الحكيم
تجليات الحكمة الإلهية وأثرها في بناء الإنسان والمجتمع
من أسماء الله الحسنى اسم الحكيم، وهو اسم يفتح للقلب بابًا واسعًا من أبواب المعرفة بالله، ويقود العقل إلى التأمل في سر الوجود، وفي دقة الصنعة، وحكمة التشريع، وتقدير الأقدار. فالله سبحانه وتعالى لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع حكمًا سدى، ولا يجري في الكون أمرًا خارجًا عن العلم والحكمة. وما يبدو للإنسان أحيانًا غامضًا أو مؤلمًا أو متناقضًا، إنما يبدو كذلك لقصور نظره، لا لغياب الحكمة عن فعل الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: 18
فإذا عرف العبد ربَّه باسم الحكيم، لم يعد ينظر إلى الحياة بوصفها سلسلة من المصادفات العمياء، وإنما يراها كتابًا مفتوحًا على معنى، وآيةً ممتدة في الزمن، وتربيةً إلهية تتعاقب فيها المنح والمحن، والقبض والبسط، واليسر والعسر.
والحكمة في أصل معناها تدور حول إحكام الأمر ووضع الشيء في موضعه اللائق به. ومن ثم فإن الله تعالى هو الحكيم؛ لكمال علمه، وكمال قدرته، وكمال رحمته، وكمال عدله، فيضع الأشياء مواضعها، ويقدرها بأقدارها، ويجريها على مقتضى علم لا يعتريه نقص، ورحمة لا تنفصل عن العدل.
ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف: 54
فالخلق خلقه، والأمر أمره، والحكمة حكمته؛ وما دام الأمر كذلك، فإن المؤمن لا يقف عند ظاهر الحادثة، بل يتعلم أن يسأل: ما الذي يريد الله أن يعلمني إياه من وراء هذه التجربة؟
وهنا تبدأ رحلة الحكمة من العقل إلى القلب.
أولًا: دلالة اسم الله الحكيم
الحكيم اسم من أسماء الله الحسنى، يدل على كمال الحكمة والإحكام، وعلى أن الله تعالى لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، ولا يقدّر أمرًا إلا بعلم، ولا يشرع حكمًا إلا لمصلحة وحجة ورحمة.
وقد اقترن اسم الحكيم في القرآن الكريم بأسماء وصفات إلهية أخرى، فيظهر المعنى الإلهي في صورة متكاملة؛ فتارة يأتي مع العزيز، وتارة مع العليم، وتارة مع الخبير، كما تقترن الحكمة بسعة الله وتوبته وحمده.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾،
وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾،
وقال: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وهذا الاقتران القرآني بالغ الدلالة؛ لأن الحكمة لا تُفهم منفصلة عن العلم والقدرة والخبرة. فقد يعرف الإنسان شيئًا ولا يستطيع أن يضعه في موضعه، وقد يملك القدرة ولا يملك البصيرة، وقد يمتلك الخبرة في جانب ويغيب عنه ما وراءه من العواقب. أما حكمة الله تعالى فمطلقة؛ لأنها صادرة عن علم محيط، وقدرة كاملة، وخبرة شاملة، ورحمة وعدل.
ومن هنا يمكن القول إن الحكمة الإلهية ليست مجرد معرفة، بل معرفة تامة تُثمر وضع كل شيء في موضعه المناسب.
ولذلك فإن الإنسان إذا رأى طفلًا يعبث بأداة لا يعرف خطرها، بدا له منع الأب أو الأم قاسيًا، بينما يدرك الوالدان ما لا يدركه الطفل. فإذا كان هذا الفرق بين علم الطفل وعلم الوالدين، فكيف يكون الفرق بين علم المخلوق وعلم الخالق؟
قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف: 76
إن الإنسان يرى صفحة واحدة من الكتاب، أما الله سبحانه وتعالى فيعلم الكتاب كله.
ثانيًا: الحكمة بين ظاهر الأحداث وباطن المعاني
من أعظم ما يعلّمه اسم الحكيم للإنسان أن ظاهر الأشياء ليس دائمًا هو حقيقتها.
وهذا المعنى يظهر بصورة جليلة في قصة موسى والخضر عليهما السلام. فقد رأى موسى عليه السلام خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، واستنكر ظاهر الأفعال، لأن علمه بما وراءها لم يكن قد ظهر له بعد.
قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ الكهف: 82
لقد كان وراء خرق السفينة حفظٌ لها من الغصب، ووراء موت الغلام رحمةٌ بأبويه المؤمنين، ووراء إقامة الجدار حفظٌ لمال يتيمين.
وهكذا تعلّمنا القصة أن الحقيقة أوسع من المشهد، وأن الحكمة قد تتأخر عن الفهم.
كم من باب أُغلق في وجه الإنسان فظنه شرًا، ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان باب نجاة.
وكم من علاقة انتهت فظنها خسارة، ثم علم أنها كانت ستستنزف قلبه وعمره.
وكم من تأخير أحزنه، فإذا به يحمل له إعدادًا لم يكن يستطيع إدراكه في لحظة الانتظار.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 216
هذه الآية تؤسس لمبدأ نفسي بالغ الأهمية: لا تجعل شعورك اللحظي معيارًا للحقيقة المطلقة.
فالإنسان قد يحزن أمام حدث لأنه يراه من نافذة ضيقة، بينما تكون الحكمة ممتدة في مسافة أبعد من بصره.
ثالثًا: الحكمة علمٌ يهبه الله ويكتسبه الإنسان
يقول الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ البقرة: 269
والحكمة هنا منزلة رفيعة تجمع بين العلم النافع، والفهم السديد، وحسن التصرف، وإصابة الحق، ووضع الكلام والفعل في موضعهما.
وليست الحكمة كثرة معلومات، كما أنها ليست فصاحة لسان فحسب.
فقد يكون الإنسان واسع المعرفة قليل الحكمة، وقد يكون كثير الكلام ضعيف البصيرة. والحكيم هو من تحوّل علمه إلى وعي، ووعيه إلى خلق، وخلقه إلى أثر صالح.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى أن الحكمة هي أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقول، وكيف تقول، ومتى تصمت.
فالصمت أحيانًا حكمة، والكلمة أحيانًا حكمة، والعفو حكمة، والحزم حكمة، والتأخير حكمة، والإقدام حكمة.
وقد قال النبي ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.
فالحديث لا يربي الإنسان على قلة الكلام فحسب، وإنما يعلمه ميزان الكلمة: أن تكون الكلمة خيرًا، وإلا كان الصمت أكرم للقلب وأحفظ للمجتمع.
ومن هنا تتصل الحكمة بالأخلاق اتصالًا وثيقًا؛ لأن العلم الذي لا يثمر رحمة قد يتحول إلى أداة للغرور، والذكاء الذي لا تضبطه الأخلاق قد يتحول إلى وسيلة للإيذاء.
رابعًا: الحكمة النبوية؛ حين يتحول العلم إلى رحمة
كان رسول الله ﷺ نموذجًا حيًّا للحكمة في التعامل مع الإنسان.
فقد كان يخاطب كل إنسان بما يناسب حاله، ويراعي اختلاف النفوس والظروف والقدرات. لم تكن حكمته جامدة، بل كانت حكمة حية تتحرك مع الموقف، وتستحضر الإنسان قبل الحكم عليه.
ومن ذلك موقف الأعرابي الذي بال في المسجد، فغضب الصحابة رضي الله عنهم، وأرادوا منعه، فقال النبي ﷺ:
«دعوه، وأريقوا على بوله سجلًا من ماء» متفق عليه.
ثم علّمه برفق.
لم ينظر النبي ﷺ إلى الخطأ وحده، وإنما نظر إلى كيفية إصلاح الخطأ دون صناعة خطأ أكبر.
وهذه من أرقى صور الحكمة الاجتماعية والنفسية.
فليس المقصود أن نمنع الخطأ فحسب، بل أن نمنعه بطريقة لا تكسر الإنسان.
وقد يحتاج الابن إلى تصحيح لا إلى إهانة، ويحتاج الطالب إلى توجيه لا إلى تحقير، ويحتاج المخطئ إلى فرصة للتوبة لا إلى حكم مؤبد.
إن الحكمة ليست أن تقول للناس إنهم مخطئون فقط، بل أن تساعدهم على الانتقال من الخطأ إلى الصواب.
ولهذا قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: 125
تأمل ترتيب الألفاظ: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
فحتى حين يختلف الإنسان مع غيره، لا يصبح الاختلاف رخصة لسوء الخلق.
خامسًا: الحكمة في القرآن والسنة بناءٌ للإنسان
الحكمة في التصور الإسلامي ليست فضيلة فردية منعزلة، وإنما هي قوة لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع.
فالمجتمع الذي تغيب عنه الحكمة يصبح سريع الغضب، سريع الاتهام، سريع الانقسام.
أما المجتمع الحكيم فيعرف متى يحاسب، ومتى يعفو، ومتى يحاور، ومتى يصمت، ومتى يقدم المصلحة العامة على الرغبة الشخصية.
والأسرة أحوج ما تكون إلى الحكمة.
فالأب الحكيم لا يجعل سلطته سيفًا دائمًا فوق رأس أبنائه، والأم الحكيمة لا تجعل خوفها على أبنائها قيدًا يخنق نموهم. والمربي الحكيم لا يربي بالخوف وحده، ولا بالدلال وحده، وإنما يوازن بين الحزم والرحمة.
قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الإسراء: 24
وفي هذه الصورة القرآنية شيء من جمال التصوير؛ فالجناح لا يُخفض إلا مع الرحمة، وكأن الإنسان حين يشتد تواضعه لأبويه يهبط بجناحه فوقهما كما يحنو الطائر على فراخه.
وهكذا تصبح الحكمة علاقة، لا معلومة فقط.
سادسًا: الحكمة والبعد النفسي
من أهم آثار الإيمان باسم الله الحكيم أنه يمنح النفس قدرة أكبر على احتمال الغموض.
فالإنسان بطبيعته يحب أن يفهم كل شيء، ويبحث عن تفسير سريع لكل حدث. فإذا مرض، سأل: لماذا؟ وإذا خسر، سأل: لماذا؟ وإذا تأخر عنه شيء، سأل: لماذا؟
والسؤال في ذاته ليس خطأ، لكن المشكلة أن يتحول إلى اعتراض داخلي على حكمة الله.
الإيمان بالحكيم لا يلغي الألم، لكنه يمنع الألم من التحول إلى عبث.
فالمؤمن قد يبكي، ويحزن، ويتألم، لكنه لا يفقد المعنى.
وهنا يظهر الفرق بين الألم النفسي والعبث النفسي.
الألم يمكن احتماله إذا شعر الإنسان أن له معنى، أما العبث فيستهلك الروح لأنه يوحي بأن المعاناة بلا غاية.
ولهذا كان القرآن يعيد بناء النفس عند الأزمات على أساس الثقة بالله:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ الشرح: 5-6
لم يقل: بعد العسر يسر فقط، وإنما قال: مع العسر يسر؛ وكأن اليسر قد يكون مختبئًا داخل التجربة نفسها، فيولد من رحم المشقة.
قد يتعلم الإنسان من المرض ما لم يتعلمه في سنوات الصحة، ومن الوحدة ما لم يتعلمه في ازدحام الناس، ومن الفشل ما لم يتعلمه في النجاح.
ولذلك قال الشاعر:
ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
وقد يكون الإنسان في لحظة المحنة أقرب إلى الله منه في سنوات الرخاء.
سابعًا: الحكمة في العلاقات الإنسانية
الحكمة الاجتماعية هي القدرة على التعامل مع الناس باعتبارهم بشرًا متفاوتين في الطباع والخبرات والجراح.
ليس كل من أساء إليك عدوًا، وليس كل من خالفك جاهلًا، وليس كل من صمت عنك متكبرًا.
أحيانًا يكون الإنسان مرهقًا، أو خائفًا، أو مجروحًا، أو عاجزًا عن التعبير.
ومن هنا كان حسن الظن أحد أبواب الحكمة.
قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الحجرات: 12
وفي الحياة الاجتماعية، كثير من النزاعات تبدأ من تفسير خاطئ لا من فعل كبير.
كلمة لم تُفهم، ورسالة تأخر الرد عليها، ونظرة أسيء تفسيرها، وموقف فُهم على غير مقصده؛ ثم تتراكم التأويلات حتى يتحول الظن إلى حقيقة وهمية في ذهن الإنسان.
الحكمة هنا أن نتوقف قبل الحكم.
أن نسأل قبل أن نتهم.
أن نلتمس العذر قبل أن نقطع العلاقة.
وقد قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» متفق عليه.
فالمجتمع المؤمن ليس مجموعة أفراد متجاورين، وإنما بناء تتساند أجزاؤه.
ثامنًا: الحكمة ليست ضعفًا
قد يظن بعض الناس أن الحكمة تعني التنازل دائمًا، أو السكوت عن الظلم، أو إرضاء الآخرين مهما كان الثمن.
وهذا فهم ناقص.
الحكمة ليست ضعفًا، كما أن القوة ليست قسوة.
قد تكون الحكمة في العفو، وقد تكون في الحزم.
وقد تكون الحكمة في الكلام، وقد تكون في الصمت.
وقد تكون الحكمة في الرحيل حين تصبح الإقامة استنزافًا، وقد تكون في البقاء حين يصبح الرحيل هروبًا من المسؤولية.
إن الحكمة هي أن تضع كل موقف في ميزانه الصحيح.
وقد جمع القرآن بين الرحمة والقوة في قوله تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الفتح: 29
فالقوة حين توضع في موضعها حكمة، والرحمة حين توضع في موضعها حكمة.
تاسعًا: الحكمة والتجربة الإنسانية
لا تأتي الحكمة من الكتب وحدها، وإن كانت الكتب من منابعها الكبرى، وإنما تنمو كذلك من التجربة والتأمل ومراجعة النفس.
فالإنسان الحكيم لا يمر بالأحداث مرورًا عابرًا، بل يسأل بعد كل تجربة:
ماذا تعلمت؟ أين أخطأت؟ ما الذي كان يمكن أن أفعله بصورة أفضل؟ ما الذي ينبغي ألا أكرره؟
ومن هنا تصبح الحياة مدرسة مفتوحة.
الطفولة تعلمنا البراءة، والشباب يعلمنا الاندفاع، والنضج يعلمنا التوازن، والمحن تعلمنا الصبر، والفقد يعلمنا قيمة الحضور، والصمت يعلمنا الإصغاء.
والحكمة هي أن تتحول التجربة إلى بصيرة بدل أن تتحول إلى مرارة.
فليس كل من تألم صار حكيمًا؛ بعض الناس يجعل الألم قلبه أكثر قسوة، وبعضهم يجعله أكثر رحمة.
وهنا يكمن الفرق بين من عاش التجربة ومن تعلّم منها.
قال الشاعر:
ومن لم يذق مُرَّ التعلُّمِ ساعةً تجرّعَ ذُلَّ الجهلِ طولَ حياتِه
فالحياة لا تمنح أسرارها لمن يعبرها بعين غافلة.
عاشرًا: الحكمة والسلوك الصوفي
في التصوف الإسلامي الرشيد، لا تكون الحكمة مجرد فكرة ذهنية، وإنما تتحول إلى حال في القلب وأدب في السلوك.
فمن عرف الله الحكيم، استحيا أن يعترض على تدبيره اعتراض الجاهل، وسعى إلى فهم رسالته من كل موقف، دون أن يدّعي الإحاطة بأسرار الغيب.
والصوفي الحكيم لا يقول: أنا أعلم لماذا حدث كل شيء، وإنما يقول: أثق بأن لله حكمة، وأطلب أن يفتح لي من فهمها ما ينفعني.
وهذا فرق دقيق بين الإيمان بالحكمة وبين ادعاء معرفة الحكمة.
فقد نعرف بعض الحكم، وقد تخفى علينا أخرى.
وقد نفهم اليوم ما لم نفهمه بالأمس.
وقد تنكشف لنا بعد أعوام دلالة موقف ظنناه في بدايته محنة خالصة.
إن القلب حين يسكن إلى اسم الحكيم يصبح أكثر طمأنينة، لا لأنه عرف المستقبل، وإنما لأنه وثق بمن يعلم المستقبل.
ومن أجمل المعاني في هذا المقام أن العبد لا يحتاج إلى أن يعرف تفاصيل الطريق كلها كي يمشي مع الله؛ يكفيه أن يثق بدليل الطريق.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق: 3
فالتوكل ليس إلغاءً للعقل، وإنما هو تحرير للعقل من وهم السيطرة الكاملة.
الحادي عشر: الحكمة في التربية والتعليم
تحتاج المؤسسات التعليمية إلى الحكمة كما تحتاج إلى العلم.
فالأستاذ الجامعي لا يصنع طالبًا ناجحًا بمجرد نقل المعلومات، وإنما يصنع عقلًا قادرًا على التفكير، ونفسًا قادرة على الحوار، وشخصية قادرة على تحمل المسؤولية.
والجامعة الحكيمة ليست مكانًا لتكديس المعرفة، وإنما فضاء لبناء الإنسان.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل التعليم من سؤال: ماذا يعرف الطالب؟
إلى سؤال أعمق: كيف يفكر الطالب فيما يعرف؟ وكيف يستخدم معرفته؟
فالمعرفة بلا أخلاق قد تصبح خطرًا، والذكاء بلا مسؤولية قد يتحول إلى أداة للهيمنة، والقدرة بلا حكمة قد تفسد أكثر مما تصلح.
وقد كان من دعاء النبي ﷺ:
«اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا».
فالعلم النافع هو العلم الذي يتحول إلى حياة.
الثاني عشر: الحكمة في مواجهة الأزمات
حين تضرب الأزمات الفرد والمجتمع، تظهر الحكمة من عدمها.
ففي الأزمات لا نحتاج إلى كثرة الأصوات بقدر ما نحتاج إلى وضوح الرؤية.
الحكيم لا ينكر المشكلة، لكنه لا يضخمها. لا يستسلم للخوف، ولا يتجاهل الخطر.لا يبحث عن مذنب قبل أن يبحث عن حل. ولا يجعل غضبه قائدًا لقراراته.
وقد قال النبي ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.
وهذا الحديث يحمل بعدًا نفسيًا عميقًا؛ فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على التغلب على الآخرين، بل في القدرة على ضبط الذات.
إن الإنسان الذي يملك غضبه يمتلك جزءًا كبيرًا من حريته.
أما الذي تحركه انفعالاته، فقد يصبح أسير لحظة واحدة.
الثالث عشر: من الحكمة أن نعرف حدودنا
من أعمق مراتب الحكمة أن يعرف الإنسان حدود معرفته.
فقد يكون الجهل بالشيء حكمة إذا دفع صاحبه إلى السؤال، بينما يكون ادعاء المعرفة خطرًا إذا منعه من التعلم.
وقد علّمنا القرآن أن نقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء: 85
فالعالِم الحقيقي لا يزداد علمًا إلا ويزداد شعورًا بسعة ما يجهله.
ولهذا كانت كلمة لا أدري في ميزان الحكمة أشرف من جواب متسرع.
والحكمة العلمية تقوم على التثبت، والتحقق، والنظر في الأدلة، واحترام التخصص، وعدم بناء الأحكام الكبرى على الانطباعات العابرة.
وفي زمن كثرت فيه المعلومات، أصبحت الحاجة إلى الحكمة أكبر من الحاجة إلى المعلومات نفسها؛ لأن المشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومة فقط، بل في معرفة ما الذي يستحق أن يُصدَّق، وما الذي يستحق أن يُتجاهل، وكيف نستخدم ما نعرفه.
الرابع عشر: الحكمة بوصفها طريقًا إلى السكينة
إذا استقر اسم الله الحكيم في القلب، تغيّر شيء عميق في نظرة الإنسان إلى الحياة.
لا يعود يسأل في كل لحظة: لماذا لم تجرِ الأمور كما أريد؟
بل يبدأ في السؤال: ما الخير الذي يمكن أن أصنعه بما جرى؟
وهذا التحول النفسي بالغ الأهمية.
فالإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار موقفه مما يحدث.
قد لا يستطيع منع الفقد، لكنه يستطيع أن يحفظ الوفاء.
وقد لا يستطيع منع المرض، لكنه يستطيع أن يحفظ الأمل.
وقد لا يستطيع تغيير الماضي، لكنه يستطيع أن يمنع الماضي من تدمير المستقبل.
وقد لا يستطيع أن يعرف الغيب، لكنه يستطيع أن يحسن العمل في الحاضر.
وهذه هي الحكمة العملية.
إنها أن تعيش في حدود ما تستطيع، وتفوّض ما لا تستطيع إلى الله.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ المائدة: 23
إن اسم الله الحكيم ليس اسمًا نتلوه باللسان ثم نمضي عنه، بل هو باب من أبواب التربية الإيمانية العميقة.
إنه يعلمنا أن وراء الخلق حكمة، ووراء التشريع رحمة، ووراء القدر علمًا، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم يظل واقفًا على شاطئ محيط لا تنتهي أمواجه.
والحكمة الإلهية لا تعني أن الإنسان سيفهم كل شيء، وإنما تعني أنه يستطيع أن يثق بالله حتى حين لا يفهم.
وهذه مرتبة عالية من مراتب الإيمان.
أن تبكي ولا تيأس. أن تتألم ولا تعترض على الله. أن تبحث عن الدرس في المحنة.
أن ترى في التأخير إعدادًا محتملًا، وفي المنع حماية محتملة، وفي الفقد بابًا إلى معرفة قيمة ما كان، وفي الخطأ فرصة للمراجعة والتوبة.
لكن الحكمة تقتضي كذلك ألا نحول كل حادثة إلى تفسير قطعي باسم الغيب؛ فالله وحده يعلم أسرار أقداره كاملة. وما علينا إلا أن نؤمن بحكمته، ونجتهد في فهم ما نستطيع فهمه، ونأخذ بالأسباب، ونحسن الظن به، ونستقيم في العمل.
ومن هنا تلتقي العقيدة بالنفس، والنفس بالمجتمع، والمجتمع بالأخلاق، والأخلاق بالسلوك.
فمن عرف الله الحكيم تعلّم أن يكون حكيمًا في نفسه، رحيمًا بالناس، متزنًا في أحكامه، متثبتًا في كلامه، واسع الصدر عند الاختلاف، قويًا في موضع القوة، لينًا في موضع اللين.
وحين تصبح الحكمة خلقًا عامًا، يتحول المجتمع من ساحة للصراع إلى مساحة للتعاون، ومن ثقافة الاتهام إلى ثقافة التماس العذر، ومن سرعة الغضب إلى فضيلة التروي.
ولعل أجمل ما في الحكمة أنها لا تجعل القلب باردًا، بل تجعله عميقًا؛ لا تمنعه من الحزن، وإنما تمنعه من الانكسار؛ لا تلغي السؤال، وإنما تهذب السؤال؛ ولا تطفئ العقل، وإنما تهديه بنور الإيمان.
إن الحكيم من عباد الله ليس من يملك جوابًا لكل سؤال، بل من يعرف أين يتوقف العقل، وأين يبدأ التسليم، وأين تتحول المعرفة إلى عبادة.
وفي الطريق إلى الله، قد لا يملك العبد أن يعرف كل أسرار الطريق، لكنه يستطيع أن يعرف صاحب الطريق.
فإذا عرف أن ربه حكيم، اطمأن.
وإذا علم أن ربه عليم، وثق.
وإذا أيقن أن ربه خبير، سلّم.
وإذا استشعر أن ربه عزيز، لم يهن أمام الخلق.
وإذا عرف أن ربه رحيم، لم ييأس.
وهكذا يصبح الإيمان بأسماء الله الحسنى علمًا حيًّا، لا معلومات محفوظة، وحالًا في القلب، لا ألفاظًا على اللسان.
ويبقى اسم الحكيم يهمس للإنسان في كل منعطف:
تمهّل؛ فلست ترى الصورة كاملة.
ويقول له في لحظة الحيرة: اثبت؛ فعدم فهمك للحكمة لا يعني غيابها.
ويقول له في لحظة الألم: تعلّم، ولا تدع الجرح يسرق منك المعنى.
ويقول له في لحظة النجاح: لا تغتر؛ فالحكمة أن تنسب الفضل إلى من وهبك القدرة.
ويقول له في لحظة الاختلاف: ارفق؛ فالقلوب أبواب، والكلمة مفتاح.
ويقول له في نهاية الطريق: ارجع إلى ربك بقلب تعلم أن الحكمة ليست أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف من بيده كل شيء.
وهنا تكتمل الدائرة: من الحكمة الإلهية إلى الحكمة الإنسانية، ومن معرفة الاسم إلى التخلق بمقتضى معناه في حدود العبودية، ومن النظر في الكون إلى النظر في النفس، ومن العلم إلى العمل، ومن العمل إلى السكينة.
فطوبى لقلب تعلّم أن يرى لطف الله في ثنايا الأقدار، ورحمة الله في أبواب التشريع، وحكمة الله في تعاقب الأيام.
وطوبى لعقل لم يغره ما عرف، ولم يجزع مما جهل.
وطوبى لإنسان إذا أقبل عليه الخير شكر، وإذا أدبر عنه صبر، وإذا أخطأ استغفر، وإذا احتار استخار، وإذا عجز عن فهم الحكمة قال في أدب العبودية:
يا رب، لا أفهم كل شيء، لكنني أثق بك؛ لأنك أنت الحكيم.
أنواع الحكمة
الحكمة من أجلِّ المعاني التي عرفها الإنسان، وأشدِّها اتصالًا بصفاء العقل ونضج النفس واستقامة السلوك. وهي ليست مجرد كثرة في المعلومات، ولا قدرة على زخرفة الكلام، ولا براعة في الجدل؛ وإنما هي علمٌ يهدي إلى العمل، وبصيرةٌ تجعل الإنسان يرى موضع الكلمة قبل أن ينطق بها، وموضع الصمت قبل أن يسكت، وموضع القوة قبل أن يستعملها، وموضع الرحمة قبل أن يحكم على الناس.
وقد جعل القرآن الكريم الحكمة عطيةً عظيمة، فقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ البقرة: 269 فجاء التعبير القرآني واسعًا: «خيرًا كثيرًا»، وكأن الحكمة ليست فضيلةً منفردة، وإنما هي مفتاح لفضائل كثيرة؛ إذ إذا استنار العقل، وتهذبت النفس، واستقام القلب، انعكس ذلك على علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين.
والحكمة في التصور الإسلامي ليست حكمةً عقليةً منفصلة عن الوحي، ولا تجربةً بشريةً معزولة عن الأخلاق؛ بل تتدرج من الوحي الإلهي إلى الفهم البشري، ومن المعرفة إلى العمل، ومن العمل إلى التزكية، ومن التزكية إلى حسن المعاملة. ولهذا ارتبطت في القرآن بالكتاب والتعليم والتزكية، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ البقرة: 151
ومن هنا يمكن النظر إلى الحكمة في إطارين متكاملين: حكمة مرتبطة بالوحي والتشريع والتعليم النبوي، وحكمة يمنحها الله لعباده من الفهم والرشد وحسن التصرف. وليس المقصود بالفصل بينهما الفصلَ التام، بل بيان مجالات الدلالة ودرجات المصدر.
أولًا: مفهوم الحكمة ومكانتها
الحكمة في اللغة تدور حول معاني المنع والإحكام والإتقان، ومنه «الحُكم»؛ لأن الحكم الرشيد يمنع الفوضى والظلم. والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، فلا يقدم ما ينبغي تأخيره، ولا يؤخر ما ينبغي تقديمه.
ومن أجمل ما يمكن أن يقال في الحكمة إنها إصابة الحق بالعلم والعقل والخلق والعمل. فالمعلومة وحدها لا تصنع حكيمًا؛ فقد يمتلك الإنسان علمًا واسعًا، ثم يسيء استخدامه. وقد يعرف الخير، ولكنه يعجز عن فعله. وقد يستطيع فعله، لكنه يفعله بطريقة تؤذي الآخرين. أما الحكمة فتجمع بين المعرفة والمقصد والأسلوب والتوقيت.
ولهذا قال الله تعالى في شأن دعوة الأنبياء: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: 125 فالحكمة هنا ليست مجرد معرفة الحقيقة، وإنما معرفة كيف تُقدَّم الحقيقة، ولمن، ومتى، وبأي أسلوب.
وهذا المعنى ذو أهمية نفسية واجتماعية عميقة؛ فالإنسان الحكيم لا يجعل كل خلاف معركة، ولا كل خطأ فضيحة، ولا كل اختلاف عداوة. إنه يعرف أن النفوس أبواب، ولكل باب مفتاح، وأن الكلمة الواحدة قد تكون بلسمًا في قلب، وقد تكون سهمًا في قلب آخر.
وقد عبّر المتنبي عن جانب من قيمة العقل والرؤية بقوله:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فالقوة من غير بصيرة قد تتحول إلى اندفاع، والعلم من غير خلق قد يصبح أداةً للغرور، والعبادة من غير فقه قد تنقلب إلى تشدد. ومن هنا تظهر الحكمة باعتبارها ميزانًا يضبط هذه الطاقات جميعًا.
ثانيًا: الحكمة المرتبطة بالوحي والكتاب
يذكر القرآن الكريم الحكمة مقرونة بالكتاب في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ النساء: 113
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ البقرة: 129، والجمعة: 2
وقد اختلف المفسرون في تحديد المراد بالحكمة في هذه المواضع، ومن أشهر أقوالهم أنها السنة النبوية، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: العلم النافع والعمل به، وهذه المعاني متقاربة في الجملة، ولا يلزم أن يكون اللفظ محصورًا في معنى واحد في جميع السياقات.
ومن أوضح النماذج القرآنية ما ورد في سورة الإسراء، حيث جاءت مجموعة من الوصايا الأخلاقية والاجتماعية والمالية في سياق متتابع، ثم قال تعالى في ختامها: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ الإسراء: 39
وهذه الآيات تقدم نموذجًا متكاملًا للحكمة التي تبني الإنسان والمجتمع.
الحكمة في بر الوالدين
يقول تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا... فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الإسراء: 23-24
الحكمة هنا ليست أمرًا أخلاقيًا مجردًا، وإنما بناء لعلاقة نفسية واجتماعية تقوم على الاعتراف بالجميل والرحمة ورد الجميل.
فالإنسان حين يضعف والداه في الكبر، لا ينبغي أن ينظر إلى ضعفهما بوصفه عبئًا، بل بوصفه لحظةً يعود فيها الزمن إلى بدايته: طفل الأمس يصبح سندًا لمن حملته يداه يومًا.
ومن المنظور النفسي، فإن بر الوالدين يربي الإنسان على الامتنان، ويقاوم نزعة الفردية التي تجعل الإنسان يرى نفسه مستقلًا عن جذوره. وفي التصوف الأخلاقي، لا يكتمل صفاء القلب مع جحود من كانا سببًا في وجوده ورعايته.
الحكمة في المال والإنفاق
قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الإسراء: 26-27
فالمال في المنظور الإسلامي ليس غايةً مستقلة، وإنما أمانة ووسيلة للعمران والإحسان. والحكمة الاقتصادية تقوم على التوازن بين البخل والإسراف.
ثم يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ الإسراء: 29
وهذا مبدأ نفسي واجتماعي بالغ الأهمية: فالاعتدال يحمي الإنسان من القلق الذي يصنعه التقتير، ومن الندم الذي يصنعه الإسراف.
وفي الحديث الشريف: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة»، وهو أصل في الجمع بين الانتفاع بالنعم وصيانتها من الإسراف والكبر.
الحكمة في الثقة بالرزق
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ الإسراء: 31
تكشف الآية عن خوف قديم يسكن النفس البشرية: الخوف من المستقبل. وقد جاء الوحي ليحرر الإنسان من أن يتحول الخوف الاقتصادي إلى جريمة أو ظلم.
والإيمان بالرزق لا يعني ترك العمل، وإنما يعني أن يعمل الإنسان وقلبه غير عبدٍ للنتيجة. يسعى في الأرض، ويأخذ بالأسباب، ثم يطمئن إلى أن خزائن الله أوسع من حساباته.
وهذه الفكرة لها أثر نفسي بالغ؛ فالقلق المستمر على المستقبل قد يحول الحياة إلى انتظار دائم للكوارث، بينما التوكل يعلّم الإنسان أن يبذل جهده دون أن يجعل قلبه أسيرًا لما لم يحدث بعد.
الحكمة في حماية الأسرة والعفة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ الإسراء: 32
ومن دقة التعبير القرآني قوله: «ولا تقربوا»، فلم يقتصر النهي على الفعل، بل شمل الطرق المؤدية إليه. وهذه قاعدة وقائية؛ فالإنسان الحكيم لا ينتظر وقوع الضرر حتى يبحث عن علاجه.
والأسرة في الإسلام ليست مجرد مؤسسة اجتماعية، بل بيئة للأمان النفسي والسكن العاطفي، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الروم: 21
الحكمة في صيانة النفس
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الإسراء: 33
فالإنسان في المنظور القرآني ليس رقمًا اجتماعيًا، وإنما نفس مكرمة. ومن هنا جاءت حرمة الدماء والأعراض والأموال.
والحكمة في التعامل مع العنف لا تعني الضعف، كما أن الرحمة لا تعني إلغاء العدالة؛ بل الحكمة أن يوضع كل أمر في موضعه، وأن تُصان الحقوق من الانتقام الأعمى.
الحكمة في الأمانة والعهد
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ الإسراء: 34
فالإنسان الحكيم يعرف أن الثقة رأس مال اجتماعي. وإذا انهارت الثقة، كثرت الشكوك والرقابة والنزاعات، وتحول المجتمع إلى أفراد متوجسين.
ولهذا قال النبي ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، متفق عليه.
إن الوفاء ليس سلوكًا فرديًا فحسب؛ إنه أساس لاستقرار العلاقات الأسرية والمهنية والاجتماعية.
الحكمة في المعاملات التجارية
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الإسراء: 35
وهنا تتحول الحكمة إلى عدالة اقتصادية. فميزان الإنسان في السوق هو في الوقت نفسه ميزان أخلاقه.
وقد قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني» رواه مسلم.
وهذه العبارة النبوية القصيرة تضع الغش في مكانه الحقيقي: ليس مجرد مخالفة تجارية، وإنما خيانة للعلاقة الإنسانية.
الحكمة العلمية وآداب المعرفة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ الإسراء: 36
وهذه الآية تؤسس لأخلاق البحث العلمي: لا تنسب ما لم تتحقق منه، ولا تتحدث فيما لا تعلم، ولا تحول الظن إلى حقيقة.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي تزداد أهمية هذه الحكمة؛ لأن المعلومة الخاطئة قد تنتقل في دقائق إلى آلاف الناس، وقد تهدم سمعة إنسان أو تزرع خوفًا في مجتمع.
ومن هنا يصبح الصمت أحيانًا علمًا، ويصبح قول «لا أعلم» علامة نضج لا علامة نقص.
الحكمة في التواضع
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ الإسراء: 37
فالإنسان مهما علا، يظل محدود القدرة. وما أجمل أن يعرف المرء حجمه دون أن يحتقر نفسه، وأن يعرف فضله دون أن يستعبد الآخرين بفضله.
وقد قال النبي ﷺ: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم.
والتواضع من منظور نفسي ليس إلغاءً للذات، وإنما تحرير لها من الحاجة المستمرة إلى إثبات التفوق.
ثالثًا: الحكمة النبوية وتطبيقها في الحياة
الحكمة النبوية هي ما جاء به النبي ﷺ من تعليم وبيان وتوجيه وسلوك، وهي وثيقة الصلة بالقرآن؛ فالرسول ﷺ لم يكن يقدّم القرآن مجرد نص يُتلى، بل كان يحوله إلى حياة تتحرك بين الناس.
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: 44
ولهذا فإن السنة النبوية تمثل جانبًا تطبيقيًا وبيانيًا مهمًا في فهم الدين. أما القرآن فله خصوصية قطعية من جهة الثبوت والحفظ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: 9 وأما الحديث النبوي فله علومه الخاصة في التثبت من الأسانيد والمتون، وتتنوع درجاته من حيث الصحة والثبوت.
وقد تجلت الحكمة النبوية في مواقف كثيرة.
فعندما جاء شاب إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، لم يعنفه النبي ولم يطرده، بل حاوره وسأله عن قبوله ذلك لأمه وأخته وعمته وخالته، ثم دعا له. وهذه طريقة تربوية تقوم على الحوار وإثارة الضمير بدل الإهانة.
وفي موقف آخر، قال ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه.
وهذه حكمة نفسية عميقة؛ فالقوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، وإنما في القدرة على إخضاع النفس حين تشتعل.
كما قال ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.
والرفق ليس مجرد لين في الكلام؛ إنه منهج اجتماعي يفتح الأبواب التي تغلقها القسوة.
رابعًا: الحكمة في قصص الأنبياء
لم تكن الحكمة مقصورة على أمة محمد ﷺ، بل جعلها القرآن من عطايا الله لأنبيائه وعباده الصالحين.
قال تعالى عن داود عليه السلام: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ البقرة: 251
وقال سبحانه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ص: 20
فالحكمة هنا متصلة بالعدل والحكم وحسن البيان.
وقال تعالى عن لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ لقمان: 12
ومن اللافت أن أول ما نُسب إلى الحكمة في وصايا لقمان هو الشكر. وكأن الحكمة تبدأ حين يرى الإنسان النعمة فلا ينسبها إلى نفسه وحدها.
ثم جاءت وصاياه لابنه في صورة متكاملة: التوحيد، وبر الوالدين، ومراقبة الله، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والصبر، والتواضع، والاعتدال في المشي والصوت.
وهذا يدل على أن الحكمة ليست نظرية ذهنية، وإنما تربية شاملة للإنسان.
خامسًا: الحكمة من المنظور النفسي والاجتماعي
إذا نظرنا إلى الحكمة من زاوية علم النفس الاجتماعي، وجدنا أنها ترتبط بمجموعة من القدرات: ضبط الانفعال، وتأجيل الاستجابة، والتعاطف، وفهم وجهة نظر الآخر، والقدرة على التمييز بين المهم والعاجل، ومراجعة الذات.
فالإنسان الغاضب يرى العالم من نافذة ضيقة، بينما الحكيم يوسّع النافذة قبل أن يصدر الحكم.
ومن هنا جاء التوجيه النبوي: «لا تغضب»، وهو حديث رواه البخاري. وليس المقصود إلغاء الانفعال الإنساني، فالغضب طبيعة بشرية، وإنما المقصود عدم الاستسلام له بحيث يتحول إلى قرار أو أذى.
والحكمة كذلك قدرة على احتمال الغموض. فالإنسان غير الناضج يريد إجابة فورية لكل شيء، أما الحكيم فيعرف أن بعض الأسئلة تحتاج إلى زمن، وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالعجلة.
وقد قال الشاعر:
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
فالحكمة ليست خوفًا من الحياة، وإنما شجاعة منضبطة بالبصيرة.
وعلى المستوى الاجتماعي، تساعد الحكمة على تقليل الصراع؛ لأنها تعلم الإنسان أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن الإنسان قد يخطئ دون أن يكون شريرًا، وأن الاعتذار لا ينقص من الكرامة، وأن التسامح لا يعني بالضرورة التنازل عن الحق.
سادسًا: الحكمة في التجربة الصوفية
في التراث الصوفي، ارتبطت الحكمة بتزكية القلب، ومجاهدة النفس، والانتقال من ظاهر المعرفة إلى نور البصيرة.
فالحكمة عند أهل السلوك ليست كثرة الأقوال، وإنما أن يتحول العلم إلى حال، والحال إلى خلق، والخلق إلى رحمة.
وقد عبّر أبو العتاهية عن معنى قريب حين قال:
ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم
والتصوف الأخلاقي في جوهره يلفت الإنسان إلى الداخل: ماذا يحدث في قلبه حين يُمدح؟ ماذا يفعل حين يُظلم؟ كيف يتصرف حين يستطيع الانتقام؟ وهل يعبد الله طلبًا للذكر بين الناس أم طلبًا للقرب منه؟
وفي هذا المعنى يصبح الصمت نوعًا من الحكمة، والعفو نوعًا من القوة، والخلوة فرصة لمراجعة النفس، والخدمة بابًا لمعرفة الله.
والقلب الحكيم لا يرى الناس بعين الاحتقار؛ لأنه كلما عرف عيوب نفسه، قلَّ اشتغاله بعيوب الآخرين.
وقد قال أحد الحكماء: «من عرف قدر نفسه لم يهلكها في طلب ما ليس لها». وهذا المعنى يلتقي مع التربية الإسلامية التي تجعل تزكية النفس طريقًا إلى الفلاح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ الشمس: 9-10
سابعًا: الحكمة عطية عامة
لم يجعل القرآن الحكمة حكرًا على الأنبياء، قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ البقرة: 269
وهذا يفتح بابًا واسعًا أمام الإنسان في كل زمان ومكان. فقد تجد الحكمة عند عالم، أو مربٍّ، أو أمٍّ، أو شيخ كبير، أو إنسان بسيط عاش تجارب كثيرة.
وقد لا يكون الحكيم أكثر الناس كلامًا، بل ربما كان أكثرهم إنصاتًا.
الأم التي تعرف متى تحتضن طفلها ومتى تتركه يجرب، حكيمة. والمعلم الذي يعرف أن الطالب يحتاج أحيانًا إلى كلمة ثقة أكثر من حاجته إلى تصحيح خطئه، حكيم. والمدير الذي يعاقب الخطأ دون أن يهين صاحبه، حكيم. والصديق الذي يعرف متى يتكلم ومتى يكتفي بالحضور، حكيم.
وهكذا تنتقل الحكمة من صفحات الكتب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
الحكمة في المنظور الإسلامي ليست زينة عقلية، بل بناء متكامل للإنسان. تبدأ من معرفة الله، وتمتد إلى معرفة النفس، ثم تظهر في التعامل مع الأسرة، والمال، والعلم، والعمل، والمجتمع.
وقد كشف القرآن الكريم عن نماذج عظيمة للحكمة في قصص الأنبياء ووصايا لقمان وتشريعات سورة الإسراء، بينما جاءت السنة النبوية لتقدم نموذجًا حيًا للحكمة في الحوار، والرحمة، وضبط الغضب، والعدل، والرفق، ومراعاة أحوال الناس.
وإذا أردنا صياغة مفهوم جامع للحكمة، أمكن القول:
الحكمة هي أن تعرف الحق، وأن تريده، وأن تسلك إليه الطريق الذي يحقق الخير بأقل قدر من الظلم والاضطراب.
ولهذا كانت الحكمة قرينة البصيرة، والبصيرة قرينة التزكية، والتزكية طريقًا إلى السكينة.
فالإنسان قد يعرف كثيرًا، لكن الحكيم هو الذي يعرف متى يستخدم ما يعرف. وقد يستطيع أن ينتصر، لكن الحكيم يعرف متى يكون العفو أرفع من الانتصار. وقد يمتلك القدرة على الكلام، لكنه يعرف أن بعض الصمت أبلغ من ألف كلمة.
ومن أجمل ما يلخص هذه الرؤية قول الإمام الشافعي:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكن عينَ السخطِ تُبدي المساويا
فالحكمة أيضًا عدلٌ في النظر؛ ألا تحكم وأنت غاضب، وألا تمدح وأنت مفتون، وألا تكره وأنت أعمى عن فضل الآخر.
وفي نهاية الطريق، تبدو الحكمة كالماء الصافي: لا يرفع صوته، لكنه يروي؛ ولا يتزين، لكنه يكشف صورة من ينظر فيه. وكلما ازداد الإنسان حكمةً، قلَّ ادعاؤه لها، لأن الحكمة الحقيقية تجعل صاحبها أكثر تواضعًا، وأوسع رحمة، وأشد إنصافًا، وأقرب إلى الصمت حين يكون الصمت عبادة، وإلى الكلمة حين تكون الكلمة نجاة.
وهكذا لا تكون الحكمة مجرد معرفة بما ينبغي أن يكون، بل تصبح فنًّا في تحويل المعرفة إلى حياة، والإيمان إلى خلق، والعلم إلى رحمة، والقوة إلى عدل، والخبرة إلى بصيرة.
إنها أن يسير الإنسان في الأرض وقلبه معلق بالسماء، وأن يرى في كل تجربة درسًا، وفي كل ابتلاء تهذيبًا، وفي كل نعمة مسؤولية، وفي كل إنسان كرامة.
ومن أُوتي الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا؛ لأن الحكمة حين تسكن العقل تهديه، وحين تسكن القلب تطهره، وحين تسكن السلوك تصلحه، وحين تسكن المجتمع تبني الثقة والسلام.
حكمة الله في خلقه وفي شرعه
من أعمق المعاني التي تفتح للإنسان باب الطمأنينة أن يدرك أن هذا الوجود ليس وليد المصادفة، وأن الحياة، بما فيها من اتساع وضيق، وصحة ومرض، وفرح وحزن، وقوة وضعف، تجري في ملكوت الله بعلمٍ لا يحيط به علم، وحكمةٍ قد يظهر بعضها للعبد، ويخفى عليه أكثرها.
فالله سبحانه حكيم في خلقه وأمره، لا يضع شيئًا في الوجود عبثًا، ولا يشرع للناس حكمًا خاليًا من المصلحة، ولا يقدّر على عباده قدرًا مجردًا من الحكمة. قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ الأنبياء: 16، وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ المؤمنون: 115
والحكمة الإلهية لا تظهر في صورة واحدة؛ فهي تتجلى في الخلق والتقدير، وفي التشريع والتكليف، وفي الجزاء والمآل. وقد يظن الإنسان، في لحظة من لحظات ضعفه، أن بعض ما ينزل به شر محض، بينما يكون وراءه من وجوه التربية أو الحماية أو التهذيب أو الإيقاظ ما لا يدركه في ساعته.
ولهذا كان الإيمان بحكمة الله ليس قضية نظرية فحسب، بل هو أيضًا حاجة نفسية وأخلاقية واجتماعية؛ لأنه يمنح الإنسان معنىً لما يمر به، ويعلمه ألا يحاكم الوجود كله من نافذة ضيقة، ولا يقيس الحكمة الإلهية بمقدار ما يوافق رغباته العاجلة.
أولًا: حكمة الله في خلقه
خلق الله الكون على نظام بديع، وربط أجزاءه بعلاقات دقيقة، وأودع في كل مخلوق خصائص تناسب وظيفته ومهمته. يقول تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ السجدة: 7
ويقول سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: 88
والتأمل في الكون يقود العقل إلى معنى الإتقان قبل أن يقوده إلى كثرة المعلومات. فحين ينظر الإنسان إلى السماء، أو يتأمل انتظام الليل والنهار، أو يتفكر في تعاقب الفصول، أو يتأمل جسده الذي يحمله كل يوم دون أن يشعر بكل العمليات التي تجري داخله، يجد نفسه أمام عالم شديد التعقيد، ولكنه في الوقت نفسه شديد الانسجام.
ولهذا دعا القرآن الإنسان إلى النظر المتكرر، فقال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ الملك: 3-4
إنها دعوة إلى التأمل لا إلى العبور السريع. فالقرآن لا يقول للإنسان: انظر مرة واحدة ثم احكم، وإنما يربيه على أن يعيد النظر، وأن يمنح الحقيقة وقتها، وأن يدرب عقله على الصبر أمام أسرار الوجود.
وهنا يلتقي البعد الديني بالبعد النفسي؛ فالإنسان القلق غالبًا ما ينظر إلى جزء واحد من الصورة، ثم يجعل منه حكمًا على الصورة كلها. أما التأمل الهادئ فيعلمه أن الواقع أوسع من انفعاله الآني، وأن ما يبدو ناقصًا من زاوية قد يكون جزءًا من بناء أكثر اتساقًا من زاوية أخرى.
ومن هنا يمكن فهم الحكمة في اختلاف المخلوقات وتنوعها. فليس الجمال في أن تكون جميع الأشياء متشابهة، وإنما في أن يؤدي كل مخلوق دوره ضمن منظومة واسعة. فالليل ليس عيبًا لأنه ليس نهارًا، والبحر ليس ناقصًا لأنه ليس جبلًا، والوردة ليست أقل شأنًا لأنها ليست شجرة، والإنسان نفسه لا يفقد قيمته لأن قدراته محدودة.
إن التنوع جزء من الحكمة.
وقد أشار القرآن إلى هذا التنوع في الإنسان نفسه، فقال سبحانه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ الروم: 22
فالاختلاف هنا ليس دعوة إلى الصراع، وإنما آية من آيات الله. ومن ثم فإن المجتمع الإنساني لا يستقيم بإلغاء الفروق بين الناس، وإنما باستثمارها في التعاون والتكامل.
وقد عبّر المتنبي عن معنى قريب حين قال:
ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام
فالإنسان الحكيم لا يقف عند العيب مجردًا، وإنما يسأل عن الوظيفة، والسياق، والإمكان، والمآل.
الحكمة في خلق الإنسان
ومن أعجب وجوه الحكمة أن الله خلق الإنسان في صورة تجمع القوة والضعف. فهو قادر على التعلم والإبداع، ولكنه محتاج إلى النوم. يستطيع أن يبني المدن ويكتشف القوانين، لكنه يمرض ويهرم ويموت.
قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء: 28
وليس الضعف هنا مجرد نقص، بل هو جزء من التربية الإلهية للإنسان؛ إذ إن شعوره بالحاجة يفتح في قلبه باب الافتقار إلى الله، ويمنعه من وهم الاستغناء الكامل.
ولو كان الإنسان قويًا على الدوام، مستغنيًا عن الآخرين، لما نشأت في حياته معاني الرحمة والتعاون والتواضع. فالطفل الضعيف يحتاج إلى أبويه، والوالدان في الكبر قد يحتاجان إلى أبنائهما، والمريض يحتاج إلى الطبيب، والعالم يحتاج إلى طالب يسأله، والقوي يحتاج إلى من يذكره بحدود قوته.
ومن هنا يتحول الضعف، إذا فُهم في سياقه الصحيح، إلى مدرسة للأخلاق.
إن الإنسان لا يتعلم الرحمة من الكتب وحدها؛ قد يتعلمها حين يرى دمعة أم، أو يسمع أنين مريض، أو يمسك بيد شيخ أنهكه العمر، أو يكتشف أن صديقًا كان يبدو قويًا يخفي خلف صمته ألمًا طويلًا.
ولهذا كان من جمال الشريعة أنها لم تجعل الإنسان آلة إنتاج، بل كائنًا له قلب وروح وحاجة إلى السكينة.
ثانيًا: الحكمة في التقدير والابتلاء
لا تكتمل دراسة الحكمة الإلهية في الخلق دون الوقوف عند مسألة الابتلاء. فالإنسان يتعرض في حياته لما يحب ولما يكره، لما يوافق خطته ولما يهدمها، لما يراه نجاحًا ولما يراه خسارة.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة: 155
والقرآن لا ينكر الألم، ولا يطالب الإنسان بأن يتظاهر بأن المصائب جميلة في ذاتها، لكنه يعلمه أن المصيبة ليست نهاية القصة.
وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 216
وهذه الآية من أعظم الآيات في بناء الوعي النفسي؛ لأنها تنقل الإنسان من أسر الانطباع إلى رحابة المعرفة. فما يريده الإنسان ليس بالضرورة ما ينفعه، وما يخشاه ليس بالضرورة ما يضره.
قد يخسر الإنسان وظيفة فيظن أن حياته انتهت، ثم يكتشف بعد سنوات أن الخروج منها كان بابًا إلى طريق أنسب. وقد يفشل في زواج ظنه خلاصه، ثم يكتشف أن الفشل أنقذه من حياة لم تكن تصلح له. وقد يتأخر عليه أمر أحبه، ثم يعلم أن التأخير كان تربية للصبر، أو حماية من استعجال لم يكن يرى عواقبه.
وليس معنى ذلك أن كل حادثة مؤلمة يمكن للإنسان أن يعرف حكمتها تفصيلًا؛ فبعض الأسرار لا تنكشف في الدنيا. ولكن الإيمان بالحكمة يمنح القلب قدرة على احتمال المجهول دون السقوط في العبثية.
ومن أبلغ ما جاء في السنة قول النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير...» رواه مسلم.
فالخير هنا لا يعني أن كل ما يحدث محبوب للنفس، وإنما يعني أن المؤمن يستطيع أن يحول أحوال حياته إلى أبواب من العبودية: يشكر عند النعمة، ويصبر عند البلاء، ويراجع نفسه عند الخطأ، ويرجو الله عند الضيق.
وهذه القدرة على إعادة تفسير التجربة من أهم عناصر النضج النفسي.
ثالثًا: حكمة الله في شرعه
إذا كانت حكمة الله ظاهرة في الخلق، فهي كذلك ظاهرة في التشريع. فقد شرع الله الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليهدي الإنسان إلى معرفة ربه، وتزكية نفسه، وإقامة حياته على العدل والرحمة.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ النساء: 165
وأعظم حكم الشرع وأجل مقاصده أن يعرف العبد ربه ويعبده وحده، ويخلص له قلبه وعمله.
فالعبادة في الإسلام ليست طقوسًا منفصلة عن الحياة، وإنما هي بناء متكامل للإنسان. الصلاة تعيد ترتيب العلاقة بالله، والصوم يدرب الإرادة، والزكاة تطهر المال والنفس، والحج يجمع البشر على معنى المساواة والخضوع لله.
وفي الصلاة مثلًا يتوقف الإنسان عدة مرات في اليوم عن جريان الحياة المادي، ثم يقف بين يدي ربه. وكأن الصلاة تقول له: لستَ وظيفتك، ولستَ حسابك البنكي، ولستَ منصبك الاجتماعي، ولستَ عدد متابعيك، بل أنت عبد لله.
وهذا المعنى شديد الأهمية في عصر تتضخم فيه قيمة الصورة الاجتماعية للإنسان، حتى أصبح بعض الناس يقيسون أنفسهم بنظرة الآخرين إليهم.
أما الصلاة فترد الإنسان إلى مركزه الحقيقي.
والصوم مثال آخر؛ فهو ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، وإنما تدريب عملي على ضبط الرغبة. والإنسان الذي يستطيع أن يقول «لا» لرغبة مباحة في وقت مخصوص، يتعلم بالتدريج أن يقول «لا» لرغبة محرمة حين تزينها له نفسه.
ومن هنا يظهر اتصال العبادة بالصحة النفسية والأخلاقية؛ فالإنسان لا يحتاج إلى المعرفة وحدها، بل يحتاج إلى تدريب متكرر للإرادة.
رابعًا: الشرع وصلاح المجتمع
لم تأت الشريعة لبناء الفرد بمعزل عن المجتمع، وإنما أقامت منظومة واسعة من الحقوق والواجبات التي تحفظ حياة الناس وكرامتهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ النحل: 90
واللافت أن الآية تجمع بين العدل والإحسان. فالعدل يعطي الإنسان حقه، أما الإحسان فيتجاوز مجرد الحق إلى الفضل.
وقد يحتاج المجتمع إلى القانون، لكنه لا يستطيع أن يعيش بالقانون وحده. فالقانون قد يمنع السرقة، لكنه لا يستطيع أن يزرع القناعة في قلب الإنسان. وقد يعاقب على الاعتداء، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الرحمة.
وهنا تأتي التربية الإيمانية لتعمل من الداخل.
فالمجتمع الذي يعتمد على الرقابة الخارجية وحدها يظل محتاجًا إلى مراقبين لا ينتهون. أما المجتمع الذي يستقر في أفراده معنى مراقبة الله، فإن الرقابة تنتقل جزئيًا من الخارج إلى الضمير.
وهذا أحد أعمق أبعاد التشريع الإسلامي: بناء الإنسان الذي يراقب الله حين لا يراه الناس.
وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى في حديث جبريل المشهور حين عرّف الإحسان بأنه:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
إنها تربية للضمير قبل أن تكون تنظيمًا للسلوك.
خامسًا: الحكمة بين الدين والدنيا
من الخطأ أن تُفهم الشريعة على أنها عدوة للعمران أو التقدم أو المعرفة. فالإسلام دعا إلى النظر والتفكر وطلب العلم والعمل في الأرض، ولكنه رفض أن تتحول القوة المادية إلى غاية مستقلة عن الأخلاق.
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ القصص: 77
فالمشكلة ليست في امتلاك القوة، وإنما في انفصال القوة عن المسؤولية.
يمكن للعلم أن يصنع دواءً ينقذ الملايين، ويمكنه كذلك أن يصنع أدوات للدمار. ويمكن للتكنولوجيا أن تقرب المسافات بين البشر، ويمكنها أيضًا أن تزيد العزلة إذا تحولت إلى بديل عن العلاقات الإنسانية.
ولهذا فإن الحضارة لا تُقاس فقط بارتفاع المباني، وسرعة الآلات، وحجم الإنتاج، وإنما تُقاس أيضًا بالسؤال: أي إنسان تصنع هذه الحضارة؟ هل تصنع إنسانًا أكثر رحمة؟ أكثر عدلًا؟ أكثر قدرة على ضبط شهواته؟ أكثر احترامًا لكرامة الآخر؟ أم تصنع إنسانًا أقوى قدرة وأضعف ضميرًا؟
وهنا تتجلى حكمة الشريعة؛ فهي لا تعادي الدنيا، وإنما تسعى إلى وضعها في موضعها الصحيح: وسيلة لا معبودًا، ونعمة لا غاية نهائية.
سادسًا: الحكمة الإلهية ومفهوم المقاصد
من أهم المجالات التي تكشف عن حكمة التشريع الإسلامي علم مقاصد الشريعة. فقد بحث العلماء في الغايات العامة للأحكام، ولاحظوا أنها ترجع إلى حفظ مصالح الإنسان ودفع المفاسد عنه.
ومن أشهر ما قرره علماء المقاصد حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، مع اختلاف العلماء في ترتيبها وتفصيلها.
وعندما ننظر إلى الأحكام في ضوء هذه المقاصد تتضح لنا شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية والنفسية.
فتحريم الاعتداء يحفظ النفس. وتحريم المسكرات يحفظ العقل. وتنظيم الأسرة يحفظ النسل. وتحريم السرقة والربا والاعتداء على الأموال يحفظ المال والحقوق. والعبادات تحفظ صلة الإنسان بربه وتبني داخله معنى المسؤولية.
وهذا لا يعني أن الإنسان يستطيع أن يدرك الحكمة التفصيلية وراء كل حكم؛ فالعقل البشري محدود، والحكمة الإلهية أوسع من إدراكه. ولكنه يستطيع أن يرى آثار الحكمة العامة، وأن يكتشف كيف تتساند الأحكام في بناء الفرد والمجتمع.
سابعًا: الأحكام القدرية والأحكام الشرعية
ومن المسائل المهمة في فهم حكمة الله التمييز بين الحكم القدري والحكم الشرعي.
فالحكم القدري يتعلق بما يقدره الله ويكونه في الكون؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. أما الحكم الشرعي فيتعلق بما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ويرضاه من أقوال العباد وأعمالهم.
وبذلك قد يقع في الكون شيء لا يحبه الله شرعًا، لكنه يقع بقدره الكوني. فالظلم مثلًا واقع في العالم، لكن الله لا يحب الظلم ولا يأمر به، بل قال سبحانه:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ اللَّهُ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إبراهيم: 42
وهذا التفريق ضروري حتى لا يختلط على الإنسان معنى القدر بمعنى الرضا الأخلاقي.
فوقوع الشر قدرًا لا يجعله شرعًا محبوبًا، ووجود المعصية في الكون لا يعني أن الله أمر بها. إنما أذن بوقوعها لحِكَم تتعلق بنظام الابتلاء والتكليف والجزاء، مع بقاء النهي عنها والتحذير منها.
ومن هنا نفهم مسؤولية الإنسان: فالعبد لا يملك كل ما يحدث له، لكنه يملك موقفه مما يحدث، ويملك اختياره فيما كلفه الله به.
ثامنًا: الحكمة وأثرها في الصحة النفسية
حين يستقر في نفس الإنسان أن الله حكيم، يتغير أسلوبه في التعامل مع الحياة. فهو لا يرى نفسه ورقةً تتقاذفها المصادفات، ولا يفسر كل ألم بأنه دليل على الهجر أو العقوبة، ولا يفسر كل نجاح بأنه استحقاق ذاتي مطلق.
إنه يتعلم التوازن.
إذا جاءته النعمة قال: هذا فضل من الله. وإذا جاءه البلاء قال: لعل وراءه حكمة، وسأقوم بما أستطيع، وأستعين بالله. وإذا أخطأ قال: أستغفر وأتعلم. وإذا نجح قال: أحمد الله ولا أغتر.
وهذا التوازن يمنح النفس قدرًا من المرونة في مواجهة تقلبات الحياة.
وفي الحديث: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
والحديث يجمع بين ثلاثة عناصر نفسية وأخلاقية عظيمة: المبادرة، والاستعانة، ورفض الاستسلام للعجز.
فالإيمان بالقدر لا يعني السلبية، كما أن الأخذ بالأسباب لا يعني الاستغناء عن الله.
إن المؤمن يتحرك في الأرض، لكنه لا يعبد الأسباب؛ يعمل، لكنه يعلم أن النتائج بيد الله؛ يخطط، لكنه يترك في قلبه مساحة للرضا بما يختاره الله بعد ذلك.
تاسعًا: الحكمة في النظر إلى الآخر
إذا أدرك الإنسان أن الله حكيم في خلقه، أصبح أكثر رحمة بالناس. فهو لا يطلب من الجميع أن يكونوا نسخًا متطابقة، ولا يحاكم الناس من موقف واحد.
قد ترى شخصًا شديد الصمت، ولا تعرف أن وراء صمته سنوات من الألم. وقد ترى إنسانًا عصبيًا، ولا تعلم حجم الضغوط التي يعيشها. وقد ترى آخر متأخرًا في دراسته أو عمله، ولا تعلم المعركة الداخلية التي يخوضها.
وهذا لا يعني تبرير الخطأ أو إسقاط المسؤولية، ولكنه يعني أن العدل لا ينفصل عن الفهم.
ومن أجمل ما في التربية الإسلامية أنها تجمع بين الرحمة والمساءلة. قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ آل عمران: 159
فاللين ليس ضعفًا، والرحمة ليست تنازلًا عن الحق.
وقد كان النبي ﷺ قدوة في هذا الميزان؛ فكان يعالج الخطأ بما يناسب صاحبه، ويراعي أحوال الناس، ويعلمهم دون إذلال، ويصحح دون أن يحطم الإنسان.
وهذه منهجية تربوية عميقة: إصلاح السلوك دون كسر النفس.
عاشرًا: الحكمة بوصفها طريقًا إلى السكينة
حين ينظر الإنسان إلى الكون بعين الحكمة، يتحول السؤال من: «لماذا حدث هذا لي؟» إلى سؤال أعمق: «كيف أتعامل مع ما حدث؟ وما الذي يمكن أن أتعلمه؟ وما الذي يريده الله مني الآن؟»
وهذا التحول لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى.
وقد قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ الشرح: 5-6
فاليسر ليس دائمًا في اختفاء العسر، وإنما قد يكون في القوة التي يمنحها الله للإنسان أثناء العسر.
وقد يخرج المرء من المحنة أكثر نضجًا، وأشد قربًا من الله، وأرحم بالناس، وأعرف بنفسه. عندها لا يستطيع أن يقول إن الألم كان خيرًا في ذاته، لكنه يستطيع أن يقول إن الله أخرج منه خيرًا.
وهذه إحدى أرقى صور الحكمة الإيمانية: أن لا تنكر جرحك، ولا تقدسه؛ أن تعترف بألمك، ثم تبحث عن الطريق الذي يقودك من الألم إلى المعنى.
قال الشاعر:
ولرب نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
والمؤمن لا يعيش في وهم أن الحياة ستخلو من المصائب، بل يعيش في يقين أن المصائب نفسها لا تخرج عن علم الله وحكمته ورحمته.
يتبين مما سبق أن الحكمة الإلهية تمتد في الوجود كله: في الخلق والتكوين، وفي التقدير والابتلاء، وفي التشريع والتكليف، وفي الجزاء والمآل.
فالله سبحانه حكيم في أحكامه القدرية، وحكيم في أحكامه الشرعية، وحكيم في أحكامه الجزائية. وما من باب من أبواب الوجود إلا وتظهر فيه آثار الحكمة لمن تأمل، وإن بقي من أسرارها ما لا يحيط به عقل الإنسان.
وقد يكون أعظم ما يتعلمه الإنسان من الإيمان بحكمة الله أن يتواضع أمام حدود معرفته. فليس كل ما لا نفهمه بلا حكمة، وليس كل ما يؤلمنا شرًا محضًا، وليس كل ما نرغبه خيرًا لنا.
إن العقل المؤمن لا يتوقف عن السؤال، لكنه يتعلم أيضًا متى يقول: لا أعلم، والله أعلم.
ومن هنا تصبح الحكمة طريقًا من طرق السكينة؛ لأن الإنسان حين يثق بحكمة الله لا يعود مطالبًا بأن يفهم كل شيء حتى يطمئن. يكفيه أن يعلم أن وراء هذا الكون ربًا عليمًا حكيمًا رحيمًا.
قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وهكذا يلتقي العلم بالإيمان، والعقل بالقلب، والشريعة بالأخلاق، والقدر بالمسؤولية، والدين بالحياة.
فالحكمة ليست أن يعرف الإنسان جواب كل سؤال، وإنما أن يعرف كيف يعيش حين لا يملك كل الأجوبة.
إنها أن يمشي في طريق الحياة وقلبه يقول: ربّي حكيم، وإن قصرتُ عن فهم حكمته؛ وربّي رحيم، وإن اشتدّ عليّ الطريق؛ وربّي أعلم بي منّي، فله الحمد على ما أعطى، وله الحمد على ما منع، وله الحمد في الأولى والآخرة.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم.
2. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري.
3. مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم.
4. ابن القيم، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة.
5. ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
6. ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين.
7. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ولا سيما مباحث الحكمة والقدر والشرع.
8. الشاطبي، الموافقات، مباحث مقاصد الشريعة.
9. الغزالي، إحياء علوم الدين.
10. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية.
11. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
12. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
13. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
14. النووي، شرح صحيح مسلم.
15. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.
16. ديوان المتنبي.
17. ديوان أبي الطيب المتنبي، في الحكم والأمثال الشعرية.
18. ديوان أبي تمام.
19. محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير.
