جمال الدين الأفغاني... «الماسوني»

جمال الدين الأفغاني... «الماسوني»
هناك رجال يموتون، وتنتهي حياتهم عند اللحظة التي يُوارى فيها جسدهم التراب. وهناك رجال آخرون لا يموتون بهذه السهولة. يخرجون من التاريخ كما يخرج السؤال من الجرح : كلما ظننت أنك أغلقت الصفحة، عادوا ليطرقوا عليك من جهة أخرى. وكلما حاولت أن تضعهم في خانة واحدة، أفلتوا منها. كان جمال الدين الأفغاني واحدًا من هؤلاء. مصلحًا عند قوم، ومغامرًا سياسيًا عند آخرين، وفيلسوفًا ثائرًا عند فريق ثالث، ورجلًا بالغ الطموح صنع حول نفسه أسطورة تكاد تنافس الحقيقة. كان رجلًا يبحث عن نهضة الشرق، لكنه لم يكن يملك وطنًا ثابتًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم. تنقل بين أفغانستان والهند ومصر وإسطنبول وإيران وروسيا وأوروبا والعراق، وكأن الجغرافيا نفسها لم تكن قادرة على احتوائه. والأغرب من ذلك أن الرجل الذي عاش مطاردًا من السلاطين والحكومات، ترك خلفه رجالًا أصبح بعضهم لاحقًا من أهم أصوات السياسة والفكر والثورة في العالم العربي. فمن كان جمال الدين الأفغاني حقًا؟ وهل كان مصلحًا دينيًا وسياسيًا سبق عصره؟ أم كان صاحب مشروع سياسي أكبر من قدرته على تحقيقه؟ وهل كانت الماسونية عنده وسيلة لبناء التنظيم والإصلاح، أم أنها كانت محطة غامضة في مشروعه السياسي؟ والسؤال الأعمق: هل صنع الأفغاني تلاميذه، أم أن تلاميذه هم الذين صنعوا أسطورته بعد رحيله؟ ولد جمال الدين الأفغاني، بحسب الرواية الأشهر، عام 1838 في أسعد آباد قرب كابول، وبرز منذ شبابه بذكاء استثنائي وسعة اطلاع وإجادة لعدد من اللغات. لكن العلم وحده لم يكن يكفيه. كان يستطيع أن يكون عالمًا يجلس في مجلسه، يدرّس، ويؤلف، ويجادل في مسائل الفقه والكلام، ثم يعود إلى بيته مطمئنًا. لكنه اختار الطريق الأصعب. اختار السياسة. وهنا بدأت قصته الحقيقية. في أفغانستان دخل الحياة السياسية، وساند الأمير محمد أعظم خان، بل أصبح رئيسًا لوزرائه. غير أن الصراع على السلطة والحرب الأهلية قلبا المشهد، وانتهى الأمر بانتصار شير علي خان المدعوم من البريطانيين. وفي لحظة واحدة وجد الأفغاني نفسه أمام الحقيقة التي ستلاحقه طوال حياته: إنك قد تنتصر في النقاش، لكنك تخسر أمام القوة. ومن هنا بدأ الصراع بين الفكر والسلطة. نُفي محمد أعظم خان إلى إيران، وغادر الأفغاني إلى الهند، لكن البريطانيين لم يتركوه وشأنه. فُرضت عليه الرقابة، ثم أُبعد عن الهند إلى مصر. وصل إلى القاهرة سنة 1869. أقام فيها نحو أربعين يومًا فقط. لكن أربعين يومًا كانت كافية لتترك المدينة في ذاكرته، ولتترك المدينة شيئًا منه في مستقبلها. ثم غادر إلى الآستانة، حيث استقبله السلطان عبد العزيز بحفاوة. كان الرجل قد بدأ يتعلم قاعدة ستصبح جزءًا من شخصيته: السلاطين يحبون المفكر حين يكون ضيفًا، ويخشونه حين يصبح مؤثرًا. عاد الأفغاني إلى مصر عام 1871، وهذه المرة لم يكن مجرد عابر سبيل. كانت مصر تعيش زمنًا شديد الاضطراب؛ دولة تتأرجح بين مشروع التحديث وضغط الديون، ونفوذ أوروبي يزداد يومًا بعد يوم، وحكم مركزي يطلب الطاعة، ومجتمع يشعر أن شيئًا ما يتغير من حوله لكنه لا يعرف بعد كيف يصوغ غضبه. وهنا وجد الأفغاني البيئة التي كان يبحث عنها. لم يكن يريد أن يشرح للناس فقط لماذا تأخروا. كان يريد أن يسألهم: لماذا قبلتم التأخر أصلًا؟ وهذا سؤال أخطر بكثير. لأن الاستبداد، في نظره، لا يعيش فقط بقوة الحاكم. إنه يعيش أيضًا في النفس التي اعتادت أن تخاف. كان الأفغاني يرى أن الإنسان يمكن أن يتحول إلى سجين قبل أن تُغلق عليه أبواب السجن. يكفي أن يعتاد الصمت. يكفي أن يصدق أن السلطة قدر، وأن الفقر قدر، وأن الهزيمة قدر، وأن الاحتلال قدر. ومن هنا أصبحت معركته الحقيقية مع شيء أعمق من الحكومة الأجنبية أو الحاكم المستبد: معركة ضد الاستسلام النفسي. في القاهرة، اتجه الأفغاني إلى التنظيم السياسي، وأسهم في تكوين الحزب الوطني الحر، ودعا إلى الديمقراطية والشورى، وإلى مقاومة الاستبداد والتدخل الأجنبي. وكان يؤمن بأن الأفكار وحدها لا تصنع التاريخ. الفكرة تحتاج إلى رجال. والرجال يحتاجون إلى تنظيم. والتنظيم يحتاج إلى هدف. لهذا لم يكتفِ بالمجالس العلمية، بل دخل عالم الصحافة والخطابة والمحافل السياسية والفكرية. وهنا ظهر جانب آخر من شخصية الأفغاني: الخطيب. كان يستطيع أن يتحدث ساعات. لم يكن خطابه باردًا أو أكاديميًا. كان يهاجم، ويستفز، ويوقظ، ويهين الخمول، ويستدعي التاريخ كي يحاكم الحاضر. كان يريد أن يجعل المستمع يشعر بالخجل من ضعفه، ثم بالغضب من ضعفه، ثم بالرغبة في التخلص منه. ومن أشهر العبارات المنسوبة إليه في خطابه للمصريين، أنه ذكّرهم بأنهم نشأوا في ظل الاستعباد والاستبداد، وأن أجيالًا من الحكام والغزاة مرّت فوقهم بينما ظلوا صامتين، ثم صاح فيهم: هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء هذه ليست عبارة إصلاحي هادئ. إنها صيحة رجل يرى أن المجتمع قد وصل إلى مرحلة أصبح فيها الهدوء نفسه مرضًا. لكن قصة الأفغاني لا يمكن أن تُروى دون المرور بالماسونية. في ذلك الزمن كانت الماسونية، لدى بعض المثقفين والسياسيين، تبدو مختلفة عن الصورة التي ترسخت عنها لاحقًا في الوعي الشعبي. كانت تتحدث عن الحرية والإخاء والمساواة، وتضم رجالًا من ديانات وجنسيات مختلفة، وتقدم نفسها بوصفها إطارًا للتنظيم والتواصل بين النخب. وكان الأفغاني يبحث عن شيء محدد:أداة لتنظيم النخبة وتوجيهها نحو الإصلاح السياسي. فدخل أحد المحافل الماسونية في مصر. لكن المفارقة بدأت حين اكتشف أن الشعارات شيء، والسياسة شيء آخر. فإذا كانت الماسونية تتحدث عن الحرية، فلماذا لا تقف ضد الاستبداد؟ وإذا كانت تتحدث عن المساواة، فلماذا تصمت أمام النفوذ الأجنبي؟ وإذا كانت تضم رجالًا من مشارب مختلفة، فلماذا لا تستخدم هذا التنظيم في الدفاع عن مصالح البلاد؟ بحسب الروايات التي تناولت هذه المرحلة، حاول الأفغاني دفع المحفل إلى ممارسة دور سياسي، وحين اصطدم بقياداته دخل في صراع معها، وانتهى إلى الانشقاق وتأسيس إطار شرقي جديد. وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الرجل إثارة: الرجل الذي دخل الماسونية لم يكن يريد أن يصبح تابعًا لها، بل أراد أن يجعل التنظيم تابعًا لفكرة أكبر. وفي هذا التنظيم، ثم في الحزب الوطني الحر، التقى عدد من الأسماء التي ستصبح لاحقًا جزءًا من المشهد المصري الكبير، ومن بينها محمد عبده وأحمد عرابي ومحمود سامي البارودي وغيرهم. ولهذا ظهرت العبارة التي تختصر الأسطورة كلها:إن زعماء مصر خرجوا من معطف جمال الدين الأفغاني. لكن التاريخ أكثر تعقيدًا من هذه العبارة. فالرجل لم يصنع الثورة وحده، ولم يصنع هؤلاء الرجال من العدم. لكنه فعل شيئًا ربما كان أهم: لقد علّمهم أن السياسة ليست قدرًا مكتوبًا في السماء، وأن المجتمع يستطيع أن يتخيل نفسه بصورة أخرى. كان من بين الذين اقتربوا من الأفغاني الأمير محمد توفيق، ولي عهد مصر آنذاك. كان توفيق يتحدث عن الشورى والإصلاح ومقاومة النفوذ الأوروبي. فصدقه الأفغاني. وربما كانت هذه إحدى نقاط ضعفه الكبرى: أنه كان يميل إلى تصديق الوعد إذا جاء من رجل يرفع راية الإصلاح. دعم التيار الذي رأى أن اعتزال الخديوي إسماعيل قد يفتح الطريق أمام الإصلاح. لكن حين وصل توفيق إلى الحكم سنة 1879، تغيرت الحسابات. دخل النفوذ الأوروبي بقوة. وأصبح الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره شريكًا محتملًا في الإصلاح خطرًا محتملًا على السلطة. صدر قرار نفي الأفغاني. وهكذا خرج من مصر. مرة أخرى. لم يكن الأمر مجرد طرد رجل سياسي. كان مشهدًا يتكرر طوال حياته: يدخل رجل يحمل مشروعًا، تقترب منه السلطة، تستفيد منه أو تختبره، ثم تخاف منه، ثم تنفيه. ذهب الأفغاني إلى الهند، وهناك دخل في معركة فكرية جديدة، ودافع عن الدين في مواجهة الاتجاهات المادية والفكرية التي رآها متأثرة بالبيئة الاستعمارية، وكتب «الرد على الدهريين . لكن بريطانيا كانت تعرف أن الأفغاني ليس مجرد كاتب. كان رجلًا يستطيع أن يحول الفكرة إلى حركة. ولهذا، حين اندلعت الثورة العرابية في مصر سنة 1882، جرى تشديد الرقابة عليه وعزله عن الأخبار، حتى انتهت الثورة باحتلال بريطانيا لمصر. كان التاريخ يتحرك بعيدًا عنه، لكنه لم يتوقف. خرج من الهند بعد ذلك، وذهب إلى أوروبا. وهناك دخل المرحلة الأكثر إثارة في حياته. في باريس، التقى الأفغاني بمحمد عبده، وأطلقا مجلة العروة الوثقى. لم تكن مجلة عادية.كانت أشبه برسالة سياسية موجهة إلى أمة تبحث عن نفسها. ثمانية عشر عددًا فقط.لكنها كانت كافية لتصبح رمزًا. كانت الفكرة الأساسية أن المسلمين ليسوا جزرًا منفصلة، وأن الاستعمار لا يهزم بالسلاح وحده، بل بهدم الحالة النفسية التي تجعل الشعوب ترى نفسها عاجزة. وهنا يظهر جوهر فلسفة الأفغاني:الاستعمار يبدأ من الخارج، لكنه لا ينجح إلا إذا وجد داخله قابلية للاستسلام. ولهذا كان إصلاح الإنسان عنده سابقًا لإصلاح الدولة. كان يريد إنسانًا يعرف قيمة نفسه.لأن الأمة التي تفقد شعورها بكرامتها يمكن احتلالها قبل أن يدخل إليها جيش واحد. لم يكن الأفغاني سهل التصنيف.كان يتحدث عن الدين والعقل. عن الإسلام والتحديث. عن الوحدة الإسلامية والقومية. عن الديمقراطية والشورى. عن الثورة والإصلاح. وكان ينتقل بين السلاطين والثوار ، وبين الشرق والغرب، وبين رجال الدين والسياسيين. وفي إيران، حاول التأثير في الشاه ناصر الدين، ثم انقلب عليه بعد تراجع الشاه عن وعود الإصلاح. وانتهى الأمر إلى مواجهة سياسية وفكرية حادة. ومن العراق، ساهم في تحريض علماء كبار ضد امتياز التبغ الذي منحه الشاه للإنجليز، وانتهى الأمر بالفتوى الشهيرة التي حرمت استعمال التبغ، فانهار الامتياز. كان ذلك انتصارًا مهمًا. ليس لأن التبغ هو القضية الكبرى. بل لأن الحادثة كشفت شيئًا جديدًا: أن رجل الدين والمجتمع يستطيعان أن يقولا «لا» للسلطة، وأن كلمة واحدة قد تكون أقوى من مرسوم ملكي. كان الأفغاني يرى أن ضعف المسلمين ليس سببه الدين، وإنما تفرقهم واستبداد حكامهم وتخلف مؤسساتهم. ومن هنا جاءت فكرة الجامعة الإسلامية. لم يكن يريد مجرد تحالف عاطفي بين المسلمين. كان يتخيل وحدة سياسية وفكرية تستطيع مواجهة القوى الاستعمارية. وفي ذلك كان يعيش بين زمنين: زمن الإمبراطوريات القديمة التي تجاوزت الحدود، وزمن الدول القومية الحديثة التي بدأت ترسم حدودًا جديدة للشرق. كان يحاول أن يجد إجابة عن سؤال لم يكن قد وجد إجابته بعد: كيف يمكن لأمة دينية وحضارية واسعة أن تعيش في عصر تحكمه الدولة الحديثة والقوة الصناعية والإمبراطوريات الأوروبية؟ وكان يعتقد أن الجواب يبدأ بالوعي. بالعلم. بالشورى. بالإصلاح. وبكسر الاستبداد. لكن ربما كان أخطر ما في الأفغاني ليس أفكاره. بل صورته. فهو لم يكن مجرد رجل يحمل أفكارًا؛ كان يعرف كيف يصنع حول الأفكار هالة. كان حاضرًا، متكلمًا، غاضبًا، متحركًا بين العواصم، يدخل البلاطات ويخرج منها، يلتقي بالسلاطين والثوار والمفكرين، ثم يغادر قبل أن يستقر. وهنا يقول بعض منتقديه إن هناك «أفغانيًا حقيقيًا» وهناك «أفغانيًا أسطوريًا». الأول رجل له إنجازاته وحدوده وأخطاؤه. والثاني شخصية ضخّمها التلاميذ والأتباع والخصوم حتى أصبح كل طرف يستخدمه لخدمة روايته. وهذا أمر يحدث لكبار الشخصيات التاريخية. فالرجل الذي يترك أثرًا كبيرًا لا يبقى ملكًا لنفسه. كل جيل يعيد اختراعه. الثوري يراه ثوريًا. الإصلاحي يراه إصلاحيًا. الإسلامي يراه رائدًا للجامعة الإسلامية. العقلاني يراه داعية إلى الاجتهاد. والناقد يراه رجلًا بالغ الطموح بنى أسطورته بعناية. وربما كانت الحقيقة، كما يحدث غالبًا، أكثر قسوة وجمالًا في الوقت نفسه: كان الأفغاني كل هذه الأشياء، ولم يكن أيًا منها بالكامل. هناك من رأى أنه بالغ في استخدام الغرب ومؤسساته واتصالاته، بل ذهب إلى أماكنه والتقى برجاله واستفاد من خلافاته الداخلية. لكن آخرين، ومنهم محمد عمارة، رأوا أن هذا لا يعني مهادنة الغرب، بل استخدام تناقضاته لمقاومة الاستعمار. وهنا ربما علينا أن نفصل بين شيئين: الإعجاب بالحضارة الغربية، ومقاومة الهيمنة الغربية. فالأفغاني لم يكن يرفض العلم لأنه جاء من الغرب. كان يرفض أن تتحول الحضارة إلى أداة للسيطرة. كان يرى أن المشكلة ليست في أن تتعلم من الآخر، بل أن تتعلم منه بطريقة تجعلك تابعًا له. ولهذا دعا إلى العقل والعلم والاجتهاد، وإلى تحرير الفكر الديني من الجمود. كان يريد أن يأخذ الشرق أدوات القوة من الغرب دون أن يفقد روحه. وهذه المعادلة ستظل واحدة من أصعب معادلات النهضة حتى اليوم. في عام 1892 استدعاه السلطان عبد الحميد إلى إسطنبول. ذهب الأفغاني معتقدًا أن بإمكانه التأثير في السلطان، وربما تحويل مشروع الجامعة الإسلامية إلى مشروع سياسي حقيقي. لكن الرجل الذي أمضى حياته في مواجهة السلاطين وجد نفسه في النهاية داخل دائرة سلطان جديد. كان محاطًا بالقصر. قريبًا من القوة. وبعيدًا عن الحرية. ثم جاءت النهاية الغامضة. قُتل الشاه ناصر الدين في إيران على يد أحد أتباع الأفغاني بحسب الروايات المتداولة، وظلت العلاقة بين الرجل والجريمة موضع جدل تاريخي. أما الأفغاني، فقد أمضى عامه الأخير تقريبًا في إسطنبول، شبه سجين في البلاط. ثم مات في 9 مارس 1897. وتعددت الروايات حول موته، حتى إن بعضها تحدث عن تسميمه على يد طبيب أسنان. لكن ربما لا تكون طريقة موته أهم من المفارقة التي حملها: الرجل الذي قضى حياته يبحث عن الحرية مات قريبًا من السلطان، بعيدًا عن الشارع الذي أراد أن يوقظه. ماذا بقي من الأفغاني؟ بقيت الأسئلة. وهذا ربما يكون أعظم إرث يمكن أن يتركه مفكر. بقي سؤال الاستبداد. بقي سؤال العلاقة بين الدين والعقل. بقي سؤال الاجتهاد. بقي سؤال الاستعمار. بقي سؤال الوحدة الإسلامية. وبقي السؤال الأصعب: لماذا تنهض الأمم أحيانًا بالأفكار، ثم تعود فتسقط تحت وطأة الخوف؟ كان الأفغاني يؤمن بأن الاستبداد لا يحطم السياسة فقط. إنه يحطم النفس. يجعل الإنسان يعتاد أن يعيش أصغر من حجمه. يخاف أن يقول «لا». ثم يخاف أن يقول «نعم». ثم يصل في النهاية إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على تخيل حياة مختلفة. ومن هنا نفهم صراخه في وجه المصريين. لم يكن يريد منهم مجرد تغيير الحاكم. كان يريد تغيير الإنسان الذي يقبل الحاكم المستبد. وهذه نقطة شديدة العمق في مشروعه. فالثورة السياسية التي لا تسبقها ثورة في الوعي قد تغير أسماء الحكام، لكنها لا تغير طبيعة الحكم. قد يسقط المستبد، ويجلس مستبد آخر على الكرسي نفسه. لأن الكرسي لم يتغير. والناس لم تتغير. والخوف لم يتغير. ربما كان جمال الدين الأفغاني مأساة أكثر منه انتصارًا. أراد أن يوقظ الشرق، لكنه قضى معظم حياته مطاردًا. أراد الإصلاح، فدخل السياسة. أراد الحرية، فاقترب من السلاطين. أراد مقاومة الاستعمار، فاستعمل أحيانًا علاقات القوى الاستعمارية نفسها. أراد تنظيم النخب، فدخل الماسونية ثم اختلف معها. أراد توحيد المسلمين، لكنه لم ينجح في إقامة الدولة التي حلم بها. أراد أن يصنع رجالًا، فصار هو نفسه موضع صراع بين الرجال الذين جاؤوا بعده. وهذه التناقضات ليست بالضرورة دليلًا على زيفه. قد تكون دليلًا على إنسان كان يحاول أن يجد طريقًا في زمن لم تكن خرائطه قد اكتملت. كان يعيش في القرن التاسع عشر، لكنه كان يواجه أسئلة ستظل حاضرة في القرن العشرين والحادي والعشرين: كيف نأخذ العلم دون أن نفقد الهوية؟ كيف نبني دولة حديثة دون أن نكرر استبداد الماضي؟ كيف نقاوم الاحتلال دون أن نتحول إلى أسرى للكراهية؟ كيف نجدد الفكر الديني دون أن نهدم جذوره؟ وكيف نحرر الإنسان من الخارج إذا كان قد تعلم أن يكون عبدًا من الداخل؟ ربما يكون من السهل أن نسأل: هل كان جمال الدين الأفغاني بطلًا؟ أم كان مخادعًا؟ هل كان ماسونيًا؟ أم إصلاحيًا؟ هل كان ثوريًا؟ أم رجل سياسة بارعًا في المناورة؟ لكن التاريخ لا يحب الأسئلة السهلة. الأفغاني لم يكن تمثالًا من الرخام. كان إنسانًا شديد الطموح، شديد الذكاء، كثير الحركة، واسع التأثير، مليئًا بالتناقضات. وربما لهذا السبب تحديدًا بقي حيًا في الذاكرة. لأن الشخصيات التي نعرف كيف نصفها تموت حين ننتهي من وصفها. أما الشخصيات التي تترك وراءها سؤالًا، فإنها تظل معنا. وجمال الدين الأفغاني ترك وراءه سؤالًا بحجم الشرق نفسه: هل مشكلة الأمم أنها مستعمَرة، أم أنها تصبح مستعمَرة حين تفقد قدرتها على مقاومة الاستسلام؟ ربما لم يملك الأفغاني الجواب الكامل. وربما أخطأ كثيرًا. وربما بالغ في أحلامه. وربما صنعت الأجيال اللاحقة من الرجل أسطورة أكبر من الرجل نفسه. لكن شيئًا واحدًا يصعب إنكاره: لقد عرف كيف يزرع القلق في عقل عصره. والنهضات الكبرى لا تبدأ دائمًا بجيش. أحيانًا تبدأ برجل يقف أمام أمة نائمة، يهزها من كتفها، ويقول لها: إن المشكلة ليست فقط أن الآخرين يحكمونكم... المشكلة الأخطر أنكم نسيتم أنكم قادرون على أن تحكموا أنفسكم. المراجع : 1) جمال الدين الأفغاني: موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام: كتاب للمفكر محمد عمارة،. 2) خاطرات جمال الدين الأفغاني: جمع وتأليف الشيخ محمد المخزومي، 3) الأفغاني صفحات مجهولة من حياته: دراسات ووثائق: كتاب للدكتور محمد الحداد . 4) البيان في الإنجليز والأفغان وتتمة البيان: من المؤلفات والرسائل المنسوبة والمكتوبة حول السياسة الاستعمارية وتاريخ الأفغان ] 5) جمال الدين الأفغاني سيرة سياسية: للمؤرخة نيكي ر. كيدي، وتורجم إلى العربية، 6) الثورة الفارسية: للبروفسور إدوارد براون،

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال