اسم الله الحميد
دراسة عقدية ونفسية واجتماعية
في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العربي
تمهيد
من بين أسماء الله الحسنى يشرق اسم «الحميد» بمعنى عميق يجمع بين جلال الربوبية وجمال العبودية. إنه اسم يفتح للقلب نافذة على معنى لا يكتمل الإيمان بدونه: أن الله تعالى مستحق للحمد بذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأن حمده ليس حالة عابرة ترتبط بوفرة النعمة، بل مقام روحي يستقيم في السراء والضراء، والعطاء والمنع، والفرح والألم.
والحمد في المنظور الإسلامي ليس مجرد كلمة تقولها الشفاه عند وقوع الخير، وإنما هو رؤية للوجود؛ أن ترى يد الله في النعمة، وحكمته في الابتلاء، ورحمته في المنع، ولطفه في التأخير، وأن تعلم أن ما خفي عنك من الحكمة لا يخرج عن علم الله ورحمته.
ومن هنا يتجاوز اسم الله «الحميد» الدلالة العقدية المجردة ليصبح منهجًا في بناء الإنسان. فالإنسان الذي يعرف ربه حميدًا يتعلم أن يكون حامدًا، وأن ينظر إلى الحياة بعين الرضا لا بعين السخط، وإلى الناس بعين الاعتراف بالفضل لا بعين الجحود، وإلى المحن باعتبارها أبوابًا محتملة للتربية والنضج.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر: 15
تجمع هذه الآية بين حقيقتين متقابلتين: فقر الإنسان وغنى الله، واحتياج العبد واستغناء الرب. نحن نحتاج إلى الله في وجودنا وبقائنا وهدايتنا، أما الله سبحانه فلا يحتاج إلى خلقه ولا إلى حمدهم، ومع ذلك يفتح لهم أبواب القرب حين يدعوهم إلى حمده وشكره.
أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله «الحميد»
«الحميد» في اللغة من مادة حَمِدَ، وهي تدور حول الثناء على المحاسن والفضائل مع المحبة والتعظيم. والحمد أخص من مجرد المدح؛ لأن الحمد يجتمع فيه الثناء والمحبة والتعظيم.
والحميد صيغة على وزن «فعيل»، وهي من صيغ المبالغة، فتدل على كثرة الحمد واستحقاقه ودوامه.
وعندما يوصف الله تعالى بأنه الحميد فالمعنى أنه المستحق للحمد المطلق، وأن جميع وجوه الكمال ثابتة له، وأنه محمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.
فهو محمود لأنه الخالق، ومحمود لأنه الرازق، ومحمود لأنه الغفور الرحيم، ومحمود لأنه العليم الحكيم، ومحمود في عطائه ومنعه، وفي قبضه وبسطه، وفي قضائه وقدره، وفي شرعه وأحكامه.
وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى في مواضع متعددة، فقال تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الفاتحة: 2
فالقرآن يبدأ رسالته الكبرى بالحمد. وكأن أول ما ينبغي أن يستقر في وعي الإنسان أن هذا الكون، على اتساعه وتقلباته، ليس كونًا بلا معنى، ولا مسرحًا للعبث، وإنما هو تحت ربوبية الله، الذي له الحمد أولًا وآخرًا.
ثانيًا: الحميد الذي يستحق الحمد بذاته وصفاته وأفعاله
ذكر أهل العلم في بيان معنى «الحميد» معاني متقاربة، من أبرزها أن الله سبحانه محمود في ذاته وصفاته وأفعاله.
فذاته سبحانه كاملة، وصفاته كاملة، وأفعاله قائمة على الحكمة والعدل والرحمة.
ومن تأمل أسماء الله الحسنى وجد أن كل اسم منها يفتح بابًا من أبواب الحمد. فهو الرحمن، ولذلك يحمد على رحمته، والغفور، ولذلك يحمد على مغفرته، والحكيم، ولذلك يحمد على حكمته، واللطيف، ولذلك يحمد على لطفه، والرزاق، ولذلك يحمد على رزقه، والعزيز، ولذلك يحمد على عزته.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ الشورى: 28
فهو وليٌّ لعباده، يتولاهم بالرعاية والتدبير، وهو حميد يستحق منهم الحمد والثناء.
وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ البقرة: 267
فالاقتران بين الغنى والحمد بديع الدلالة؛ لأن الله غني عن الخلق، والخلق فقراء إليه، ومع ذلك فهو الذي يمنحهم أسباب الحياة والهداية والرزق والأمن. إنه لا يحتاج إلى حمدهم، ولكنهم هم الذين يحتاجون إلى أن يحمدوه.
ثالثًا: الحمد ليس مرتبطًا بالنعمة وحدها
من الأخطاء النفسية الشائعة أن الإنسان يحمد الله عندما تأتي الأمور كما يريد، ثم يضطرب قلبه عندما تأتي على خلاف رغبته.
أما معرفة الله باسم «الحميد» فتنقل الإنسان من حمد النعمة إلى حمد المنعم.
قد يفرح الإنسان بمال جاءه، فيحمد الله، وهذا حسن. لكن المرتبة الأعمق أن يحمد الله حتى حين يفوته مال كان يظنه خيرًا له؛ لأنه يوقن أن علم الله أوسع من علمه.
وقد يفرح الإنسان بالنجاح، فيقول: الحمد لله. ثم إذا أخفق مرةً ظن أن أبواب الرحمة قد أغلقت. غير أن المؤمن يتعلم أن الفشل نفسه قد يكون معلمًا، وأن التأخير قد يكون حماية، وأن المنع قد يخفي وراءه عطاءً لم يحن أوانه.
قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 216
هذه الآية تؤسس لتربية نفسية عظيمة: ليس كل ما نريده خيرًا، وليس كل ما نخشاه شرًا.
إن الإنسان يرى لحظة واحدة من القصة، أما الله فيعلم بدايتها ونهايتها، وما قبلها وما بعدها.
ولهذا كان الحمد في الأوقات الصعبة ليس إنكارًا للألم، وإنما اعترافًا بأن الألم نفسه لا يخرج عن سلطان الله وحكمته.
رابعًا: الحمد في القرآن لغة الكون
يقرر القرآن أن الحمد ليس خاصًا بالإنسان، بل إن الوجود كله قائم على تسبيح الله وحمده.
قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الإسراء: 44
يا لها من صورة كونية مهيبة!
السماء في علوها، والأرض في سكونها، والنجوم في مساراتها، والماء في انسيابه، والشجر في خضرته، والطير في تحليقه؛ كلها في نظام لا يخرج عن مشيئة الله.
الإنسان وحده قد ينسى أنه جزء من هذا النشيد الكوني، فيغلب عليه الضيق، ويضيق صدره بما اتسع له الوجود.
لكن اسم «الحميد» يعيد الإنسان إلى مكانه الصحيح: مخلوق في كون يسبح بحمد الله.
خامسًا: الحمد بوصفه تربية نفسية
من المنظور النفسي، للحمد أثر عميق في تشكيل الوعي والانفعال.
فالإنسان الذي يدرب نفسه على ملاحظة النعم يخرج تدريجيًا من أسر التركيز على النقص. أما الذي لا يرى إلا ما فقده، فإنه يستطيع أن يعيش في قصر واسع وقلبه ضيق، وأن يملك كثيرًا ويشعر بالفقر.
ولهذا جاء الأمر الإلهي: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم: 7
والزيادة هنا لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها زيادة مادية؛ فقد تكون زيادة في الطمأنينة، أو البصيرة، أو البركة، أو القدرة على احتمال الحياة، أو محبة الناس، أو سلام القلب.
قد يملك اثنان المال نفسه، لكن أحدهما يعيش ممتنًا والآخر يعيش ساخطًا. الأول يشعر بالغنى، والثاني يشعر بالفقر. الفارق ليس دائمًا في الأشياء، بل في النظرة إلى الأشياء.
ومن هنا يصبح الحمد نوعًا من إعادة ترتيب الانتباه النفسي: بدل أن يسأل الإنسان: «ماذا ينقصني؟» يتعلم أن يسأل: «كم من النعم تحيط بي ولا أراها؟»
نعمة البصر، ونعمة السمع، ونعمة الأهل، ونعمة العقل، ونعمة القدرة على الحركة، ونعمة الستر، ونعمة فرصة التوبة، ونعمة أن يستيقظ الإنسان صباحًا وقلبه ما يزال قادرًا على الرجوع إلى الله.
كم من نعمة لا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها!
سادسًا: الحمد وعلاقته بالصحة النفسية
لا يعني الحمد أن ينكر الإنسان حزنه أو مرضه أو خوفه. فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يتحول إلى حجر لا يتألم.
لقد بكى النبي ﷺ، وحزن، وتألم، وفقد أحبة، ومع ذلك ظل قلبه متعلقًا بالله.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال عند موت ابنه إبراهيم:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
إنها معادلة إنسانية بالغة الجمال: يمكن للقلب أن يحزن ولسانه أن يحمد.
فالحمد ليس إلغاءً للمشاعر، بل تهذيبًا لها.
قد يقول الإنسان: «يا رب، أنا متعب»، وهذا ليس اعتراضًا. وقد يبكي، وهذا ليس ضعفًا. ولكنه في عمق ألمه يستطيع أن يقول: «الحمد لله على كل حال».
وهنا يتحول الألم من جدار يغلق الروح إلى باب يقودها إلى الله.
سابعًا: الحمد في السنة النبوية
كان الحمد حاضرًا في حياة النبي ﷺ في مختلف أحواله.
ومن أجمل ما ورد في الصلاة الإبراهيمية التي علّمها النبي ﷺ أصحابه قوله:
«اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم... إنك حميد مجيد».
وهذا الجمع بين «الحميد» و«المجيد» يحمل دلالة جليلة؛ فالله تعالى حميد لكماله واستحقاقه للحمد، ومجيد لعظمته وجلاله وكرمه.
ومن السنة أيضًا قوله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.
إنها تربية متكاملة: الشكر في السراء، والصبر في الضراء، وكلاهما يقود المؤمن إلى الخير.
وهنا يلتقي معنى «الحميد» مع بناء الشخصية المتوازنة؛ فلا تغرّه النعمة، ولا تسحقه المحنة.
ثامنًا: الحمد والشكر والعلاقة بينهما
يكثر في الاستعمال الجمع بين الحمد والشكر، وهما متقاربان، لكن بينهما فروق معروفة عند العلماء.
فالحمد أوسع من جهة أنه يكون على الصفات والأفعال والنعم، أما الشكر فيتعلق غالبًا بالنعمة ويكون بالقلب واللسان والجوارح.
والإنسان الذي يعرف «الحميد» لا يحصر الشكر في الكلام، بل يجعل حياته نفسها جوابًا عن النعمة.
إذا أعطاك الله العلم، فحمدك أن تنفع به. وإذا أعطاك المال، فحمدك أن تطعم به جائعًا، وتعين به محتاجًا. وإذا أعطاك مكانة اجتماعية، فحمدك أن تجعلها بابًا للعدل لا للاستعلاء. وإذا أعطاك أسرة، فحمدك أن تجعل بيتك مأمنًا ورحمة. فالحمد الحقيقي لا يبقى صوتًا في الفم؛ إنه أثر يظهر في السلوك.
تاسعًا: اسم «الحميد» وبناء العلاقات الاجتماعية
للحمد أثر اجتماعي لا يقل عن أثره النفسي.
فالمجتمع الذي يعرف أفراده ثقافة الاعتراف بالفضل يكون أكثر تماسكًا ورحمة. أما الجحود المستمر فيقتل العلاقات بصمت.
كم من زوج أتعبه أن يسمع من زوجته كلمة تقدير.
وكم من أم أفنت عمرها في رعاية أبنائها ثم لم تسمع منهم إلا عبارات الاعتياد.
وكم من معلم أعطى سنوات من عمره لتلاميذه، ثم غاب أثره لأن أحدًا لم يقل له: «جزاك الله خيرًا».
إن النفس البشرية تحتاج إلى التقدير، وقد جاء الإسلام ليهذب هذا الاحتياج، فلا يتحول إلى عبودية للمدح، ولا إلى جفاف يمنع الاعتراف بفضل الآخرين.
قال النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله».
فشكر الناس من أخلاق الحمد لله.
ومن هنا فإن استحضار اسم الله «الحميد» ينبغي أن يجعل الإنسان أقل جحودًا، وأكثر اعترافًا بالجميل.
عاشرًا: الحميد في تجربة إبراهيم عليه السلام
من أجمل النماذج القرآنية في هذا السياق قصة إبراهيم عليه السلام.
فهو الذي عاش في عالم مضطرب عقديًا، ووقف وحده أمام قومه، ثم أُلقي في النار، وهاجر، وفارق الأهل والوطن، وأُمر بذبح ابنه.
ومع ذلك ظل قلبه متعلقًا بالله.
ومن كلماته التي تلخص رؤيته: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ الشعراء: 78-81
إنها خريطة الحمد: خلق، وهداية، وإطعام، وسقيا، وشفاء، وموت، ثم حياة.
إنه يرى الرحلة كلها في يد واحدة؛ ولذلك لا تتفتت روحه عند تقلب الأيام.
حادي عشر: الحمد عند أهل التصوف والأدب
تأمل أهل التصوف في الحمد باعتباره انتقالًا من رؤية النعمة إلى رؤية المنعم.
فالعابد قد يحمد الله على النعمة، والعارف يحمد الله لأنه عرف أن النعمة من الله، ثم يرتقي إلى مقام يرى فيه أن وجود النعمة والمنع معًا يجريان في ملكوت الحكمة.
وهذا لا يعني إلغاء الأسباب أو تعطيل العقل، بل يعني ألا تتحول الأسباب إلى آلهة صغيرة تستولي على القلب.
وقد قال بعض الحكماء بمعنى قريب: إن العارف لا يفرح بالعطاء وحده، وإنما يفرح بالمعطي.
وهنا تصبح كلمة «الحمد لله» أكثر من عبارة محفوظة؛ تصبح نبضًا داخليًا.
كأن القلب يقول: يا رب، إن أعطيتني فلك الحمد، وإن منعتني فلك الحمد، وإن عافيتني فلك الحمد، وإن ابتليتني فلك الحمد؛ فأنا لا أعرف الحكمة كلها، لكني أعرف أنك الحكيم.
ثاني عشر: صورة الحمد في الشعر العربي
كان الشعر العربي غنيًا بثقافة الاعتراف بالفضل، وإن كان الحمد في كثير من الشعر القديم موجهًا إلى البشر.
ومن أشهر أبيات المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
وفي هذا البيت إشارة إلى أثر الاعتراف والإحسان في النفس البشرية.
أما أبو العلاء المعري فقد عبّر في شعره عن تأملات فلسفية عميقة في الإنسان والكون، بينما امتلأت أشعار الزهد والتصوف بمناجاة الله والثناء عليه.
ومن روح الشعر الصوفي يمكن أن نفهم أن المحبة حين تنضج لا تسأل عن العطاء فقط، وإنما تتعلق بالمعطي.
فالحمد في التجربة الروحية ليس تزيينًا للسان، وإنما تطهير للداخل من الاعتراض والضيق والجحود.
ثالث عشر: الحميد والحياة المعاصرة
في زمن تتكاثر فيه المقارنات، صار الإنسان يرى حياة الآخرين أكثر مما يرى نعمته الخاصة. تفتح الشاشة أمامه عشرات الصور لنجاحات الناس وأسفارهم وأموالهم وبيوتهم، فينشأ شعور خفي بالنقص.
هنا يصبح استحضار اسم «الحميد» ضرورة تربوية.
فالحمد يعيد الإنسان من عالم المقارنة إلى عالم النعمة.
ليس المطلوب أن تتوقف عن الطموح، بل أن تطمح دون أن تكره ما لديك.
ليس المطلوب أن ترفض تحسين حياتك، بل أن تتحسن وأنت ممتن.
وليس المطلوب أن تقنع نفسك بأن كل شيء كامل، وإنما أن تدرك أن النقص جزء من طبيعة الدنيا.
وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ البلد: 4
الدنيا ليست دار كمال، ولذلك لا ينبغي أن نطلب منها ما لم تُخلق لتعطينا إياه.
رابع عشر: تطبيقات عملية لاستحضار اسم «الحميد»
يمكن تحويل هذا الاسم الكريم إلى برنامج يومي بسيط:
أولًا: حمد الصباح. عند الاستيقاظ، يتأمل الإنسان ثلاث نعم واضحة في حياته، ويحمد الله عليها بدل أن يبدأ يومه بالشكوى.
ثانيًا: حمد النعمة الخفية. يسأل نفسه: ما الشيء الذي أملكه اليوم وكان بالأمس أمنية؟
ثالثًا: حمد الناس. يعتاد أن يقول لمن أحسن إليه: جزاك الله خيرًا، شكرًا لك، أحسنت.
رابعًا: الحمد عند المنع. إذا لم يحصل ما أراد، يؤجل الحكم على التجربة، ويقول: لعل الله صرف عني ما لا أعلم.
خامسًا: تحويل الحمد إلى عمل. كل نعمة يقابلها عمل صالح: العلم بالتعليم، المال بالعطاء، القوة بالخدمة، المكانة بالعدل.
سادسًا: مراجعة المساء. قبل النوم، يتذكر ما مر به من نعم اليوم، وما نجا منه من أذى، ثم يختم يومه بالحمد.
بهذه الممارسة يتحول الحمد من كلمة إلى عادة، ومن عادة إلى خلق، ومن خلق إلى رؤية للحياة.
خاتمة
إن اسم الله «الحميد» ليس اسمًا يضاف إلى قائمة الأسماء الحسنى ثم يُحفظ، وإنما هو باب واسع إلى معرفة الله وإصلاح النفس.
هو الاسم الذي يعلمنا أن الحمد ليس لأن الحياة جاءت دائمًا كما نريد، وإنما لأننا نؤمن أن وراء الحياة ربًا حكيمًا رحيمًا.
وهو الاسم الذي يحرر الإنسان من عبودية الأشياء؛ فلا يصبح أسيرًا للمال، ولا للمكانة، ولا لرضا الناس، ولا لتقلب الظروف.
فإن أقبلت الدنيا قال: الحمد لله. وإن أدبرت قال: الحمد لله. وإن فهم الحكمة قال: الحمد لله. وإن خفيت عنه قال: الحمد لله.
ذلك لأن يقينه لم يعد متعلقًا بالحدث وحده، وإنما بمن يدبر الحدث.
ومن هنا تتجلى عظمة قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ النمل: 93
وكأن الحمد في نهاية المطاف عودة الإنسان إلى الحقيقة الأولى: أن الله هو المنعم، وهو المدبر، وهو الغني، وهو الحميد.
وكلما اتسعت بصيرة القلب، اكتشف أن النعم أكثر من أن تُعد، وأن وجوه الرحمة أكثر من أن تحصى، وأن الإنسان يعيش داخل بحر من الألطاف لا يرى إلا قطرات منه.
وقد أحسن ابن القيم في بيان هذا المعنى حين قرر أن الله سبحانه حميد من وجهين: فهو محمود من خلقه، إذ تجري ألسنة الموجودات بالحمد، وهو محمود لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله. فله الحمد لذاته، وله الحمد على صفاته، وله الحمد على أفعاله، وله الحمد على شرعه وقدره وجزائه.
وهكذا يصبح الحمد مقامًا من مقامات المعرفة، لا مجرد لفظ.
إنه أن تنظر إلى الخبز فتذكر الرازق، وإلى الماء فتذكر المنعم، وإلى الطفل فتذكر الواهب، وإلى العافية فتذكر اللطيف، وإلى المرض فتذكر الرحيم، وإلى الفقد فتذكر أن الدنيا ليست دار بقاء، وإلى الموت فتذكر أن وراءه لقاء.
وإذا بلغ القلب هذه الحال، لم تعد «الحمد لله» خاتمة الكلام، بل صارت بداية النظر إلى العالم.
فالحمد لله حين يشرق الصباح، والحمد لله حين يسكن المساء، والحمد لله في الصحة والمرض، وفي اللقاء والفراق، وفي القبض والبسط، وفي الفرح والحزن.
الحمد لله الذي لا تنفد خزائن رحمته، ولا تنتهي وجوه حكمته، ولا تحيط العقول بكماله.
الحمد لله حمداً يليق بجلاله، وشكراً يوافي نعمه، وثناءً يملأ القلب نورًا، والروح سكينة، والحياة معنى.
خلاصة مركزة
يمكن تلخيص الدلالة الجامعة لاسم الله «الحميد» في أربعة أبعاد مترابطة:
البعد العقدي: الله كامل في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك فهو المستحق للحمد المطلق.
البعد التعبدي: حمد الله عبادة قلبية ولسانية وسلوكية، وليست مجرد ترديد لفظي.
البعد النفسي: الحمد يربي الإنسان على الامتنان، ويخفف أسر المقارنة والجحود، ويمنحه قدرة أكبر على التعامل المتزن مع تقلبات الحياة.
البعد الاجتماعي: من عرف الله حميدًا تعلم أن يعترف بفضل الناس، ويشكر المحسن، ويجعل النعمة وسيلة لخدمة الآخرين.
وهكذا يلتقي العقيدة بالسلوك، والنفس بالمجتمع، والقرآن بالحياة، ويصبح اسم الله «الحميد» مدرسة متكاملة في بناء الإنسان الذي يرى النعمة، ويعرف المنعم، ويشكر، ويصبر، ويعمل، ويعيش بقلب أكثر سكينة ونظر أكثر رحمة.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم.
2. البخاري، صحيح البخاري.
3. مسلم، صحيح مسلم.
4. ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين.
5. ابن القيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين.
6. ابن القيم الجوزية، الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية «النونية».
7. ابن منظور، لسان العرب، مادة «حمد».
8. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مادة «حمد».
9. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
10. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
11. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
12. الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
13. المتنبي، ديوان المتنبي.
14. أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم.
15. عبد الرحمن بدوي، شخصيات قلقة في الإسلام، ضمن دراساته في التصوف والفكر الإسلامي.
اسم الله الحميد دراسة عقدية ونفسية واجتماعية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العربي
الناشر :مدونة فكر أديب
-
