الفرد ابنُ المرايا
كيف يصنع المجتمع سلوك الإنسان وشخصيته؟
ليس الإنسان جزيرة قائمة بذاتها، مهما بدا لنا مستقلاً، ومهما أحب أن يروي عن نفسه حكاية البطولة الفردية. نحن نولد داخل علاقة، ونكبر في شبكة من العلاقات، ونتعلم الكلام من الآخرين، ونكتشف وجوهنا في عيونهم قبل أن نراها في المرآة. الطفل لا يعرف في البداية إن كان جميلاً أو قبيحاً، ذكياً أو غبياً، شجاعاً أو خائفاً؛ إنه يتعلم هذه المعاني من الطريقة التي ينظر بها إليه الآخرون، ومن الكلمات التي يسمعها، ومن الأبواب التي تفتح له أو تغلق في وجهه.
ولهذا تبدو الشخصية الإنسانية، عند التأمل، أقل ثباتاً مما نتصور. فقد يكون المرء هادئاً في بيت، صاخباً بين أصدقائه، متردداً في عمله، جريئاً في موقف آخر. قد يراه أبوه خجولاً، ويراه معلمه مشاغباً، ويراه صديقه أكثر الناس مرحاً، بينما يراه شخص آخر شديد القسوة. فأي هؤلاء هو الإنسان الحقيقي؟
ربما يكون الجواب: كلهم، ولا أحد منهم وحده.
هذه الفكرة تضعنا أمام واحد من أكثر الأسئلة إثارة في علم النفس الاجتماعي: إلى أي حد يصنع المجتمع سلوك الإنسان؟ وهل نتصرف لأننا نريد ذلك حقاً، أم لأننا تعلمنا أن هذا هو السلوك الذي ينتظره الآخرون منا؟
من هنا تكتسب أفكار الطبيب والمفكر الأمريكي هاري ستاك سوليفان أهمية خاصة. فقد نقل الاهتمام بالشخصية من داخل الفرد وحده إلى المساحة التي يعيش فيها الفرد، أي إلى العلاقات التي تحيط به. فالشخصية، في نظره، لا يمكن فهمها بعيداً عن الآخرين؛ إنها تتكون وتتغير داخل شبكة من العلاقات الإنسانية، وبخاصة العلاقات التي يكون لها وزن نفسي كبير في حياة الإنسان.
ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أنها تنقل السؤال من: «ما الذي يحدث داخل هذا الإنسان؟» إلى سؤال أوسع: «ما الذي يحدث بين هذا الإنسان والآخرين؟»
وهذا التحول البسيط يفتح باباً واسعاً لفهم الأسرة والمدرسة والصداقة والعمل والسلطة والمجتمع.
حين يبدأ الإنسان حياته في عيون الآخرين
يأتي الطفل إلى العالم بلا صورة مكتملة عن نفسه. إنه يحتاج إلى الآخرين كي يعرف معنى الأمان، والقبول، والخوف، والرفض. فالرضيع لا يستطيع أن يقول: «أنا أشعر بالاطمئنان»، لكنه يعرف ذلك من نبرة الصوت، ومن اللمسة، ومن انتظام الرعاية، ومن حضور الشخص الذي يثق به.
وهنا تصبح الأسرة أول مجتمع صغير يتعلم فيه الإنسان قواعد الحياة.
الأم أو الأب لا يقدمان للطفل الطعام والملابس والرعاية فقط، بل يقدمان له، من خلال سلوكهما اليومي، نموذجاً عن العالم. هل العالم مكان آمن؟ هل الخطأ مسموح؟ هل يمكنني أن أتكلم دون خوف؟ هل يستحق الآخرون الثقة؟ هل يجب أن أخفي مشاعري حتى لا أتعرض للسخرية؟
أسئلة كهذه لا تُطرح عادة بالكلمات، لكنها تُجاب كل يوم بالسلوك.
طفل يسمع باستمرار: «أنت ذكي، حاول مرة أخرى»، قد يتعلم أن الفشل مرحلة من مراحل التعلم. أما الطفل الذي يسمع: «أنت لا تفهم أبداً، أنت دائماً فاشل»، فقد يبدأ تدريجياً في بناء صورة عن نفسه باعتباره شخصاً عاجزاً.
وهنا تكمن قوة التوقعات الاجتماعية.
فالإنسان لا يعيش فقط وفق ما يعرفه عن نفسه، بل يتأثر كثيراً بما يعتقد أن الآخرين يعرفونه عنه أو يتوقعونه منه. وإذا تكرر الحكم الاجتماعي بما يكفي، فقد يتحول من رأي خارجي إلى صوت داخلي.
قد يقول المجتمع للطفل: «أنت مشاغب».
ثم يصبح المراهق مقتنعاً بأنه مشاغب.
ثم يبدأ في التصرف بطريقة تؤكد الصورة.
وفي النهاية يقول المعلم: «كنت أعرف أنه مشاغب منذ البداية».
وهكذا تكتمل الدائرة.
ليس لأن الطفل وُلد مشاغباً بالضرورة، وإنما لأن التوقع الاجتماعي قد يتحول إلى قوة تدفع السلوك في اتجاهه.
التوقعات قد تفتح الأبواب أو تغلقها
من أكثر الأفكار أهمية في هذا السياق أن الإنسان يتأثر بما يتوقعه الآخرون منه. وهذه الفكرة ليست مجرد مسألة نفسية صغيرة؛ إنها تحمل نتائج تربوية واجتماعية عميقة.
تخيل معلماً يدخل إلى فصل جديد، وقد وصلته معلومات مسبقة عن طالب معين بأنه «ضعيف» أو «كسول» أو «كثير المشكلات». قد يتعامل المعلم معه، دون أن يشعر، بحذر أكبر، ويمنحه فرصاً أقل، ويقرأ أخطاءه باعتبارها دليلاً على ضعفه، بينما يفسر الأخطاء نفسها عند طالب آخر على أنها عابرة.
ومع مرور الوقت قد يبدأ الطالب في الاستجابة لهذه الصورة.
يقل اجتهاده. تنخفض ثقته بنفسه. يتجنب المشاركة.
ثم تظهر النتيجة التي كان المعلم يتوقعها أصلاً.
إنها واحدة من المفارقات القاسية في الحياة الاجتماعية: قد نصنع أحياناً السلوك الذي كنا نظن أننا نكتشفه فقط.
والأمر نفسه يحدث في الأسرة.
إذا قيل لطفلة منذ صغرها إن الرياضيات «ليست للبنات»، فقد تدخل غرفة الدرس وهي تحمل خوفاً لم يكن موجوداً في المسألة الرياضية نفسها. وإذا قيل لصبي إن البكاء عيب، فقد يتعلم أن يخفي حزنه حتى عن أقرب الناس إليه. ثم يكبر الاثنان، وقد أصبح ما كان مجرد حكم اجتماعي جزءاً من شخصيتيهما.
لكن الوجه الآخر أكثر إشراقاً.
فالتوقع الإيجابي يمكن أن يفعل العكس تماماً.
حين يقول الأب لابنه: «أعرف أنك تستطيع، خذ وقتك وحاول»، وحين تقول المعلمة لطالبتها: «لديك فكرة جيدة، طوريها»، فإنهما لا يقدمان مجاملة عابرة، بل يقدمان للطفل احتمالاً جديداً عن نفسه.
أحياناً يحتاج الإنسان إلى شخص آخر كي يرى الإمكان الكامن فيه.
وهم الفردية: هل لنا شخصية واحدة؟
من الأفكار اللافتة في فكر سوليفان ما ارتبط بما سماه «وهم الفردية». والمقصود، بصورة مبسطة، أن تصورنا عن الإنسان بوصفه شخصية مكتملة وثابتة ومستقلة تماماً عن الآخرين قد يكون مضللاً.
نحن نملك قدراً من الاستمرارية بالطبع، لكننا لا نظل الشخص نفسه في كل العلاقات.
قد يكون الموظف شديد الانضباط في مكان العمل، لكنه مرح جداً مع أصدقائه. وقد يكون شخص ما قليل الكلام مع الغرباء، كثير الحديث مع عائلته. وقد يبدو إنسان قاسياً في بيئة تنافسية، ثم يظهر شديد الحنان في علاقة يشعر فيها بالأمان.
لا يعني ذلك أن الإنسان منافق أو بلا شخصية، بل يعني أن العلاقة تستدعي جانباً معيناً من شخصيته.
وهذا يفسر لماذا تبدو بعض التحولات الاجتماعية عميقة في حياة الإنسان.
الانتقال من قرية إلى مدينة قد يغير طريقة الكلام والملبس والعلاقات.
الانتقال من مدرسة إلى أخرى قد يغير ثقة الطالب بنفسه.
الدخول إلى الجامعة قد يحرره من صورة قديمة التصقت به سنوات.
العمل في مؤسسة جديدة قد يكتشف فيه قدرات لم يكن يعرفها.
وصداقة واحدة جيدة قد تفعل أحياناً ما لم تستطع عشرات النصائح أن تفعله.
لهذا لا ينبغي أن نحكم على الإنسان من لحظة واحدة أو من بيئة واحدة.
فالإنسان، في جانب كبير منه، سيرة من العلاقات.
الطفولة لا تكتب الكتاب كله
تحتل الطفولة مكانة مهمة في تشكيل الشخصية، لكن من الخطأ أن ننظر إليها باعتبارها حكماً نهائياً لا يمكن تغييره.
قد يحمل الإنسان من طفولته خوفاً أو عادة أو طريقة معينة في التعامل مع الآخرين، لكنه يستطيع في مراحل لاحقة من حياته أن يعيد بناء نفسه من خلال الخبرات والعلاقات الجديدة.
وهذه نقطة تمنح علم النفس الاجتماعي بعداً أخلاقياً مهماً: إذا كانت الشخصية قابلة للتغير، فإن الإنسان ليس أسير ماضيه بالكامل.
قد يكون شاب قد اعتاد الصمت لأنه نشأ في بيئة لا تسمح له بالكلام، ثم يدخل الجامعة ويلتقي بأصدقاء يشجعونه على التعبير. في البداية يتردد، ثم يتحدث، ثم يكتشف أنه يستطيع النقاش، ثم يجد نفسه بعد سنوات واقفاً أمام جمهور كبير.
أي شخصية هي إذن: الشخصية الأولى أم الثانية؟
ربما الاثنتان، لأن الإنسان ليس حجراً نحت مرة واحدة.
إنه أقرب إلى نهر؛ يحتفظ بمجرى عام، لكنه يتغير مع الأرض التي يمر بها.
الأم القلقة والبيت الذي يسمع صوته الطفل
في السنوات الأولى من الحياة تكون العلاقة مع القائمين على الرعاية شديدة الأهمية. فالطفل الصغير لا يملك الأدوات النفسية التي تمكنه من فهم العالم أو تنظيم مشاعره بمفرده. ولذلك يلتقط الكثير من إشارات البيئة المحيطة به.
لا يعني هذا أن مشاعر الوالدين تنتقل بطريقة آلية ومباشرة إلى الطفل، لكن المناخ الانفعالي للأسرة يمكن أن يؤثر بعمق في شعوره بالأمان وفي الطريقة التي يتعلم بها التعامل مع التوتر.
فالبيت الذي تسوده الصراعات الدائمة ليس كالبيت الذي يستطيع أفراده الاختلاف فيه دون خوف.
والطفل الذي يرى الكبار يعالجون الخلاف بالحوار يتعلم شيئاً مختلفاً عن الطفل الذي لا يرى أمامه إلا الصراخ والعقاب.
إن التربية ليست ما نقوله للأطفال في لحظات الهدوء فقط، وإنما ما يرونه منا في اللحظات الصعبة.
قد يقول الأب لابنه: «لا تغضب»، بينما يصرخ الأب نفسه عند أول مشكلة.
وقد تقول الأم: «احترم الآخرين»، بينما يسمع الطفل منها سخرية مستمرة من الناس.
الأطفال يتعلمون من المشهد أكثر مما يتعلمون من الموعظة.
النقد المستمر: حين يتحول صوت الآخرين إلى صوت داخلنا
النقد جزء طبيعي من التربية، لكن النقد المستمر مختلف تماماً.
هناك فرق بين أن تقول لطفل: «هذا التصرف غير مناسب»، وبين أن تقول له: «أنت طفل سيئ».
في الجملة الأولى نحاكم السلوك.
وفي الثانية نحاكم الشخص كله.
وهذا الفرق اللغوي الصغير قد يكون له أثر كبير.
إذا أخطأ الطفل في حل مسألة، يمكننا أن نقول: «لنراجع الحل». أما إذا قلنا: «أنت غبي»، فنحن لا نصحح المسألة، بل نضيف إليها حكماً على الذات.
وإذا كسر شيئاً في المنزل، يمكن أن نقول: «علينا أن نكون أكثر حذراً»، بدلاً من «أنت دائماً تخرب كل شيء».
ومع التكرار قد يبدأ الطفل في النظر إلى نفسه من خلال هذه الكلمات.
لهذا يحتاج الأطفال إلى حدود واضحة، لكنهم يحتاجون في الوقت نفسه إلى الاحترام.
الحب لا يعني ترك الطفل يفعل ما يشاء، كما أن الانضباط لا يعني إهانته.
المجتمع الصحي هو الذي يستطيع أن يصحح السلوك من دون أن يهدم كرامة صاحبه.
المراهقة: حين يصبح الأصدقاء مجتمعاً بديلاً
إذا كانت الأسرة هي المجتمع الأول، فإن جماعة الرفاق تصبح في المراهقة مجتمعاً شديد القوة.
فالمراهق يبدأ في البحث عن إجابة لسؤال مختلف: «من أنا بين الآخرين؟»
ولهذا يصبح القبول الاجتماعي مهماً جداً.
يريد المراهق أن يكون له مكان، وصوت، وأصدقاء، وصورة يرضى عنها. وقد يدفعه هذا الاحتياج أحياناً إلى سلوكيات لم يكن ليفعلها وحده.
قد يدخن لأن أصدقاءه يدخنون.
وقد يغير ملابسه لأن المجموعة ترى أن نمطاً معيناً هو «الموضة».
وقد يتفوق دراسياً لأن أصدقاءه يشجعونه على النجاح.
وقد يتخلى عن موهبة لأنه يخشى السخرية.
وهنا لا يكفي أن نقول للشاب: «لا تتأثر بأصدقائك».
فالإنسان اجتماعي بطبيعته، والحاجة إلى الانتماء ليست عيباً. المطلوب هو أن نساعده على بناء قدرة داخلية تجعله يختار علاقاته، لا أن يصبح أسيراً لها.
ولهذا فإن منع الصداقة ليس حلاً دائماً؛ الأجدى هو تعليم الأبناء كيف يميزون بين العلاقة التي تكبر بهم والعلاقة التي تصغرهم.
التوتر ليس عدواً دائماً
ومن المهم هنا ألا ننظر إلى كل قلق أو توتر باعتباره مرضاً.
هناك مستوى من القلق قد يكون مفيداً، لأنه يدفع الإنسان إلى الاستعداد والعمل.
الطالب الذي يشعر ببعض القلق قبل الامتحان قد يراجع دروسه.
والباحث الذي يقلق من جودة بحثه قد يعيد قراءة مصادره.
والكاتب الذي يخشى أن يكون نصه ضعيفاً قد يراجعه مرة أخرى.
المشكلة تبدأ حين يصبح التوتر شديداً أو مستمراً إلى درجة تعطل الإنسان بدلاً من دفعه إلى العمل.
فثمة فرق بين القلق الذي يقول لنا: «استعد»، والقلق الذي يقول لنا: «أنت عاجز».
الأول قد يكون حافزاً.
أما الثاني فيحتاج إلى فهم ومساندة، وأحياناً إلى مساعدة متخصصة.
وهذا يذكرنا بأن الصحة النفسية ليست غياب كل قلق، وإنما القدرة على التعامل مع مشاعرنا بطريقة تساعدنا على الاستمرار.
المجتمع الذي يضع الملصقات على البشر
ربما كان من أخطر ما تفعله المجتمعات أنها تحب الاختصار.
نقول عن شخص: «كسول». وعن آخر: «عدواني». وعن ثالث: «فاشل». وعن فتاة: «خجولة».
ثم ننسى أن وراء كل كلمة قصة.
قد يكون «الكسول» شاباً لم يجد بعد مجالاً يشعر فيه بالمعنى.
وقد يكون «الخجول» إنساناً شديد الحساسية يحتاج إلى وقت كي يطمئن.
وقد يكون «المشاغب» طالباً ذكياً يشعر بالملل أو يبحث عن الاعتراف.
لا يعني هذا تبرير كل سلوك، وإنما يعني أن الحكم الأخلاقي السريع لا يكفي لفهم الإنسان.
الوصم الاجتماعي يحول السلوك العابر إلى هوية ثابتة.
وحين نكرر الوصف بما يكفي، قد يصدقه صاحبه.
من هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الاجتماعية في اختيار اللغة التي تتحدث بها عن الناس.
الكلمة ليست بريئة دائماً.
أحياناً تكون الكلمة نافذة.
وأحياناً تكون جداراً.
حين تصبح المدينة جزءاً من الشخصية
لا يتغير الإنسان فقط بتغير الأشخاص، بل قد يتغير بتغير المكان.
المدينة ليست مباني وشوارع فقط، والقرية ليست حقولاً ومنازل فقط. كل بيئة اجتماعية تحمل إيقاعاً خاصاً للحياة، وقواعد ضمنية للتعامل، وحدوداً لما هو مقبول وما هو مرفوض.
حين ينتقل شخص من مجتمع صغير يعرف فيه الجميع بعضهم بعضاً إلى مدينة كبيرة، قد يشعر أول الأمر بالضياع، ثم يتعلم الاستقلال. وقد يكتشف في anonymity المدينة مساحة لممارسة جوانب من شخصيته كان يخفيها في مجتمعه القديم.
وبالمثل، قد يؤدي الانتقال إلى مجتمع جديد إلى شعور بالغربة، لكنه قد يمنح الإنسان فرصة لإعادة تعريف نفسه.
وهذا يفسر لماذا تكون بعض التحولات الجغرافية والاجتماعية أشبه بإعادة كتابة للسيرة الشخصية.
نحن لا نسكن الأماكن فقط.
الأماكن تسكن فينا أيضاً.
العلاقات الجديدة بوصفها فرصة ثانية
إذا كانت العلاقات قد تسهم في تشكيل الإنسان، فإن العلاقات الجديدة يمكن أن تمنحه فرصة لإعادة تشكيل نفسه.
وهنا تظهر أهمية الصديق الذي لا يسخر، والمعلم الذي يثق، والمدير الذي يمنح فرصة، والشريك الذي يستمع، والمجتمع الذي لا يعاقب الإنسان إلى الأبد بسبب خطأ واحد.
قد يدخل شاب إلى مؤسسة جديدة وهو يحمل تاريخاً من الفشل، لكن أحد المسؤولين يمنحه مهمة حقيقية. ينجح فيها، فيتغير نظره إلى نفسه. ثم ينجح في مهمة ثانية، ثم ثالثة.
ما الذي تغير؟
ربما لم يتغير الإنسان وحده. لقد تغيرت العلاقة بينه وبين البيئة.
وهذه الفكرة شديدة الأهمية في التربية والإصلاح الاجتماعي. فإذا أردنا تغيير سلوك الناس، فلا يكفي دائماً أن نطالبهم بالتغيير؛ ينبغي أن نسأل أيضاً: ما نوع البيئة التي نطلب منهم أن يتغيروا داخلها؟
لا يمكن أن نطالب الإنسان بالثقة ثم نستهزئ بكل محاولة منه.
ولا يمكن أن نطالبه بالإبداع ثم نعاقبه كلما أخطأ.
ولا يمكن أن نطلب منه الاستقلال ثم نرفض أي قرار لا يشبه قراراتنا.
بين سوليفان وبروني وير: الحياة التي نعيشها أم الحياة التي يُراد لنا أن نعيشها؟
تكتسب هذه الأفكار معنى أكثر إنسانية حين نتأمل تجارب الأشخاص في نهايات حياتهم.
فقد اشتهرت الممرضة الأسترالية بروني وير بتجربتها في رعاية المحتضرين، وبما جمعته من ملاحظات حول أكثر الأمور التي كان بعض مرضاها يشعرون بالندم عليها في نهاية حياتهم. ومن أشهر ما ارتبط بهذه التجربة الندم على عدم امتلاك الشجاعة الكافية لعيش حياة أكثر صدقاً مع الذات، بدلاً من الحياة التي فرضتها توقعات الآخرين.
سواء نظرنا إلى هذه التجربة باعتبارها شهادة إنسانية لا قاعدة علمية عامة، فإن معناها التأملي يظل قوياً.
كم من إنسان اختار تخصصاً لأن أسرته أرادته له؟
وكم من فتاة قبلت حياة لم تخترها خوفاً من كلام الناس؟
وكم من شاب قاسٍ على نفسه لأنه تعلم أن قيمته لا تكون إلا في النجاح؟
وكم من شخص أمضى سنوات يحاول أن يكون «الصورة الصحيحة» في نظر الآخرين، حتى نسي أن يسأل نفسه: ماذا أريد أنا؟
المشكلة ليست في أن نراعي الآخرين؛ فالإنسان لا يستطيع ولا ينبغي أن يعيش منفصلاً عن مجتمعه.
المشكلة حين يتحول رضا الآخرين إلى المعيار الوحيد للحياة.
هل نستطيع إذن أن نتحرر من المجتمع؟
ربما لا.
لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نعيش معه بوعي أكبر.
نحن نتأثر بالأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، والعمل، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام، والحي الذي نعيش فيه، واللغة التي نتحدث بها. لكن التأثر لا يعني انعدام القدرة على الاختيار.
فالإنسان ليس مرآة تعكس المجتمع بصورة آلية.
إنه يتأثر، ثم يفسر، ثم يختار، ثم يعيد إنتاج بعض ما تلقاه ويرفض بعضه الآخر.
وهنا تكمن قيمة التربية الحقيقية: ألا ننتج أفراداً يطيعون المجتمع فقط، ولا أفراداً يرفضونه فقط، وإنما أشخاصاً يستطيعون فهم المجتمع والتفاعل معه ونقده وتغييره حين يلزم.
المجتمع مرآة، لكنه ليس قدراً
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الصحيح: «هل يصنع المجتمع الإنسان؟»
فالإجابة تبدو واضحة: نعم، إلى حد كبير.
لكن السؤال الأعمق هو: كيف يصنع المجتمع الإنسان، وكيف يستطيع الإنسان بدوره أن يغير المجتمع؟
فالعلاقة ليست طريقاً يسير في اتجاه واحد.
نحن أبناء أسرنا، لكننا أيضاً آباء وأمهات في المستقبل.
ونحن تلاميذ مدارسنا، لكننا نصبح معلمين ومديرين وصانعي قرار.
ونحن نتأثر بأصدقائنا، ثم نصبح نحن أنفسنا أصدقاء يؤثرون في غيرهم.
وهكذا تستمر السلسلة.
قد يحمل طفل كلمة سمعها في الخامسة من عمره حتى الثلاثين. وقد يحمل شخص آخر تشجيعاً تلقاه من معلم في المدرسة طوال حياته. وقد تغير صداقة واحدة مسار إنسان بأكمله. وقد يكون قرار صغير من أب أو أم سبباً في أن يكتشف طفل موهبته، أو سبباً في أن يخفيها.
لهذا فإن بناء الإنسان ليس مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا الدولة وحدها، ولا الفرد وحده.
إنها مسؤولية شبكة كاملة من العلاقات.
وإذا كان الإنسان يتشكل في العلاقات، فإن إصلاح العلاقات يصبح جزءاً من إصلاح الإنسان.
نحتاج إلى أسر تعرف الفرق بين التربية والإهانة.
ومدارس تعرف أن الطالب ليس رقماً في دفتر الدرجات.
ومؤسسات تمنح الناس فرصة للخطأ والتعلم.
ومجتمعات تقلل من الوصم والسخرية.
وثقافة لا تجعل الإنسان يعيش طوال الوقت تحت محكمة «ماذا سيقول الناس؟».
فالإنسان يحتاج إلى الآخرين، لكنه يحتاج أيضاً إلى مساحة داخلية يسمع فيها صوته الخاص.
ولعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لطفل هو أن نقول له، بطرق مختلفة طوال حياته: أنت مقبول، لكنك قادر على أن تتغير؛ أخطاؤك لا تختصر شخصيتك؛ ونجاحك لا يتوقف على أن تكون نسخة مما نريد.
إننا حين نمنح الإنسان الأمان لا نضعفه، بل نساعده على النمو.
وحين نسمح له بالاختلاف لا نعزله، بل نمنحه فرصة ليكون نفسه.
وحين نكف عن اختزاله في صفة واحدة، نفتح أمامه احتمالاً جديداً للحياة.
لقد جعل سوليفان العلاقات مفتاحاً لفهم الشخصية، وربما يمكننا اليوم أن نوسع هذه الفكرة أكثر: لا يعيش الإنسان داخل المجتمع فقط، بل يعيش المجتمع داخله أيضاً.
في نبرته، في خوفه، في أحلامه، في اختياراته، وحتى في الطريقة التي يحب بها ويختلف ويعتذر ويغفر.
لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تقودنا إلى التشاؤم، بل إلى المسؤولية.
فإذا كانت البيئة قادرة على صناعة الخوف، فهي قادرة أيضاً على صناعة الأمان.
وإذا كانت الكلمات قادرة على كسر الإنسان، فهي قادرة على ترميمه.
وإذا كانت العلاقات قد تترك جروحاً عميقة، فإن العلاقات الجديدة قد تمنح الإنسان بداية أخرى.
وفي هذا المعنى، لا تكون الشخصية سجناً مغلقاً، وإنما مشروعاً مفتوحاً.
مشروعاً تكتبه الأسرة في صفحاته الأولى، وتضيف إليه المدرسة والرفاق والعمل والثقافة، لكن الإنسان يظل قادراً، في مراحل كثيرة من حياته، على الإمساك بالقلم.
وهنا ربما تكمن الحرية الإنسانية الأجمل:
أن نعرف أن الآخرين تركوا آثارهم فينا، من دون أن نسمح لهم بأن يكتبوا السطر الأخير.
