حينَ يلينُ القاسي
نشيدُ الوفاءِ والهوى
أيُّها القاسي، ألا ترعى الوفا؟ كم تقلبتَ على ذاك الجفا
كم قاسيتُ الليالي في الأسى وكم ناجيتُ فيها من عفا
كنتُ في هدأةِ عيشي هانئًا لا أرى في العمر إلا ما صفا
فإذا أنتَ، ومن ألقى هوىً في فؤادي، فأحالَ الروحَ صَفا
كنتَ لي في الليل بدرًا ساطعًا ثم غبتَ، فاستحالَ البدرُ كسفا
كنتَ نبعَ الودِّ، في صحراءِ قلبي فغدوتَ اليومَ جرحًا ما شُفي
يا حبيبًا كان في عيني سنا كيف صرتَ في عيوني مُنطفا؟
كيف تبدّل ذلك العهدُ الذي كان في أعماقنا طهرًا ووفا؟
كنتَ إن مرَّ المساءُ مبتسمًا تملأ الآفاقَ بشرًا وشغفا
وإذا أقبلَ صبحٌ من محيّاكَ رأيتُ الصبحَ في عينيك صفا
كنتُ أقرأ في سكوتك قصةً كلُّ حرفٍ في حناياها شفا
وأرى في كلِّ همسٍ منك لي وعدَ حبٍّ صادقًا لا يختفي
كنتَ تمضي في دمي متوهجًا مثل نجمٍ في سماءٍ لا يَفَى
فلماذا حين أقبلتَ الهوى أدبرتَ عني، وتركتَ الجوى؟
أين عهدٌ كنتَ بالأمسِ له حارسًا، لا ترضى عنه انحرافا؟
أين ذاك القلبُ إن ناديتُهُ كان لي سمعًا، وكان لي وفا؟
يا الذي علّمتني معنى الهوى ثم علّمتَ الفؤادَ الانطفا
كيف أرجو منك قلبًا راحمًا وأنتَ القاسي، تزيدني جفا؟
إن يكن ذنبي بأني قد أحببتُ فحبّي ليس ذنبًا أو خطا
إن يكن جرمي بأني قد وفيتُ فالوفاءُ اليومَ ليس له جزا
ما طلبتُ القصرَ أو مالَ الملوكِ ولا أردتُ من الحياةِ الثراء
كلُّ ما أرجوه قلبٌ صادقٌ إن أتى وعدًا، أتى بالوفا
كنتُ أهوى منك نظرةَ رحمةٍ فتردُّ الروحَ بعد العنا
وابتسامًا منك يكفي مهجتي كي أرى الدنيا ربيعًا وندى
كنتُ أحتاجُ إلى صوتِك فقط حين يطغى في ضلوعي ما جفا
كنتُ أحتاجُ إلى كفٍّ حانيةٍ تمسح الأحزانَ عن قلبي إذا
غير أن الريحَ جاءت عاصفًا فأمالت في فؤادي ما نما
واستبدَّ البعدُ حتى لم يعد بيننا إلا صدىً ثم صدى
يا بعيدًا وهو أقربُ من دمي يا غريبًا وهو في قلبي هنا
كيف أخفي الشوقَ عن عينيَّ إن كلما أخفيته، بانَ الخفا؟
في عيوني ألفُ سؤالٍ حائرٍ وفي قلبي ألفُ جرحٍ ما برا
كلما قلتُ: سأطوي ذكركم عاد طيفُك في المساءِ فأسرى
يا حبيبَ الروح، مهلاً إنني لستُ حجرًا لا يحسُّ أو يرى
أنا قلبٌ إن أحبَّ مرةً لا يرى في الحبِّ إلا ما صفا
إن جفوتَ، فالجوى يزدادُ بي وإن دنوتَ، استعادَ القلبُ شفا
بين هجرٍ ووصالٍ عشتُ في بحرِ شوقٍ لا شواطئَ له
مرةً ألقاكَ في حلمي ضحىً ومرةً ألقاكَ ليلًا قد جفا
مرةً تأتي كنسمةِ عاشقٍ ومرةً تأتي كريحٍ من جفا
أنتَ في الحالتين تسكنُ مهجتي لا يزولُ العشقُ مهما قد جرى
فالهوى سرٌّ إذا سكنَ الفؤادَ لا يطيقُ القلبُ منه انصرافا
كم كتبتُ الليلَ عنك قصائدًا ثم مزقتها حياءً من الجفا
وكم أخفيتُ دموعي عن الورى كي يقالَ إنني صلبٌ عفا
والحقيقةُ أن قلبي، يا حبيبي كلما أخفيتُهُ، ازدادَ انكشافا
فالعاشقُ الموجوعُ مهما قد صمتْ تفضحُ العينانِ منه ما خفا
يا لَليلٍ طال حتى حسبتُهُ لا يريدُ الصبحَ يومًا أن يجيء
كنتُ أعدُّ النجومَ واحدةً وأرى في كلِّ نجمٍ لكَ صدى
قلتُ: لعلَّ الحبيبَ يذكرني حين يهدأ في المساءِ الضوضاء
قلتُ: لعلَّ الشوقَ يسوقُهُ نحو قلبي، فيعودُ ما قد مضى
ثم يطلعُ فجرُ يومٍ باردٍ فأرى بابَ الأماني مقفلا
وأرى في دربِنا آثارَ خطوٍ ثم لا ألقى سوى الريحِ الخفا
يا حبيبي، ما الحياةُ إذا خلتْ من حبيبٍ يستحقُّ أن يُرتجى؟
ما الليالي إن تساوى ليلُها والنهارُ، وما بها من سنا؟
ما الربيعُ إن غدت أزهارُهُ لا تثيرُ القلبَ شوقًا للهوى؟
ما الغناءُ إذا خلا من نبرةٍ كنتَ فيها لي نشيدًا وصدًى؟
إنني ما زلتُ أحفظُ ضحكتك مثلما يحفظُ بحرٌ ما روى
وأصونُ العهدَ رغمَ جفائكُمْ فأنا ما خنتُ عهدًا أو وفا
كلُّ شيءٍ في طريقِ العمرِ يمضي غيرَ ذكرى منك تبقى في دمي
فالزمانُ يمرُّ، لكنَّ الهوى كلما مرَّ الزمانُ به نما
يا الذي أهدى إلى قلبي ربيعًا ثم ألقى فوقه ثوبَ الشتا
هل ترى في البعدِ شيئًا من رحمةٍ أم ترى القسوةَ مجدًا وارتقا؟
لو علمتَ كم تعبتُ من انتظاري وكم أضنى فؤادي ما جرى
لو علمتَ بأنني رغم الأسى ما تمنيتُ لكَ إلا ما صفا
لما تركتَ يدي في مهبِّ ريحٍ تستبيحُ القلبَ ليلًا ونهارا
ولما أغلقتَ بابَ الوصلِ عني ثم قلتَ: إن الهوى كان خطا
يا حبيبَ العمر، إن الحبَّ عهدٌ ليس يُبنى بالوعودِ أو الكلام
إنما الحبُّ يدٌ تمسحُ دمعًا وقلبٌ عند الشدائدِ لا يفر
هو أن تبقى إذا ولّى الجميعُ وأن ترى في الحزنِ وجهًا للرجا
هو أن تعطي ولا تنتظرُ الجزا وأن تصونَ السرَّ مهما قد جرى
هو أن يكونَ اللقاءُ صدقًا والفراقُ وإن أتى فيه وفا
هو أن نحفظَ في القلبِ الذي كان يومًا بيننا حبًّا نقيًا
إن يكن بيني وبينك ألفُ بحرٍ فسأمضي في المحبةِ لا أخافا
فالسفينةُ حين يحملُها الهوى تستمدُّ من العواصفِ ما قوى
إن يكن دربُ الوصالِ بعيدًا فالأماني لا ترى البعدَ عنا
إن يكن بابُ اللقاءِ موصدًا فدعاءُ القلبِ لا يعرفُ بابا
سأظلُّ أزرعُ في ليلي نجومًا وأعلّقُ فوقَ نافذتي السنا
لعلَّ عينيكَ يومًا تبصرانِ في سمائي ما خبأتُ من الندى
وسأتركُ عند بابِك وردةً لا تلومُ القاسي إن جارَ أو جفا
ورقةً بيضاءَ فيها من فؤادي كلمةٌ أصفى من الماءِ صفا
سأقولُ: يا من جعلتَ القلبَ أسيرًا ثم ولّيتَ ولم تبقَ لنا
إنني ما جئتُ أطلبُ منك عذرًا بل أتيتُ اليومَ أطلبُ ما بقى
إن بقي في القلبِ شيءٌ من حنانٍ فاسقهِ، فالوردُ يموتُ إن ظما
وإن بقي في الروحِ عهدٌ لم يمتْ فاحفظ العهدَ ولا تجعلْه هبا
قد يكونُ الصمتُ أبلغَ من حديثٍ قد يكونُ العفوُ أسمى من جزا
قد يكونُ الرجوعُ بعد انكسارٍ أجملَ الأشياءِ إن صدقَ الخطا
فارجعِ الآنَ، لا تسألْ كيف عدتَ فالقلوبُ لا تحاسبُ من أتى
عدْ، فإني رغمَ جرحٍ في فمي ما زلتُ أختارُ الجميلَ من الوفا
عدْ، فإني قد تعبتُ من انتظارٍ لا نهايةَ له ولا منتهى
عدْ، فإن الليلَ مهما طالَ يومًا سوف يأتي بعده فجرُ الهدى
عدْ، فإن القلبَ إن أحبَّ صادقًا لا يبدّل في المحبةِ ما نوى
عدْ، فإن الشوقَ بحرٌ هائجٌ والهوى فيه سفينٌ من رجاء
عدْ، فإن العمرَ أقصرُ من خصامٍ بين قلبينِ تعانقا ثم افترقا
ما لنا نختارُ دربَ الكبرياءِ والودُّ أولى، والصفاءُ لنا
يا حبيبًا كان بالأمسِ المنى لا تجعلِ الأمسَ قبرًا للرجا
افتحِ النافذةَ البيضاءَ لي دعْ نسيمَ الحبِّ يدخلُ في خفا
دعْ يدي تلقى يديكَ برفقِها دون خوفٍ، دون عتبٍ، دون أذى
دعْ عيونَنا تقولُ ما عجزتْ عن قوله الشفاهُ إذا جفا
إنني لا أريدُ حربًا بيننا ولا انتصارًا يستلزمُ الأسى
لا أريدُ سوى سلامٍ دافئٍ نستعيدُ به الذي كان لنا
قد أخطأنا، كلُّ إنسانٍ خطّاءٌ والصفحُ بابٌ واسعٌ لمن أتى
والقلوبُ إذا تصالحتِ ارتدتْ ثوبَها الأولَ، ثوبَ الصفاء
كم خصامٍ كان في أوله نارًا ثم صارَ بعد حينٍ من ندى
وكم جرحٍ ظنناه لا يزولُ فغدا بعد المداواةِ شفا
فلا تجعلْ من العتبِ سيفَنا ولا تجعلْ من الكبرياءِ سجنًا
نحنُ أضعفُ من غرورٍ عابرٍ وأقوى حين يجمعنا الوفا
إنني إن كنتُ قد أخطأتُ يومًا فاسمعِ القلبَ، ولا تسمعْ جفا
ما أردتُ سوى المحبةِ موطنًا وسوى صدركَ للروحِ مأوى
كنتُ أرجو أن أراكَ مبتسمًا حين ألقاكَ صباحًا أو مسا
أن يكونَ بيننا عهدٌ جميلٌ لا تغيّره الليالي إن جفا
كنتُ أرجو أن أشيخَ بقربكم وأرى في شيبِنا معنى الصفا
أن تمرَّ بنا السنونُ ولا نرى غيرَ حبٍّ كلما مرَّ نما
أن نرى أولَ خريفٍ بيننا ثم نضحكُ حين يكسونا الشتا
أن نعدَّ النجومَ فوقَ شرفةٍ ونقولُ: الحبُّ ما زالَ هنا
أن أراكَ حين يضعفُ خطونا وأكونُ عندك يومًا من وفا
وأن تقولَ: لم يضعْ ما بيننا فالسنونُ وإن مضتْ لا تنتهي
يا حبيبَ القلب، هل تدري لماذا كلُّ دربٍ دون عينيكَ عنا؟
لأنني حين عرفتكَ مرةً صار قلبي لا يرى إلا سنا
صرتَ معنى الوردِ عندي والندى صرتَ صبحًا في لياليَّ إذا
صرتَ لحنًا لا يغادرُ مسمعي كلما هبَّ النسيمُ أو سرى
صرتَ في عيني قصيدةَ عاشقٍ كلُّ بيتٍ في حناياها هوى
فإذا حاولتُ أن أنساك يومًا عادَ حرفُ اسمِك في قلبي صدى
ليس ذنبُ الوردِ أن يبقى عطرًا بعد أن يمضي الربيعُ ولا نرى
ليس ذنبُ النجمِ أن يبقى سناهُ حين يغفو في المدى من قد عفا
ليس ذنبَ القلبِ أن يذكرَ من كان يومًا في حياته من صفا
ليس ذنبَ العينِ أن تشتاقَ لمن كان فيها ذاتَ يومٍ من سنا
فلا تلمني إن بكيتُ من الهوى فالدموعُ الصادقاتُ لها وفا
ولا تلمني إن ذكرتُك في الدجى فالنجومُ تذكّرُ القلبَ بمن مضى
أنا لا أبكي لأنك قد جفوتَ بل أبكي لأن قلبي ما جفا
أنا لا أشكو لأنك قد رحلتَ بل لأنك في ضلوعي ما نأى
كيف ينسى المرءُ من علّمه الحبَّ؟ كيف يطفئ في فؤاده ما أضا؟
كيف يمحو من كتابِ العمرِ سطرًا كان أجملَ ما قرأ أو ما تلا؟
يا حبيبًا، إن أتيتَ فمرحبا وإن أبيتَ، فلي عندي بقا
سأصونُ الحبَّ ما بقيَتْ حياةٌ وأصونُ الذكرى إذا طالَ النوى
لن أقولَ إنني أكرهتُ قلبي فالمحبةُ لا تُكرهُ إن نوى
ولن ألعنْ لياليَ قد مضتْ فبها عرفتُ من الحياةِ ما صفا
كلُّ جرحٍ في المحبةِ علّمني أن أجعلَ من الأسى دربَ الهدى
كلُّ دمعٍ فوقَ خدي علّمني أن أرى في العتمةِ المعنى الخفي
علّمتني أن الجمالَ بلا وفا مثلُ برقٍ في سماءٍ قد أضا
وعلّمتني أن قلبًا لا يلينُ قد يكونُ أقسى من صخرِ الفضا
وعلّمتني أن من يملكُ حنانًا يملكُ الدنيا وإن قلَّ الغنى
وأن أجملَ ما يخلّدُ بيننا كلمةٌ طيبةٌ، قلبٌ وفا
فاخترِ الآنَ بين قربٍ دافئٍ وبين بعدٍ لا يورثُ غيرَ نوى
اخترِ بين يدينِ تلتقيانِ وبين صمتٍ باردٍ يطوي المدى
اخترِ الحبَّ الذي لا ينحني للجفاءِ ولا يساومُ في الوفا
اخترِ العفوَ الجميلَ، فإننا لسنا ملائكةً، ولسنا بلا خطا
إن رجعتَ، سأفتحُ القلبَ الذي لم يغلقْ بابَه يومًا في الخفا
وسأغسلُ كلَّ أحزانِ السنينِ من ضلوعي، بالحنانِ وبالصفا
سأقولُ للدربِ: هنا عادَ الذي كان في عينيَّ صبحًا من سنا
وسأقولُ للنجومِ: تنفّسي قد أتى بعدَ الغيابِ لنا المنى
سأقولُ للوردِ: هذا موعدُك فازرعِ العطرَ على دربِ الهنا
وسأقولُ للنسيمِ: تمهّلِ إن قلبي اليومَ يزهو بالرضا
ثم نمضي، لا نعاتبُ بعضَنا فالماضي قد مضى، والعفوُ بقا
نكتبُ العهدَ الجديدَ بأحرفٍ من محبةٍ، من سلامٍ، من وفا
وإذا أبقيتَ بابَك موصدًا فلن أقتحمِ الأبوابَ اعتدا
سأحملُ الحبَّ في صدري كريمًا وأدعُ الأيامَ تمضي ما تشا
فالمحبةُ ليست قيدًا للفتى إنما هي جناحٌ في السما
من أحبَّ بصدقِ قلبٍ لم يضعْ حتى إن غابَ الحبيبُ أو جفا
سوف يبقى من حكايتنا عبيرٌ كلما مرَّ المساءُ به سرى
وسيبقى منك في قلبي ضياءٌ لا يبدّده الرحيلُ ولا النوى
قد نكونُ اليومَ في دربينِ شتّى ثم يجمعنا غدٌ بعدَ المدى
فالليالي لا تسيرُ على هوى من أرادَ لها الفراقَ أو اللقا
ربما يأتي صباحٌ مشرقٌ فيه نلقى ما توارى واختفى
ربما يفتحُ الزمانُ لنا طريقًا كان بالأمسِ عسيرًا مستعصيا
ربما ترجعُ تلك الضحكةُ الأولى فتزهو في ملامحنا المنى
ربما نضحكُ من خوفِ السنينِ ونرى أن الجفاءَ كان هباء
وإذا لم تجمعِ الأيامُ بيننا فليكن في القلبِ للعهدِ بقا
لن أبدّلَ ما شعرتُ به يومًا فالوفاءُ شيمةُ القلبِ إذا صفا
سأظلُّ أذكرُكِ، إن كان الودُّ حكايةً، والحبُّ فيها ما بقى
لا لأجرحَ في غيابك كبرياءك بل لأحفظَ في فؤادي ما نما
فاذهبِ الآنَ حيث شئتَ، يا حبيبي واتركِ القلبَ لربٍّ قد يرى
إن يكن في قربنا خيرٌ لنا فسيأتي الخيرُ مهما قد جفا
وإن يكن في البعدِ خيرٌ، فليكن وليكنْ في حكمِه للروحِ شفا
فالذي أودعَ في القلبِ الهوى قادرٌ أن يزرعَ الصبرَ والرضا
يا إلهي، إنني أحببتُ قلبًا فاجعلِ الحبَّ له نورًا وهدى
إن يكن لي في حياته موضعٌ فاجمعِ الأرواحَ بعدَ ما افترقا
وإن يكن ليس لي فيه نصيبٌ فاجعلِ الذكرى سلامًا لا أذى
واجعلِ القلبَ إذا مرَّ طيفُهُ يستعيدُ الطيبَ، لا يستحضرُ الأسى
ثم يا قاسي، إذا مرَّت بك الأيامُ وهدأ فيك صخبُ ما قد جرى
وتذكرتَ عاشقًا كان وفيًّا لا يبدّل عهدَه مهما جفا
فاذكرِ القلبَ الذي أعطاك عمرًا واحتوى في حبه كلَّ العنا
واذكرِ العينَ التي سهرتْ ليالي تنتظرُ الوعدَ، وتخشى أن يضيع
واذكرِ الكفَّ التي كانت تُحييك إذا ضاقتْ عليك الدنيا أذى
واذكرِ الصوتَ الذي كان يقولُ: لن يضيعَ الحبُّ إن صدقَ الوفا
فإذا هبَّ النسيمُ على شُرفاتِك فاستمعْ، فلربما حملَ الصدى
ربما يأتيك من قلبٍ بعيدٍ دعاءٌ صافِقٌ بالخيرِ لا أذى
وسلامٌ لك إن لم تجمعِ الدنيا بين قلبينا على دربِ اللقا
وسلامٌ للسنينِ التي مضتْ وسلامٌ للحنينِ إذا نما
وسلامٌ للوعودِ وإن تهاوتْ وللأحلامِ إن صارتْ هبا
وسلامٌ للدموعِ التي نزلتْ ثم عادتْ في مآقيها ندى
سأظلُّ أؤمنُ أن الحبَّ أجملُ حين يكونُ صادقًا، حرًّا، نقيًّا
وأن القلبَ الذي يعطي بلا منٍّ هو أغنى من كنوزٍ وثراء
وأن القسوةَ مهما طال عهدُها سوف يأتي يومُها فتستحي
وأن الليلَ مهما طالَ ليلًا سوف يطويه الصباحُ إذا أتى
وأن الجرحَ مهما كان عميقًا قد يجيءُ الشفاءُ بعدَ العنا
وأن الدمعَ مهما كان مرًّا سوف يصبحُ في النهايةِ من ندى
فيا قاسي، إذا لانَ فؤادُك يومًا فلا تجعلْ من رجوعِك كبرياء
تعالَ كما أنتَ، بلا قناعٍ فأنا أحبُّ الصدقَ، لا الادعاء
تعالَ، فليس في قلبي سوى وردِ حبٍّ، لا سيوفَ ولا أذى
تعالَ، واجعلْ من الماضي رمادًا ثم نبني فوقَه جسرَ الهدى
تعالَ نكتبْ حكايتنا من جديدٍ بحروفٍ من صفاءٍ ووفا
تعالَ نتركْ للزمانِ قصيدةً كلُّ بيتٍ في حروفها قد صفا
فإذا جاءَ المساءُ، جلسنا تحتَ ضوءِ القمرِ نحكي ما جرى
وإذا أقبلَ صباحٌ باسمٌ قلنا: ما أجملَ أن نبدأ هنا
لا أريدُ من الحياةِ سوى يدٍ تمسكُ الأخرى إذا اشتدَّ العنا
لا أريدُ من الزمانِ سوى قلبٍ لا يبيعُ الودَّ إن هبَّ الجفا
لا أريدُ من القصائدِ غيرَ أن تحملَ اسمي إلى قلبِك صدى
لا أريدُ من الليالي غيرَ أن تجمعَ الأحلامَ بعدَ ما افترقا
فإن عدتَ، فمرحى للوصالِ وإن بقيتَ بعيدًا، فليكنْ رضا
فأنا أحببتُ، والحبُّ عندي ليس قيدًا، بل حياةٌ وارتقا
وسيظلُّ اسمُك في قلبي نشيدًا كلما غنّى المساءُ أو شدا
وسيظلُّ العطرُ من ذكراكَ يسري كلما مرَّ النسيمُ على المدى
يا حبيبًا بين قسوتِه وقلبي ألفُ سرٍّ، وألفُ معنى، وألفُ ندى
قد جفوتَ، ولكنني ما جفوتُ وقد ابتعدتَ، ولكنني ما نأيتُ
فخذِ العذرَ من فؤادٍ لم يزلْ رغمَ كلِّ البعدِ يحيا بالوفا
خذْ سلامي، ثم دعْ للوقتِ حكمًا فهو أدرى بالقلوبِ وما جرى
إن أرادَ اللهُ وصلًا، فسنلتقي بعد طولِ الغيبِ في يومٍ صفا
وإن أرادَ اللهُ غيرَ ذلكَ، فليكنْ في افتراقِ الروحِ درسٌ وارتقا
حسبُ قلبي أنه أحبَّك صادقًا وحسبُ حبي أنه أبقى الوفا
وحسبُ شعري أنه قالَ الذي عجزتْ عن قوله الروحُ إذا جفا
أيُّها القاسي، ألا ترعى الوفا؟ كم تقلبتَ على ذاك الجفا
ها أنا أبقى، وفي قلبي هوىً لا يلومُ الحبَّ، لا يرضى الجفا
فإذا لانَ الفؤادُ، فموعدي عند بابِ الوردِ، حيثُ لنا المنى
وإذا ظلَّ الجفاءُ، فسوف أمضي حافظًا للحبِّ، صائنًا الوفا
فالهوى إن كان طاهرًا لا يموتُ والوفاءُ إن كان صادقًا لا يَفنى
والقلوبُ التي تعاهدتِ على الحبِّ تظلُّ، وإن تباعدتْ، صدى
قد يطولُ الليلُ، لكنَّ الصباحَ وعدُ ربٍّ لا يخونُ ولا جفا
قد يطولُ البعدُ، لكنَّ المنى في ضميرِ العاشقِ لا تعرفُ الفنا
فابقَ إن شئتَ بعيدًا عن عيوني فأنتَ في القلبِ، ما دامَ الهوى
واطمئنَّ، لن أقولَ إلا جميلًا فأنا أحببتُك، والحبُّ وفا
وسأختمُ قصتي عندَ ابتسامٍ ربما يأتي، وربما لا يأتي غدا
لكنني سأظلُّ أزرعُ في المدى من أريجِ الحبِّ ما يبقى ندى
فإذا مرَّتْ قصيدتي ذاتَ يومٍ في يديكَ، وقرأتها في خفا
فاعلمِ أن الذي بينَ السطورِ قلبُ عاشقٍ لم يخنْ يومًا وفا
وأنني، رغمَ الجراحِ، ما زلتُ أرى الحبَّ الجميلَ هو النجاةَ
وأنني، رغمَ الجفاءِ، ما زلتُ أؤمنُ أن الصفحَ أسمى من جفا
يا حبيبَ الروحِ، هذا آخرُ القولِ فاسمعِ القلبَ، إن القلبَ كفا
إن رجعتَ، فخذْ من العمرِ ربيعًا وإن مضيتَ، فخذْ مني الوفا
ليس لي بعدَك إلا أن أعيشَ حاملًا في الروحِ عهدًا ما انطفا
ليس لي بعدَك إلا أن أقولَ: كان حبًّا، ثم كانَ لنا وفا
وإذا سألوكَ يومًا عن فؤادٍ كان يحبُّك، ثم صانَ الهوى
قلْ: ذاك قلبٌ لم يطلبْ سوى أن يرى في الحبِّ صدقًا وصفا
وإذا سألوكَ عن عاشقِ الأمسِ فقلْ: كان وفيًّا، ما جفا
كان يمضي في طريقِ الحبِّ حتى إن توارتْ في الطريقِ له المنى
كان يرجو أن يلينَ القاسي يومًا فتعودَ الروحُ بعدَ ما جفا
كان يحيا بالوفاءِ، وإن تألمْ ويصونُ الحبَّ، لا يخشى النوى
فيا أيُّها القاسي، إن شئتَ فارجعْ وإن شئتَ فاتركِ القلبَ لربِّه
أما أنا فسوف أبقى محبًّا للجمالِ، وللصفاءِ، وللوفا
فالذي أحببتُه فيك ليس وجهًا أو كلامًا عابرًا ثم اختفى
إنما أحببتُ فيك روحًا رأيتُ في ملامحها من الحسنِ السنا
وإن تغيّرتِ الملامحُ يومًا فالمعاني في الفؤادِ لها بقا
وإن ابتعدتِ الخطى عن خطانا فالوفاءُ في دمي ما قد نأى
وهكذا يمضي نشيدُ المحبةِ بين قلبٍ قد بكى وقلبٍ جفا
ويبقى في نهايته سؤالٌ هل يعودُ الودُّ، أم يمضي الوفا؟
أما جوابي، فليس فيه عتابٌ بل دعاءٌ في المساءِ لمن صفا:
«يا إلهي، إن كان الحبُّ خيرًا فاجمعِ القلبينِ في دربِ الهدى
وإن كان الفراقُ هو الطريقُ فامنحِ الأرواحَ صبرًا ورضا»
ثم أمضي، والنجومُ من حولي تكتبُ في الليلِ: ما ضاعَ الوفا
وأغنّي للهوى رغمَ الجراحِ فالحياةُ لا تستحقُّ سوى الصفا
وأقولُ للقلبِ: لا تحزنْ كثيرًا فبعدَ العسرِ سيأتي ما صفا
ربما يأتي حبيبُ الأمسِ يومًا حاملًا وردًا، وينسى ما جفا
وربما يمضي، وتبقى في فؤادي قصةٌ كانت من الحبِّ سنا
وفي الحالينِ يكفيني يقينٌ أنني أحببتُ حبًّا ما انطفا
وأنني ما خنتُ عهدًا، أو تبدّلتُ ولا بعتُ الوفاءَ ولا الجفا
فاختمِ الآنَ يا شعرُ الحكايا واتركِ القلبَ على بابِ المنى
قلْ له: الحبُّ الجميلُ إذا تسامى صار في الأرواحِ نورًا لا يزولُ
قلْ له: إنَّ الوفاءَ وإن تأخرْ يستحقُّ الانتظارَ إذا صفا
وقلْ له: إنَّ القاسي إذا أحبَّ لانَ يومًا، واستعادَ له الوفا
ثم اختمْ بالسلامِ على حبيبٍ كان في قلبي وما زالَ السنا
واكتبِ البيتَ الأخيرَ كما بدأنا:
أيُّها القاسي، ألا ترعى الوفا؟
إنني ما زلتُ، رغمَ الجرحِ، أهوى…
وأرى الحبَّ الجميلَ هو الوفا.
