الوجودية حين يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام حريته

الوجودية حين يجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام حريته
تخيّل أنك استيقظت ذات صباح. كل شيء في مكانه. الغرفة نفسها. النافذة نفسها. الشارع نفسه. والعالم يمضي، كأنه يعرف إلى أين يذهب. إلا أنت. للحظة واحدة، شعرت بأن شيئًا ما انكشف. سألت نفسك: لماذا أنا هنا؟ ليس: كيف وصلت إلى هنا؟ بل: لماذا؟ وهنا يبدأ السؤال الوجودي. ليس في الكتب. بل في الإنسان. في تلك اللحظة التي تسقط فيها الإجابات الجاهزة، ويجد المرء نفسه واقفًا أمام حياته، بلا ستار. الوجودية ليست فلسفة تقول لك كيف تعيش. إنها، قبل ذلك، فلسفة تسألك: هل أنت الذي يعيش حياتك فعلًا؟ أم أنك تعيش الحياة التي اختارها الآخرون لك؟ منذ طفولتنا، تُمنح لنا الأسماء. ثم القواعد. ثم القيم. ثم الأحلام. يقال لنا ما ينبغي أن نكونه. ماذا ندرس. كيف ننجح. ماذا نحب. ماذا نكره. ومتى نكون جديرين بالاحترام. نكبر. ثم نكتشف شيئًا مخيفًا. أننا ربما أمضينا سنوات طويلة نجيب عن أسئلة لم نسألها نحن أصلًا. وهنا تظهر الوجودية. لا باعتبارها مذهبًا واحدًا متماسكًا، بل بوصفها مجموعة من الأصوات المختلفة التي التقت حول مأزق واحد: الإنسان موجود أولًا، ثم عليه أن يقرر ماذا يفعل بهذا الوجود. كان هناك اختلاف عميق بين الوجوديين. بعضهم آمن بالله. وبعضهم رفض الإيمان. بعضهم رأى في العالم عبثًا. وبعضهم رأى أن الإنسان يستطيع أن يصنع معنى لحياته رغم العبث. لكنهم جميعًا اقتربوا من الجرح نفسه. ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ كيركغور... الإنسان أمام نفسه قبل أن تصبح الوجودية اسمًا فلسفيًا مشهورًا، كان هناك رجل دنماركي يقف وحيدًا في القرن التاسع عشر. سورين كيركغور. لم يستخدم كلمة «وجودية» لوصف فلسفته. لكن كثيرين رأوا فيه الأب الروحي لهذا التيار. كان كيركغور مشغولًا بالإنسان الفرد. لا بالإنسان بوصفه رقمًا في جماعة. ولا بوصفه عضوًا في مجتمع. بل بذلك الكائن الذي يعود في نهاية الليل إلى غرفته، ويواجه نفسه. هناك. حيث لا تنفع الشعارات. يرى كيركغور أن الحقيقة الأكثر أهمية ليست دائمًا حقيقة مجردة. هناك حقيقة يجب أن تعيشها. يمكنك أن تعرف كل شيء عن الشجاعة. لكن المعرفة لا تجعلك شجاعًا. يمكنك أن تقرأ مئات الكتب عن الحب. لكنها لا تجعلك محبًا. يمكنك أن تتحدث عن الإيمان. لكن الإيمان، عند كيركغور، ليس فكرة مريحة. إنه قفزة. مخاطرة. وقوف أمام المجهول. ولهذا كان القلق مهمًا في فلسفته. فالقلق ليس مجرد خوف من شيء محدد. الخوف له موضوع. أنت تخاف من المرض. من الفشل. من الموت. لكن القلق أعمق. إنه الشعور الذي يظهر عندما تدرك أن أمامك احتمالات لا حصر لها. وأنك أنت من سيختار. الحرية مخيفة. لأنها تعني المسؤولية. إذا كنت مقيدًا تمامًا، فلا أحد يستطيع أن يلومك. لكن ماذا لو كنت حرًا؟ هنا تبدأ المشكلة. الحرية... الهدية التي تشبه اللعنة نحن نحب الحرية عندما نتحدث عنها. لكننا نخاف منها عندما نمارسها. لأن الحرية تعني أنك لا تستطيع دائمًا أن تختبئ خلف الآخرين. أنت اخترت. أنت فعلت. أنت قلت نعم. أنت قلت لا. وحتى عدم الاختيار قد يكون اختيارًا. وهذا أحد أكثر الجوانب قسوة في التفكير الوجودي. أن تكون حرًا يعني أن تكون مسؤولًا. لا يمكنك أن تلقي حياتك كلها على المجتمع. ولا على والديك. ولا على الظروف. ولا على الماضي. ولا على الحظ. هذا لا يعني أن الظروف غير مهمة. بل يعني أنها لا تفسر كل شيء. قد لا تختار البداية. لكن ماذا ستفعل بما أعطي لك؟ ذلك هو السؤال. نيتشه... حين ماتت الآلهة ثم يأتي صوت آخر. أكثر غضبًا. أكثر تمردًا. فريدريك نيتشه. نيتشه لم يكن وجوديًا بالمعنى التاريخي الصارم الذي نستخدمه اليوم، لكنه أصبح واحدًا من أعظم مصادر الفكر الوجودي. كان يرى أن الإنسان الأوروبي دخل أزمة هائلة. الأفكار القديمة بدأت تفقد سلطتها. القيم التقليدية تهتز. والإيمان الذي كان يمنح العالم مركزًا ومعنى لم يعد بالنسبة لكثيرين قادرًا على أداء وظيفته القديمة. ومن هنا تأتي عبارته الشهيرة: "لقد مات الإله " لكن المقصود ليس مجرد إعلان انتصار الإلحاد. المسألة أعمق. إذا سقط المرجع الأعلى الذي كان يمنح الأشياء معناها... فماذا يبقى؟ إذا لم تعد السماء تقدم لك جدولًا جاهزًا للمعنى... فمن أين يأتي المعنى؟ هنا يتحول موت المرجع القديم إلى أزمة إنسانية. فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده. إنه يحتاج إلى معنى. وإذا انهارت المعاني الموروثة، قد يظهر الفراغ. وقد يتحول الفراغ إلى عدمية. والعدمية تقول، في صورتها الأكثر قتامة: لا شيء له معنى. لكن نيتشه لم يكن يريد أن يتوقف الإنسان عند هذه النقطة. كان يريد شيئًا أصعب. أن يصبح الإنسان قادرًا على خلق قيمه. أن يتجاوز ذاته. أن يقول للحياة نعم. حتى عندما تكون قاسية. حتى عندما لا تقدم له ضمانات. دوستويفسكي... الفلسفة داخل النفس أما فيودور دوستويفسكي فلم يكن فيلسوفًا أكاديميًا بالمعنى التقليدي. لكنه فعل شيئًا ربما تعجز عنه بعض الكتب الفلسفية. وضع الفلسفة داخل الإنسان. داخل الخوف. داخل الجريمة. داخل الرغبة. داخل الذنب. داخل التمرد. شخصياته لا تناقش الأفكار فقط. إنها تحترق بها. في رواياته، نرى الإنسان وهو يصطدم بحريته. وماذا يحدث عندما يريد الإنسان أن يكون حرًا إلى درجة رفض كل سلطة وكل قانون وكل معنى؟ هل يستطيع أن يعيش بلا حدود؟ هل يستطيع أن يكون إلهًا لنفسه؟ أم أن الحرية المطلقة تتحول إلى هاوية؟ دوستويفسكي فهم مبكرًا شيئًا سيصبح محوريًا في الفكر الوجودي: الإنسان ليس عقلًا فقط. إنه تناقض. يريد الخير. ثم يفعل الشر. يعرف ما ينبغي أن يفعله. ثم يفعل عكسه. يحلم بالحرية. ثم يبحث عن شيء يهرب إليه من ثقلها. ولهذا تبدو شخصيات دوستويفسكي كأنها غرف مظلمة. كل غرفة تخفي إنسانًا يسأل: ماذا لو لم يكن هناك معنى؟ والسؤال الأخطر: ماذا سأفعل إذا اكتشفت أنني حر؟ الوجود يسبق الجوهر ثم يصل الفكر الوجودي، في القرن العشرين، إلى واحدة من أشهر عباراته: الوجود يسبق الجوهر. اشتهرت العبارة مع جان بول سارتر. ما معناها؟ لنأخذ الأشياء أولًا. صانع الكرسي يعرف مسبقًا ما هو الكرسي. التصميم يأتي أولًا. ثم يأتي الشيء. لكن الإنسان مختلف. بحسب التصور السارتري، لا يولد الإنسان وفي داخله تعريف نهائي لما يجب أن يكونه. إنه يوجد أولًا. ثم يصنع نفسه من خلال اختياراته. أنت لست مجرد نتيجة لما وُلدت عليه. أنت أيضًا نتيجة لما تفعله. كل قرار يضيف سطرًا إلى تعريفك. كل موقف يكشف شيئًا عنك. كل اختيار يقول: هذا هو الإنسان الذي قررت أن أكونه. وهنا تظهر الحرية مرة أخرى. لكنها ليست حرية مريحة. إنها حرية ثقيلة. سارتر يقول، بمعنى عميق: الإنسان محكوم عليه بالحرية. لماذا «محكوم»؟ لأنك لا تستطيع أن تتخلص منها بسهولة. حتى عندما تقول: " ليس لدي خيار" قد تكون أمام خيارات لم تعترف بها. قد تختار الصمت. قد تختار الهروب. قد تختار الطاعة. لكن شيئًا ما في داخلك يظل يسأل: لماذا اخترت ذلك؟ الأصالة... أن تعيش حياتك لا حياة الآخرين ومن هنا نصل إلى مفهوم آخر. ربما هو الأكثر إنسانية: الأصالة. الأصالة لا تعني أن تكون غريبًا. ولا أن ترفض المجتمع لمجرد الرفض. ولا أن تفعل ما تشاء بلا مسؤولية. الأصالة تعني شيئًا أبسط وأصعب: أن تعرف أنك أنت صاحب حياتك. أن تختار، وأنت تعرف أنك تختار. أن لا تختبئ خلف الأدوار. قد تكون موظفًا. أبًا. أمًا. صديقًا. مواطنًا. لكن ماذا يوجد خلف كل هذه الأسماء؟ من أنت عندما تسقط الألقاب؟ قد ينجح الإنسان في أن يصبح كل شيء يريده الآخرون. ثم يكتشف أنه لم يصبح نفسه. وهذا أحد أكثر أشكال الاغتراب قسوة. أن تعيش حياة تبدو ناجحة من الخارج. لكنها غريبة عليك من الداخل. العبث... عندما لا يجيب العالم وهنا يظهر سؤال آخر. ماذا لو بحثت عن معنى... ولم تجد جوابًا؟ ماذا لو رفعت عينيك إلى العالم... فلم يرد؟ هذه هي منطقة العبث. وقد ارتبط مفهوم العبث خصوصًا بفكر ألبير كامو. لكن العبث ليس معناه أن الحياة «تافهة» بالضرورة. إنه الصدام بين حاجتين: الإنسان يريد معنى. والكون لا يقدم له جوابًا واضحًا. نريد تفسيرًا. العالم صامت. نريد عدالة كاملة. العالم لا يضمنها. نريد أن نعيش. ومع ذلك نعرف أننا سنموت. نريد اليقين. والحياة مليئة بالاحتمال. وهنا يولد العبث. مثل رجل يكرر السؤال نفسه في غرفة فارغة.ليس لأن السؤال بلا قيمة. بل لأن الغرفة لا تجيب. لكن كامو لم يرَ في ذلك سببًا للاستسلام. على العكس. كان التحدي هو أن تعيش رغم الصمت. أن تحب رغم الفناء. أن تصنع معنى رغم غياب المعنى الكوني المضمون. كأن الإنسان يقول للعالم: لن تمنحني جوابًا؟ حسنًا. سأعيش السؤال. الموت... الحقيقة التي لا يمكن تأجيلها ربما لا توجد فكرة وجودية أكثر حضورًا من الموت. نحن نعرف أننا سنموت. لكننا نعيش كأن الأمر لا يعنينا. نؤجل. نخطط. نجمع. نختلف. نغضب. نركض. ثم يأتي الموت ليكشف هشاشة كل ذلك. بالنسبة إلى مارتن هايدغر، الوعي بالموت ليس مجرد التفكير في النهاية. إنه طريقة لفهم الحياة نفسها. حين تعرف أن وقتك محدود، يتغير معنى الوقت. الساعة ليست مجرد ساعة. إنها جزء من حياتك يذهب. والحياة ليست مجموعة أيام متشابهة. إنها رصيد يتناقص. لهذا قد يكون الموت، paradoxically، أحد أكثر الأشياء التي تمنح الحياة وضوحًا. لأن النهاية تجعل الاختيار مهمًا. لو كنا خالدين، ربما لم يكن هناك استعجال للحب. ولا للغفران. ولا للبدء. لكننا لسنا خالدين. وهذه ليست مجرد مأساة. إنها أيضًا حقيقة تمنح للحظة وزنها. الفزع واليأس الوجودية لا تخاف من المشاعر المظلمة. بل تدخل إليها. الفزع. القلق. اليأس. لأنها ترى أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف عن الهروب من نفسه. نحن نعيش وسط الضوضاء. العمل. الهاتف. الأخبار. المحادثات. الخطط. المواعيد. كل شيء يساعدنا على ألا نسمع السؤال الداخلي. لكن عندما يصمت كل شيء... يظهر السؤال. هل أنا سعيد حقًا؟ هل هذه حياتي؟ ماذا أفعل بوجودي؟ وقد يكون هذا مؤلمًا. لكنه قد يكون ضروريًا. فالقلق ليس دائمًا عدوًا. أحيانًا هو رسالة. يقول لك: هناك شيء في حياتك لا يمكنك الاستمرار في تجاهله. الوجودية والدين وهنا يجب أن ننتبه. ليس صحيحًا أن الوجودية تعني الإلحاد بالضرورة. هناك وجودية دينية. وأبرز جذورها تعود إلى كيركغور. عنده، الإنسان يقف أمام الله لا باعتباره فكرة فلسفية باردة، بل باعتباره فردًا. وحيدًا. مسؤولًا. محدودًا. وهشًا. في المقابل، ظهرت وجودية ملحدة عند سارتر وغيرِه، ترى أن الإنسان لا يحتاج إلى معنى مفروض من السماء لكي تكون حياته ذات قيمة. وهنا يفترق الطريقان. لكن الغريب أنهما يلتقيان في مكان ما. كلاهما يأخذ الإنسان على محمل الجد. كلاهما يرفض أن تكون الحياة مجرد آلية. وكلاهما يسأل: كيف ستعيش؟ وجودية كيركغور تقول تقريبًا: عليك أن تختار علاقتك بالله بصدق. وجودية سارتر تقول: عليك أن تتحمل مسؤولية حياتك في عالم بلا ضمان ميتافيزيقي. الاختلاف هائل. لكن السؤال الإنساني واحد. ماذا ستفعل بوجودك؟ الوجودية ليست عدمية وهنا يحدث الالتباس الأكثر شيوعًا. يظن البعض أن الوجودية تقول: «الحياة بلا معنى.» لكن هذا تبسيط شديد. العدمية قد تنتهي إلى القول: لا معنى. إذن لا شيء يستحق. أما الوجودية فتقول، في كثير من صورها: ربما لا يوجد معنى جاهز. لكن هذا لا يعني أن حياتك بلا قيمة. الفرق هائل. الأولى تغلق الباب. الثانية تفتح باب المسؤولية. إذا لم تجد معنى جاهزًا... فالسؤال يصبح: ماذا ستفعل؟ أن تحب. أن تخلق. أن تتحمل. أن تساعد. أن تكتب. أن تبني. أن تؤمن. أن تقاوم.أن تختار. قد لا تستطيع إثبات أن هذه الأشياء تحمل معنى كونيًا أبديًا. لكن يمكنك أن تمنحها معنى في حياتك. الوجودية في عصرنا والآن... نحن نعيش في زمن غريب. لدينا معلومات أكثر من أي وقت مضى. لكننا لا نملك بالضرورة معنى أكثر. نتصل بالجميع. ونشعر بالوحدة. نملك خيارات لا حصر لها. ثم نشعر بالعجز عن الاختيار. نعرف العالم كله من خلال شاشة.لكننا قد لا نعرف أنفسنا. السؤال الوجودي لم يمت. بل أصبح أكثر إلحاحًا. ربما لم يعد الإنسان يسأل فقط: "من أنا؟ " بل: هل أنا من اختار أن أكونه؟ في عصر يستطيع فيه الآخرون أن يحددوا لك كيف تبدو، وماذا تشتري، وماذا تكره، وماذا تحب... تصبح الأصالة مقاومة. وفي عصر المقارنة المستمرة... تصبح معرفة الذات شجاعة. وفي عالم يطلب منك أن تكون منتجًا دائمًا... قد يصبح مجرد التوقف وسؤال النفس فعلًا فلسفيًا. وأنت... ماذا ستفعل بحريتك؟ ربما هذه هي النقطة التي تريد الوجودية أن تصل إليها. ليس أن تحفظ أسماء الفلاسفة. ولا أن تتقن المصطلحات. بل أن تنظر إلى حياتك. بهدوء. ثم تسأل: هل أعيش كما أريد؟ إذا كانت الإجابة «نعم»... فلا تتوقف. وإذا كانت «لا»... فلا تهرب من السؤال. قد لا تستطيع تغيير كل شيء. لكن ربما تستطيع تغيير خطوة. قرار. موقفًا. علاقة. طريقة نظر. وأحيانًا تبدأ الحرية من اعتراف صغير: هذه حياتي. لا حياة والدي. ولا حياة المجتمع. ولا حياة الصورة التي يريدها الآخرون مني. حياتي أنا. بكل ما فيها من نقص. وخوف. وتناقض. وعدم يقين. وموت. ورغم ذلك... يمكن أن تكون جديرة بأن تُعاش. لأن الوجودية لا تعدك بحياة سهلة. إنها تفعل شيئًا أكثر قسوة. تضع حياتك بين يديك. ثم تقول: اختر. لكن تذكّر. أن كل اختيار له ثمن. وأن الحرية ليست غياب القيود. إنها القدرة على أن تقول: أنا مسؤول عمّا سأفعله بما أعطيت. ربما لن نعرف أبدًا لماذا وُجدنا. وربما سيظل الكون صامتًا. وربما لن تأتي الإجابة التي انتظرناها طويلًا. لكن الإنسان يستطيع أن يعيش دون إجابة نهائية. أن يحب دون ضمان. أن يبدأ دون يقين. أن يصنع معنى في عالم لا يقدمه جاهزًا. وهنا تكمن المفارقة. نحن كائنات تعرف أنها ستموت... ومع ذلك نبني. نحن نعرف أن كل شيء مؤقت... ومع ذلك نحب. نعرف أن الزمن يأخذ كل شيء... ومع ذلك نزرع. ربما ليست البطولة في أن تهزم الموت. فهذا مستحيل. ربما البطولة أن تعيش رغم معرفتك به. أن ترى هشاشة العالم... ولا تتحول إلى حجر. أن تعرف عبث الحياة... ولا تتوقف عن منحها معنى. أن تعرف أنك حر... ولا تستخدم الحرية ذريعة للأنانية. وأن تعرف أنك محدود... ولا تجعل محدوديتك عذرًا للاستسلام. في النهاية، قد لا يكون السؤال: لماذا وُجد الإنسان؟ ربما السؤال الأشد صدقًا هو: ماذا سيفعل الإنسان بهذا الوجود الذي مُنح له؟ وهنا... يعود كل شيء إليك. إلى اختيارك. إلى خوفك. إلى شجاعتك. إلى حياتك القصيرة. إلى تلك اللحظة التي تستيقظ فيها ذات صباح، وتنظر إلى العالم، ثم تدرك الحقيقة التي حاولت طويلًا أن تنساها: لا أحد يستطيع أن يعيش حياتك بدلًا منك. وهذا مخيف. لكنه أيضًا... أجمل ما في الحرية.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال