الحقّ: الثبات الإلهي وأثره في بناء الإنسان والمجتمع

الحقّ: الثبات الإلهي وأثره في بناء الإنسان والمجتمع
تمهيد ثمّة كلمات في اللغة تشبه منابع الماء؛ كلما أقبل عليها الباحث ظنّ أنه بلغ قرارها، فإذا بها تفتح له مجرى جديدًا من المعاني. ومن هذه الكلمات كلمة «الحق»؛ كلمة قصيرة في مبناها، واسعة في معناها، تجمع العقيدة والأخلاق، والقانون والضمير، والفرد والمجتمع، والظاهر والباطن. وهي ليست مجرد مفهوم ذهني يُتداول في كتب الفلسفة والفقه، بل هي معنى حيّ يتصل بأصل الوجود نفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمّى نفسه الحق، فقال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الحج: 6 وحين يذكر الإنسان «الحق» فإن ذهنه قد يذهب إلى الصواب في مقابل الخطأ، أو إلى العدالة في مقابل الظلم، أو إلى الصدق في مقابل الكذب. غير أن الدلالة القرآنية أوسع من ذلك كله؛ فالحق هو الثابت الذي لا ينهار بتغيّر الأهواء، ولا يسقط بتبدّل المصالح، ولا يصير باطلًا لأن الناس أعرضوا عنه. ولهذا جاء التعبير القرآني شديد الإيحاء: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ الإسراء: 81 فالحق حضور وثبات، والباطل عارضٌ زائل، مهما بدا في لحظة من اللحظات قويًّا متسلطًا. ومن هنا تبدو دراسة «الحق» دراسةً للإنسان نفسه: كيف يعرف؟ وكيف يحكم؟ وكيف يعدل؟ وكيف يتحرر من أسر الوهم والهوى؟ وكيف يستطيع أن يعيش مع الآخرين من غير أن يظلمهم أو يهضم حقوقهم؟ كما تبدو دراسةً للحياة الروحية؛ لأن القلب إذا فقد ميزان الحق اضطرب، وإذا استقر فيه اليقين بالله هدأ وسكن. أولًا: الحق في اللغة والاصطلاح يرتبط لفظ الحق في العربية بمعاني الثبوت والوجوب والصحة والاستقامة. فالحق هو الأمر الثابت المستقر الذي لا يسوغ نفيه لمجرد الرغبة في نفيه. ومن هنا ارتبط اللفظ بالوضوح والبيان. وقد عبّر العرب قديمًا عن ذلك بقولهم: «الحق أبلج والباطل لجلج»؛ أي إن الحق واضح مشرق، بينما يظل الباطل مترددًا مضطربًا، يحتاج في بقائه إلى الالتواء والمراوغة. أما في الاصطلاح الشرعي، فالحق أوسع من أن يكون حكمًا قضائيًا أو منفعة مادية؛ إنه كل ما ثبت بدليل معتبر، وكان موافقًا للعدل والشرع والفطرة السليمة، ويشمل حق الله تعالى، وحقوق العباد، وحقوق النفس، والحقوق الاجتماعية والقانونية. وعلى هذا، فالحق قد يكون عقيدةً؛ كالإيمان بوحدانية الله تعالى، وقد يكون عبادةً؛ كالصلاة والزكاة، وقد يكون خُلُقًا؛ كالصدق والأمانة، وقد يكون معاملةً اجتماعية؛ كحفظ المال والدم والعرض والكرامة، وقد يكون موقفًا نفسيًا؛ كأن يعترف الإنسان بخطئه بدل أن يدافع عن ذاته دفاعًا أعمى. إن الإنسان قد يعرف الحق في الكتب، ثم يضيّعه في الواقع. وقد يحسن الحديث عن العدالة، ثم يظلم من هم أضعف منه. وقد يرفع شعار الصدق، ثم يكذب حين تمسّ الحقيقة مصلحته. وهنا تنتقل قضية الحق من مجال المعرفة إلى مجال التربية؛ فالمشكلة ليست دائمًا في جهل الحق، وإنما في ضعف الإرادة أمام الهوى. ثانيًا: الحق اسم من أسماء الله الحسنى من أعمق المعاني الإيمانية أن «الحق» اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ طه: 114 وقال سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ النور: 25 ودلالة الاسم هنا ليست مجرد أن الله «صادق» في كلامه، مع أن صدقه سبحانه كامل، وإنما تعني أن الله تعالى هو الحق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ووعده وحكمه؛ فهو الموجود الحق الذي لا يلحقه زوال ولا نقص، ولا تتطرق إلى كماله شبهة التغير أو الاضطراب. ولهذا فإن التعلق باسم الله الحق يحرر الإنسان من عبادة المتغيرات. فالمال يتبدل، والمكانة تتغير، والمديح يزول، والوجوه التي تملأ حياتنا اليوم قد يغيب كثير منها غدًا. أما الله سبحانه وتعالى فليس طارئًا في حياة الإنسان، بل هو الأصل الذي إليه تؤول الأشياء كلها. وإذا استقر هذا المعنى في القلب، لم يعد المرء يقيس قيمة الأشياء بكثرتها، ولا مكانة الناس بسلطانهم، ولا الحقيقة بعدد الموافقين لها. وربما كان في هذا سر من أسرار التربية الإيمانية: أن يتحول مركز الثقل في النفس من الخلق إلى الخالق، ومن التقلب إلى الثبات، ومن انتظار التصفيق إلى ابتغاء وجه الله. ثالثًا: الحق والعدل؛ حين يتحول الإيمان إلى سلوك لا يكتمل معنى الإيمان بالحق إذا بقي في القلب مجرد فكرة. فالحق يطلب أثره في السلوك، وأوضح آثاره العدل. وقد ربط القرآن الكريم رسالة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الحديد: 25 فالكتاب يهدي، والميزان يضبط، والمقصد الاجتماعي هو أن يقوم الناس بالقسط. واللافت أن القرآن لا يجعل العدل فضيلةً نمارسها حين نحب الناس فقط؛ بل يضعه موضع الاختبار الحقيقي حين يتدخل الغضب والمصلحة والقرابة. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ المائدة: 8 وهذا من أرقى الدروس النفسية في القرآن: لا تجعل مشاعرك ميزانًا للحقيقة. فقد تكره إنسانًا، لكن كراهيتك لا تمنحك حق ظلمه. وقد تحب قريبًا لك، لكن محبّتك لا تجعله بريئًا من الخطأ. ولهذا شدد القرآن أكثر فقال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ النساء: 135 فالحق هنا امتحان للضمير قبل أن يكون حكمًا على الآخرين. رابعًا: الحق والإنسان من الداخل من المنظور النفسي، يعيش الإنسان صراعًا مستمرًا بين ما يريد وما يعرف أنه صواب. قد يعلم الموظف أنه ينبغي أن يؤدي الأمانة، ثم يغريه مكسب سريع. وقد تعرف طالبة أنها أخطأت في موقف ما، لكن الاعتراف بالخطأ يبدو لها مؤلمًا أمام الآخرين. وقد يدرك الإنسان أن اعتذاره هو الطريق الأقصر إلى السلام، لكنه يفضّل العناد حفاظًا على صورة متخيلة عن نفسه. وهنا تظهر إحدى وظائف الحق في بناء الشخصية: إعادة الإنسان إلى الواقع. فالإنسان الذي اعتاد الإنكار يعيش في عالم تصنعه رغباته. أما الإنسان الصادق مع نفسه فيملك شجاعة النظر في المرآة الداخلية، حتى لو وجد فيها ما لا يحب. ولهذا فإن التوبة في التصور الإسلامي ليست مجرد شعور بالذنب، بل عودة إلى الحق بعد انحراف عنه. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ آل عمران: 135 إنها تربية على عدم الاستسلام للخطأ. فالإنسان قد يزلّ، لكن الخطر يبدأ حين يحوّل الزلة إلى هوية، والخطأ إلى عادة، والعادة إلى فلسفة يبرر بها نفسه. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الحق والصحة النفسية بصورة عميقة: الإنسان الذي يكذب على نفسه باستمرار يحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة حتى يحافظ على كذبته؛ أما الصدق مع النفس فيمنح القلب شيئًا من الخفة. لا يعود المرء مضطرًا إلى صناعة روايات كثيرة كي يبرر موقفًا واحدًا. ولذلك كان ذكر الله في المنظور القرآني طريقًا إلى استعادة التوازن الداخلي: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28 والطمأنينة هنا ليست غياب المشكلات، بل وجود مركز ثابت في قلب الإنسان يستطيع أن يعود إليه كلما اضطربت الحياة. خامسًا: الحق في الحياة الاجتماعية المجتمع الذي يضيع فيه الحق يتحول شيئًا فشيئًا إلى مساحة للخوف والشك. فإذا لم يطمئن الناس إلى أموالهم، ضعفت التجارة. وإذا لم يطمئنوا إلى كلام بعضهم، انهدمت الثقة. وإذا شعر الضعيف أن القانون لا يحميه، نشأت الرغبة في الانتقام. وإذا اعتقد الموظف أن الترقية لا تكون بالكفاءة بل بالواسطة، مات الاجتهاد في داخله. وهكذا فالحق ليس قضية أخلاقية فردية فحسب، بل هو رأس مال اجتماعي؛ به تنشأ الثقة، وبالعدل يستقر المجتمع. وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم معيارًا بالغ الدقة للأمن الاجتماعي حين قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»؛ فسلامة المجتمع تبدأ من سلامة السلوك اليومي، من الكلمة التي لا تهدم، واليد التي لا تعتدي، والمال الذي لا يُنتزع ظلمًا. وهو حديث صحيح رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وهو في صحيح البخاري. إن هذا الحديث ينقل الحق من مستوى «لا أظلمك» إلى مستوى أرقى: «أريد لك من الخير ما أريده لنفسي». ومن هنا يصبح المجتمع مجالًا للتكافل لا مجرد تعايش اضطراري بين أفراد متجاورين. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر النصرة في الدفاع عن المظلوم، بل علّم أن نصرة الظالم تكون بمنعه من ظلمه؛ فقال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فلما سئل عن نصرة الظالم بيّن أنها بمنعه من الظلم. وهذه قاعدة تربوية واجتماعية شديدة الأهمية؛ لأن التساهل مع الظلم باسم المحبة ليس محبة، والتستر على الخطأ باسم الوفاء ليس وفاءً، بل قد يكون مشاركة غير مباشرة في صناعة الظلم. سادسًا: الحق والظلم؛ نقيضان في النفس والمجتمع إذا كان الحق ثباتًا ونورًا، فإن الظلم اضطراب وظلمة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». والظلم لا يبدأ دائمًا بسفك الدماء أو اغتصاب الأموال. قد يبدأ بكلمة صغيرة، بسخرية من إنسان، أو تشويه سمعته، أو اتهامه بما لم يفعل، أو حرمانه من فرصة يستحقها. وقد يظلم الإنسان نفسه أيضًا؛ بأن يحملها ما لا تطيق، أو يفسد فطرته بالشهوات، أو يعيش وفق توقعات الآخرين حتى يفقد صوته الداخلي، أو يعرف الحق ثم يدفنه تحت طبقات من التبرير. ولهذا فالعدل يبدأ من الداخل. لا يستطيع قلب امتلأ بالحقد أن ينتج عدلًا مستقرًا. ولا يستطيع إنسان لا يحترم نفسه أن يحترم حقوق الآخرين دائمًا. والعدل ليس مجرد إجراء خارجي؛ إنه تهذيب للرغبة حتى لا تستولي الرغبة على الحكم. وقد صاغ المتنبي هذه الملاحظة الأخلاقية في بيت بالغ النفاذ إلى النفس: والظلمُ من شِيَمِ النفوسِ فإن تجدْ ذا عِفّةٍ فلعِلّةٍ لا يَظْلِمُ وهو يلتفت إلى حقيقة نفسية مؤلمة: أن القدرة على الظلم قد تكون موجودة، وأن العفة عنها هي الامتحان الحقيقي للأخلاق. سابعًا: الحق بين العقل والهوى من أكثر ما يشوّش إدراك الحق أن الإنسان لا يرى الأشياء دائمًا كما هي، بل يراها من خلال تجاربه، ومخاوفه، ومصالحه، وصورته عن ذاته. قد يدخل شخصان في نقاش واحد؛ يسمع أحدهما الجملة نفسها فيراها نصيحة، ويسمعها الآخر فيراها إهانة. ليست المشكلة هنا في وجود حقائق مختلفة بالضرورة، وإنما في اختلاف التأويل والإدراك. ولذلك ينبغي التمييز بين «الحق» وبين «تصوري أنا عن الحق». فقد أكون مقتنعًا بشيء، ثم أكتشف أن قناعتي كانت ناقصة. وقد أمتلك جزءًا من الصورة وأتوهم أنني أملك الصورة كلها. ومن هنا تأتي قيمة التواضع العلمي والروحي. فالحق أكبر من الأنا. والعالِم الحق هو الذي يستطيع أن يقول: «لا أعلم»، وأن يراجع اجتهاده حين يظهر له الدليل. ولهذا كانت من أجمل الحكم التي رسخها التراث العربي قول المتنبي: وليس يصحُّ في الأفهامِ شيءٌ إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ وقد عبّر بهذا عن قوة الواضح حين تكون الدلالة عليه كإشراق النهار. لكن الوضوح لا يعني أن كل قضية سهلة؛ فبعض الحقائق تحتاج علمًا وتخصصًا وتجردًا، وبعضها لا ينكشف إلا بعد طول بحث. ولذلك فإن من أخلاق طلب الحق أن نجمع بين اليقين فيما ثبت، والتواضع فيما لم يثبت. ثامنًا: الحق والحقيقة يشيع في بعض الكتابات التفريق بين «الحق» و«الحقيقة» على أساس أن الحق ثابت، وأن الحقيقة نسبية دائمًا. وهذا التعبير يحتاج إلى شيء من الدقة. فالحقيقة في أصل استعمالها قد تعني الأمر الثابت المطابق للواقع، وليست كل حقيقة نسبية. لكن إدراك الإنسان للحقيقة وتفسيره لها قد يكونان نسبيين؛ لأن الإنسان محدود المعرفة، مختلف التجربة، متأثر بالسياق واللغة والثقافة. وعليه يمكن القول: إن الحق من حيث مصدره الإلهي ثابت، أما معرفة الإنسان بهذا الحق فقد تصيب وقد تخطئ، وقد تكون كاملة في مجال وناقصة في مجال آخر. وهنا يظهر الفرق بين التواضع والشك. التواضع يقول: «قد أخطئ في فهمي»، أما الشك المفرط فيقول: «لا حقيقة ثابتة أصلًا». والمنظور الإسلامي لا يقوم على العبث المعرفي، بل على الإيمان بأن وراء هذا الكون حقيقةً ثابتة، وأن الوحي جاء ليهدي الإنسان إليها. فالقرآن يصف المكذبين بأنهم كانوا في اضطراب حين كذبوا بالحق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ق: 5؛ أي في حال من الاختلاط والاضطراب. تاسعًا: البعد الصوفي؛ حين يصبح الحق حالًا في القلب في التجربة الروحية الصافية، لا يكون ذكر اسم الله «الحق» مجرد تكرار لفظي، بل محاولة للانتقال من معرفة الحق بالعقل إلى معايشة معناه في القلب والسلوك. فالعارف بالله لا يبحث عن الحق ليغلب به الآخرين، بل يبحث عنه ليُهذّب به نفسه. وهذه نقطة فارقة؛ لأن الإنسان قد يستخدم «الحق» سيفًا على الآخرين، بينما يترك نفسه بلا محاسبة. أما التربية الروحية فتبدأ بالسؤال الأصعب: أين أنا من الحق؟ لا: أين أخطأ الناس؟ وأين ظلموا؟ وأين قصروا؟ بل: أين ظلمت أنا؟ وأين خدعت نفسي؟ وأين أخفيت هوى النفس تحت ثوب المبدأ؟ وهنا تتحول محاسبة النفس إلى مرآة داخلية. فيجلس الإنسان مع قلبه كما يجلس المسافر في آخر الليل مع زاده: يتفقد ما معه قبل أن يواصل الطريق. إن ذكر اسم الله «الحق» يمكن أن يكون تربيةً على الصدق، وعلى إسقاط الأقنعة، وعلى ترك التعلق بالمظاهر. فالله لا يحتاج من عبده خطابًا جميلًا، وإنما يريد قلبًا صادقًا وعملًا مستقيمًا. ومن جمال التصوف المنضبط بالوحي أنه يجعل الحق نورًا يهذب المحبة، لا شعارًا يصنع الخصومة. فكلما اقترب القلب من الله ازداد رحمةً بالخلق، وعدلًا معهم، وأقلَّ تعصبًا لنفسه. ومن ثم لا تعود العبادة منفصلة عن الأخلاق؛ فالصلاة التي لا تمنع الظلم تحتاج إلى مراجعة، والعلم الذي لا يورث تواضعًا يحتاج إلى مراجعة، والذكر الذي لا يرقق القلب يحتاج إلى مراجعة. عاشرًا: نماذج حياتية للحق يمكن أن نرى معنى الحق في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة. فالطالب الذي يعترف بأن الإجابة ليست من عمله، ثم يرفض الغش، يمارس الحق. والموظف الذي يعيد مالًا زائدًا وصل إلى حسابه بالخطأ، يمارس الحق. والأب الذي لا يحابي أحد أبنائه على حساب الآخرين، يمارس الحق. والأستاذ الذي يقيّم الطالب المجتهد بعدل، مهما كانت علاقته الشخصية به، يمارس الحق. والصديق الذي يمنع صديقه من تشويه سمعة إنسان بريء، بدل أن يجامله، يمارس الحق. والكاتب الذي لا ينسب معلومة إلى مصدر لم يقرأه، ولا يختلق مرجعًا لتجميل بحثه، يمارس الحق. والباحث الذي يذكر الرأي المخالف بأمانة قبل أن يناقشه، يمارس الحق. والإنسان الذي يعتذر لأسرته عندما يخطئ، بدل أن يختلق الأعذار، يمارس الحق. وهكذا يتبين أن الحق ليس فكرة معلقة في السماء؛ إنه يسكن في الفاتورة، والامتحان، والوظيفة، والبيت، والجامعة، والهاتف، ومواقع التواصل، وطريقة حديثنا عن غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه. حادي عشر: من الحق إلى الإحسان لكن الإسلام لا يقف عند مجرد أداء الحقوق؛ فهناك درجة أعلى هي الإحسان. قد أعطيك حقك دون أن أظلمك، وهذا عدل. وقد أعطيك حقك بابتسامة ورحمة وتجاوز عن بعض هفواتك، وهذا إحسان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ النحل: 90 فالحق يحفظ النظام، والإحسان يحيي الروح. والعدل يمنع القسوة، والإحسان يزرع المودة. وفي المجتمعات التي يضعف فيها الإحسان تصبح العلاقات حسابات باردة: «أعطني حقي وأعطيك حقك». أما حين يحضر الإحسان، يصبح الإنسان أكثر رحمةً، ويصبح الخطأ قابلًا للإصلاح، ويصبح المجتمع أكثر قدرة على احتواء الضعف الإنساني. ومن هنا تتصل العدالة بالرحمة، ولا تتعارضان؛ فالرحمة التي تهدم الحقوق ظلمٌ مقنّع، والعدالة التي تخلو من الرحمة قد تتحول إلى قسوة. خاتمة إن الحق ليس كلمة من كلمات المعجم، ولا موضوعًا نظريًا ينتهي بانتهاء صفحات الكتاب. إنه ميزان تتوازن به حياة الإنسان كلها. فالحق في العقيدة هو الله سبحانه وتعالى؛ والحق في المعرفة هو الصدق مع الواقع والدليل؛ والحق في الأخلاق هو الأمانة والاستقامة؛ والحق في المجتمع هو العدل وصيانة الكرامة؛ والحق في النفس هو ألا يخدع الإنسان نفسه، وأن يعترف بضعفه وخطئه، وأن يفتح باب التوبة كلما ابتعد. والقرآن لا يقدم الحق بوصفه فكرة باردة، وإنما يربطه بالنور والهداية والقسط؛ كما يربط الباطل بالزهوق والاضطراب. والنبي صلى الله عليه وسلم يحول هذه المعاني إلى سلوك: سلامة اللسان واليد، وحب الخير للآخر، ونصرة المظلوم ومنع الظالم من ظلمه. ومن الناحية النفسية، يحرر الحق الإنسان من أسر التبرير والإنكار، ويمنحه إمكانية المصالحة مع ذاته. ومن الناحية الاجتماعية، يصنع الثقة ويمنع تفكك الجماعة. ومن الناحية الروحية، يعيد القلب إلى أصله: إلى الله الذي وصف نفسه بأنه الحق المبين. ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من هذه الرحلة أن يدرك أن البحث عن الحق لا يبدأ دائمًا بالخروج إلى العالم، بل يبدأ بالدخول إلى النفس. قد يكون الحق قريبًا منا، لكن الغبار كثير. وقد يكون النور حاضرًا، لكن العين مشغولة بالسراب. وقد يكون الطريق مستقيمًا، لكن النفس تريد طريقًا يوافق هواها. وهنا يأتي اسم الله الحق ليعيد ترتيب الداخل: أن نعرف قبل أن نحكم، وأن نعدل قبل أن نطالب بالعدل، وأن نصدق قبل أن نطلب الصدق، وأن نرحم قبل أن ننتظر الرحمة. فالحق إذا سكن العقل صار بصيرة، وإذا سكن الضمير صار أمانة، وإذا سكن السلوك صار عدلًا، وإذا سكن القلب صار طمأنينة. وعندها لا يعود الإنسان أسيرًا لما يتغير؛ لا يخاف من ذهاب مدح، ولا ينهار من فقد مكانة، ولا يجعل كثرة الأتباع دليلًا على صحة الطريق. يكفيه أن يتجه إلى الثابت الذي لا يتبدل. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتتعاظم فيه سرعة الأخبار، وتختلط فيه الحقيقة بالإشاعة، تزداد حاجتنا إلى هذا الميزان القديم الجديد: ميزان الحق. فإذا التبس الطريق، عدنا إلى الوحي. وإذا اضطرب القلب، عدنا إلى الذكر. وإذا اختلف الناس، عدنا إلى العدل. وإذا أخطأنا، عدنا إلى التوبة. وإذا كثر الباطل، لم نيأس؛ لأن الله وعد بأن الباطل زهوق. وهكذا يبقى الحق، كما كان في أول الطريق، واضحًا كالفجر بعد ليل طويل؛ قد يحجبه الغيم حينًا، لكنه لا يفقد نوره. ويظل القلب الذي عرف ربه حقًّا أقلَّ خوفًا من ضجيج العالم، وأكثر قدرةً على أن يقول في هدوء المؤمنين: هذا هو الحق، فإليه أرجع، وبه أزن، ولوجه الله أطلبه. مراجع مختارة 1. القرآن الكريم: سور الحج، والإسراء، والمائدة، والنساء، والحديد، والرعد، وق، وآل عمران، والنحل. 2. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الإيمان وكتاب المظالم. 3. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، وكتاب البر والصلة والآداب. 4. الأصفهاني، الراغب، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، وهو من المصادر الأساسية في دراسة الدلالة القرآنية للألفاظ. 5. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن. 6. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن. 7. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم. 8. السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. 9. ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. 10. المتنبي، أحمد بن الحسين، ديوانه، في الحكم الشعرية المتصلة بطبيعة النفس والظلم والعدل. 11. ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة «بلج» وما يتصل بدلالة الوضوح والإشراق.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال