكتشف لذة جديدة.
إنه يفعل الخير. وفي الوقت نفسه يأمر الناس. وما أجمل أن تجمع النفس البشرية بين الفضيلة والسلطة في جملة واحدة.
فهي تستطيع أن تقول: «أنا بخدمك».
ثم تضيف: «بس اعمل اللي أنا بقول عليه».
من الصدقة إلى السلطة
كرر عم حكيم الأمر في اليوم التالي. ثم اليوم الثالث. ثم الرابع. وبدأت أعداد العمال تزيد. وزاد الغبار. وزادت الحاجة إلى الماء.
ففكر الرجل أن يبني مكانًا صغيرًا يحميه ويحمي الماء. بنى مبنى من الطين. في الأرضي زرع بعض النباتات.
وصنع ظلًا وخصص مكانًا للصلاة.
ثم جاءت الفكرة التي ستخلد اسمه في الحكاية:
علّق زير الماء على سطح المبنى. ومن هنا جاء اسم «الزير المعلّق». وكان الزير مرتفعًا، والناس تصعد إليه لتشرب.
لكن عم حكيم لم يترك الأمر بهذه السهولة. كان يقف أسفل السلم.
ويقول لكل من جاء: «صليت؟»
فإن قال الرجل: نعم.
قال: «طيب اطلع».
وإن قال: لا.
قال: «صلّي الأول وبعدين اشرب».
قال أحد العمال: «يا عم حكيم، ما تنزل الزير على الأرض ونخلص؟»
فانتفض الرجل كأن العامل اقترح هدم القصر نفسه.
«أنزله؟!»
«آه».
«وأضيّع النظام؟»
ثم اقترب منه وقال: «الزير فوق عشان يفضل نضيف».
وكان هذا صحيحًا جزئيًا. فالزير فوق يحمي الماء من التراب.
لكن الحقيقة الأخرى كانت أن الزير فوق يعني أن عم حكيم هو الذي يحدد من يصعد.
وهنا تبدأ المشكلة القديمة في حياة البشر: حين يصبح الخير وسيلة للتحكم في الآخرين.
فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى سوط. أحيانًا يكفي أن تمسك كوب الماء.
ظهور السقّايين
لكن الناس لا تترك السلطة بلا منافسة.
في يوم من الأيام، اجتمع عدد قليل من العمال وقالوا: «هو إحنا ليه نستنى عم حكيم؟»
وكان السؤال بسيطًا، لكنه كان خطيرًا.
فقرروا أن يشتروا الماء من مصادر أخرى.
ملأوا القِرَب. وحملوها. وجاءوا إلى الساحة.
وقالوا: «اللي معاه فلوس يشرب». لا صلاة. لا طابور. لا زلعة يمين ولا زلعة شمال. لا عصا على اليد. ولا سؤال عن أمس. ماء مقابل نقود.
وفجأة تحولت الساحة إلى سوق.
ظهر السقّايون. ثم ظهر باعة الطعام. والفواكه. والخبز. والأقمشة.
وكل شيء يمكن أن يباع لرجل عطشان أو عامل جائع.
وهكذا نشأت حارة السقّايين. لم تكن مجرد حارة للماء.
كانت أول إعلان صغير عن أن السوق يمكنه أن ينافس السلطة.
عم حكيم كان يقدم الماء مجانًا، لكنه يبيع معه شيئًا آخر: الطاعة.
أما السقّايون فكانوا يأخذون المال، لكنهم لا يسألون عن دينك، ولا عن صلاتك، ولا عن الزلعة التي شربت منها أمس.
المعادلة كانت واضحة:
مع عم حكيم: الماء مجاني، لكن الحرية لها شروط.
مع السقّاء: الماء بفلوس، لكن القرار قرارك.
وبين الاثنين وقف العامل محتارًا.
هل يفضّل الفقر مع الحرية؟ أم المجانية مع «الناس تسمع الكلام»؟
حين يختلف الماء ويتشابه البشر
كبرت السوق. وكبر عدد السقّايين. وكثر الزحام.
وبدأ عم حكيم ينظر إليهم من فوق سطح مبناه، ويتساءل: «هو أنا بعمل الخير، وهما بيبيعوه؟»
وكان في السؤال شيء من الغيرة. فالإنسان لا يغضب فقط حين يُمنع عنه الخير. أحيانًا يغضب لأنه لم يعد صاحب الخير الوحيد.
لقد أحب عم حكيم الماء. ثم أحب أن يكون الماء في يده. ثم أحب أن يكون هو الرجل الذي لا يستطيع الناس الاستغناء عنه.
وهذه رحلة قصيرة جدًا من الرحمة إلى السلطة.
فالسلطة تبدأ غالبًا بجملة بريئة: «أنا عايز أساعد».
ثم تتحول، بعد قليل، إلى: «أنا أعرف مصلحتك».
ثم: «اعمل اللي أقولك عليه».
ثم: «إنت من غيري مش هتعرف تعمل حاجة».
ثم لا يبقى بين الخير والاستبداد إلا خطوة واحدة.
المعركة الكبرى
وفي يوم قائظ، انفجرت المشكلة. اختلف أحد السقّايين مع أحد رجال عم حكيم. ارتفع الصوت.
ثم ارتفع صوت آخر.
ثم سقطت قِربة. ثم انقلبت زلعة.
ثم دخل بائع فاكهة في الخناقة. ثم صاحب عربة. ثم عامل. وفي دقائق، أصبحت الساحة كلها عركة. الناس تتدافع. الماء ينسكب. والبضاعة تتطاير. والعصا التي كانت مخصصة لتنظيم الطوابير أصبحت جزءًا من المعركة.
ووصل الخبر إلى القصر.
وهنا، كالعادة، حين يعجز الناس عن حل مشكلة صغيرة، تصبح المشكلة فجأة قضية دولة.
جاء الأمر من أعلى: «النظارة تتولى أمر المياه».
وكانت تلك لحظة تاريخية أخرى.
فقد اكتشفت الدولة أن الماء المجاني ليس مجرد عمل خيري. إنه شأن عام. والسوق ليس مجرد سوق. إنه مساحة تحتاج إلى تنظيم. وعم حكيم ليس مجرد رجل طيب عصبي. إنه سلطة محلية غير مرخصة. والسقّاي ليس مجرد رجل يحمل قِربة. إنه صاحب مهنة يجب أن تعرف الدولة أين يبيع، ومتى يبيع، وكيف يبيع.
وهكذا دخلت الورقة الرسمية إلى عالم الزير.
البيروقراطية تصل إلى العطش
صدر القرار. تتولى الدولة تنظيم المياه المجانية للعمال.
ويضاف إلى مبنى القصر مسجد، له باب من الخارج وباب من الداخل.
أما السقّايون والباعة، فعليهم مغادرة المنطقة.
ومن يريد أن يعمل في مهنة السقاية فعليه أن يحصل على تصريح.
مع تنبيه واضح: «إياك تبيع الماء في حارة السقّايين».
وهنا، لو كان عم حكيم حيًا لربما شعر بالفخر.
فالدولة، بعد سنوات من العراك، وصلت إلى الفكرة نفسها التي كان قد وصل إليها منذ البداية:
الماء يحتاج إلى نظام.
لكنه ربما كان سيختلف معها في نقطة واحدة.
هو يريد أن يكون صاحب النظام.
أما الدولة فتريد أن يكون النظام صاحبها.
وهذه، في النهاية، هي الحكاية كلها.
عم حكيم في شيخوخته
قضى عم حكيم بقية حياته في بيته. كان الزير المعلّق لا يزال موجودًا. وكان أحفاده يجلسون حوله، فيحكي لهم عن الأيام القديمة. يحكي عن العمال. وعن القصر. وعن الزلعتين. وعن السقّايين. وعن الخناقة. وعن اليوم الذي دخلت فيه الدولة على الخط.
وكان الأطفال يضحكون حين يقلد لهم صوته:
«اشرب من اليمين».
ثم يرفع العصا: «لا! من الشمال».
فيضحكون أكثر.
ولم يكن أحد منهم يفكر في السؤال الأهم: لماذا يحتاج رجل عطشان إلى إذن كي يشرب؟
ربما لأن الأطفال يرون الأشياء كما هي. أما الكبار فيضيفون إليها ألف مبرر.
عم حكيم نفسه لم يكن شريرًا.
وهذه هي المفارقة الأجمل.
فأكثر الناس الذين يمارسون السلطة الصغيرة على الآخرين لا يرون أنفسهم طغاة. هم يرون أنفسهم مصلحين. الحارس يقول: أنا أحميك. الموظف يقول: أنا أنظمك. الأب يقول: أنا أعرف مصلحتك. الحاكم يقول: أنا أفعل هذا من أجلك.
وفي كل مرة تختبئ كلمة «أنا» خلف كلمة «أنت». و من هنا ظهر الاستبداد
القصر يموت صاحبه... والحكاية تنجو
اكتمل قصر عابدين. وقف شامخًا، جميلًا، واسعًا، كأنه شهادة على حلم صاحبه.
كان إسماعيل يريد مصر أجمل. وبالفعل تغيّرت أشياء كثيرة. توسعت الشوارع. ظهرت المباني. وتغيرت القاهرة.
لكن القصر، مهما علا، لم يستطع أن يمنع الشمس. ، والشوارع، مهما اتسعت، لم تستطع أن تلغي الأزقة. والدولة، مهما وضعت من قوانين، لم تستطع أن تمنع الحكايات من أن تولد في الأماكن الصغيرة.
مات عم حكيم. ومات إسماعيل. ومات كثيرون ممن بنوا القصر.
وتغيرت أسماء. وتغيرت خرائط. واختفت أسواق.
وجاءت أجيال لم تعرف شيئًا عن الرجال الذين كانوا يحملون الماء على ظهور الحمير.
لكن بقيت الحكاية.
حارة السقّايين. والزير المعلّق. ورجل اسمه عم حكيم الزرزور.
رجل أراد أن يسقي الناس، فاكتشف أنه يحب أن يأمرهم. ورجال أرادوا أن يبيعوا الماء، فاكتشفوا أن السوق لا يعيش بلا قانون. ودولة أرادت أن تنظّم الماء، فاكتشفت ـ كما تكتشف كل دولة ـ أن تنظيم الأشياء يعني في النهاية تنظيم البشر.
وما الذي تقوله لنا حكاية الزير؟
ربما لا تقول شيئًا. وربما تقول كل شيء. تقول إن السلطة لا تبدأ دائمًا من القصر. قد تبدأ من زلعة ماء.
وأن الاستبداد لا يحتاج إلى جيش. أحيانًا يحتاج إلى عصا صغيرة. وأن الإنسان قد يقبل أن يُهان قليلًا مقابل أن يحصل على شيء مجاني.
وأن السوق قد يحرر الإنسان من سلطة رجل، لكنه قد يضعه تحت سلطة المال.
وأن الدولة حين تدخل لتنظيم الفوضى قد تمنع الفوضى، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه أوراقًا وأختامًا وتصاريح لا تنتهي.
وفي النهاية يظل العطشان عطشانًا.
وهنا تكمن السخرية الكبرى.
نحن البشر نملك قدرة خارقة على تحويل أبسط الأشياء إلى نظام معقد.
الماء ينزل من السماء. فنضع له مصلحة.
والطريق موجود. فنضع له تصريحًا.
والرجل عطشان. فنطلب منه أن ينتظر.
ثم نكتب لافتة تقول: «ممنوع الوقوف».
وإذا سأل: «طيب أشرب فين؟»
نقول له: «ارجع لنا غدًا».
ولعل أعجب ما في حكاية عم حكيم أن الرجل لم يكن يريد أن يحكم مصر. لم يكن يريد قصرًا. ولا جيشًا. ولا عرشًا. كان يريد فقط أن يروي العمال.
لكنه، مثل كثيرين من البشر، اكتشف أن السلطة الصغيرة لها مذاق خاص. فمن يمسك الزير يشعر للحظة أنه يمسك العالم. ومن يقف على السلم يشعر أنه أعلى من العطشان بدرجة. ومن يملك العصا ينسى أحيانًا أن العصا لا تجعل صاحبها أكثر حكمة.
ثم يأتي يوم تسقط فيه العصا من يده. ويجف الزير. ويموت الرجل. ويبقى الناس.
وهذا هو الدرس الذي لا تحبه القصور: الناس تنسى صاحب العصا، لكنها تتذكر من أعطاها الماء.
وربما لهذا بقيت حكاية حارة السقّايين. لا لأنها حكاية عن الماء.
بل لأنها حكاية عن الإنسان حين يمسك شيئًا صغيرًا، ثم يتخيل أنه صار كبيرًا. وحين يملك مفتاح باب، فيظن أنه يملك البيت. وحين يملك زيرًا، فيظن أنه يملك العطش. وحين يملك منصبًا، فيظن أنه يملك الناس.
أما الماء، فيبقى ماءً. ينزل من السماء بلا تصريح. ويمشي في النهر بلا ختم. ويذهب إلى الجميع بلا واسطة.
ولا يسأل أحدًا: «أنت من اليمين ولا من الشمال؟»
ولا يقول للعطشان: «صليت؟»
ولا يضرب يدًا بعصا.
الماء، وحده، كان أكثر ديمقراطية من كل الذين تنازعوا عليه.
ولهذا ربما كانت الحكاية أعمق مما تبدو.
ففي قصر عظيم أراد صاحبه أن يبني أجمل بلد، كان هناك في الظل رجل صغير يعلّق زيرًا على السطح.
وبين القصر والزير، بين الحاكم والسقّاء، بين المجاني والمدفوع، بين الأمر والاختيار، كانت مصر القديمة تعيد اكتشاف سؤالها الأبدي: من يملك حق أن يقول للإنسان كيف يعيش؟
ولم تجب الحكاية.
فقط تركت لنا زيرًا معلّقًا. وحارة اسمها حارة السقّايين. ورجلًا مات وهو يعتقد أن أعظم ما فعله في حياته أنه علّم الناس كيف يشربون. أما الناس، فربما كانوا قد تعلموا شيئًا آخر تمامًا: أن الماء إذا صار في يد رجل، قد يتحول إلى سلطة. وأن السلطة، إذا طال بها المقام، تنسى دائمًا أنها بدأت من شيء بسيط جدًا: جرعة ماء.
و أسألوا المغنية العظيمة التي استشهد ابنها بعد أن عبر البحر .. عن بيه الميه في حارة السقايين
و أسألوا أديبنا المبدع نجيب محفوظ الذي أمات السقا .
و أسألوا أهل عابدين أو الجمالية عن نفية الماء العمومية
و أسألوا من يريد أن يمتع الماء عن تاريخ هيرودوت
