الأوهام (Delusions): بين ظلال الواقع وحدّة الاعتقاد
علاقة النفس بالوهم وتجارب العقل البشري
مقدمة
في مفصلٍ غريب بين الحقيقة والخيال، تنشأ الأوهام كظلالٍ تتشبث بأفكار الفرد وتمنحه وجهاً آخر للواقع لا يقبله الوعي العادي. ليست مجرد أفكار خاطئة عابرة، بل هي معتقدات راسخة وثابتة لا تتغير أمام أبلغ الأدلة العلمية والبراهين الواقعية. في هذا السرد، سنغوص في أعماق النفس البشرية لنفهم كيف يتشكل الوهم، ما هي أصنافه، كيف يتداخل مع طب النفس والدماغ، وما هي الطرق العلاجية التي تعالج هذا التشوه المعرفي-العقلي.
تعريف الأوهام: بين الفلسفة والطبيب
الأوهام – أو الاعتقادات الوهمية (Delusions) – هي معتقدات غير عقلانية، خيالية، لا تتوافق مع الواقع، يبقى عليها الشخص متمسكًا بقوة على الرغم من وجود أدلة دامغة تنفيها. هذه المعتقدات لا تذوب في مرآة المنطق، ولا تتبدّل مع نشر البراهين، فهي تعكس اختلالًا في آليات التفكير والإدراك لدى الفرد، وتُعد علامةً بارزة على الاضطرابات الذهانية في الطب النفسي الحديث.
من جانب فلسفي، يمكن اعتبار الأوهام بوابةً لفهم تعقيد الوعي والرغبة في تفسير العالم. إنها ليست مجرد أخطاء معرفية بسيطة، بل ترجمةٌ لصراع النفس مع الواقع، حيث يحدث تشويه في تفسير الخبرة الذاتية، فيتكلّس في الفكر كحقيقة لا جدال فيها.
التمييز بين الوهم والهلوسة
في عالم الطب النفسي، يقع كثيرون في خلطٍ بين الوهم والهلوسة:
• الوهم (Delusion): اعتقاد خاطئ ثابت لا يتغير رغم الأدلة المقابلة.
• الهلوسة (Hallucination): إدراكٌ حسي خاطئ — كأن يرى أو يسمع ما ليس موجودًا في الواقع.
وهذا الفرق مهم جدًا لتشخيص الحالة وتحديد خطة العلاج المناسبة لكل منها.
أنواع الأوهام: تصنيف علمي وواقعي
تتعدد أشكال الأوهام وتتباين بين شخص وآخر، لكن يمكن تنظيمها في فئات رئيسية كما يلي:
أوهام الاضطهاد (Persecutory Delusions)
يعتقد الشخص أنه مراقَب، أو مُستمَدّ ضده خطط وأفعال. يشعر بأن هناك مؤامرة تحاك ضده في العمل أو في الحياة، وقد تصل إلى شكوك في سلامة الطعام أو الأفراد من حوله.
مثال واقعي:
شخصٌ يعتقد أن جيرانه يراقبونه ويرسلون إشارات مخفية عبر أجهزة لا يمكن رؤيتها، رغم نفي الشرطة والأطباء.
أوهام العظمة (Grandiose Delusions)
يعتقد الشخص أنه يمتلك قدرات خارقة، ثروة هائلة، أو رسالة كونية خاصة به. كشعورٍ بأنه المخلّص أو ذو مكانة اجتماعية فريدة.
أوهام الغيرة (Jealous Delusions)
اعتقادٌ لا أساس له بأن الشريك غير مخلص، رغم غياب أي دليل حقيقي.
الأوهام الجسدية (Somatic Delusions)
كأن يعتقد الشخص أنه يعاني من مرض خطير غير موجود فعليًا، أو أن جسده به عيب فريد.
أوهام مختلطة
عندما تظهر لدى الشخص أكثر من نوع واحد في الوقت نفسه، وتُبرز تعقيدًا أكبر في الحالة الذهانية.
أوهام نادرة (مثل Capgras أو Doubles)
حالات أكثر ندرة تتضمن اعتقادًا بأن أحد المقربين قد تم استبداله بشخص آخر متشابه في الشكل لكنه مختلف في الجوهر (وهم كابغراس(.
الأسباب: مزيج علمي من الدماغ والبيئة
الأوهام لا تنشأ في فراغ، بل هي نتاج تفاعل معقد بين العوامل البيولوجية، الكيميائية، النفسية، والبيئية:
العوامل البيولوجية والكيمياء الدماغية
هناك أدلة علمية تشير إلى أن خللاً في التوازن الكيميائي للدماغ، وخاصة في ناقلات مثل الدوبامين والسيروتونين، يلعب دورًا في نشوء الأوهام.
العوامل الوراثية
إذا كان هناك تاريخ عائلي مع الفصام أو اضطرابات ذهانية أخرى، يزداد احتمال ظهور الأوهام لدى الأفراد.
التجارب النفسية والبيئية
الصدمات الحياتية، الإجهاد الشديد، العزلة الاجتماعية، أو استخدام بعض المواد المخدرة يمكن أن تُثير الأوهام أو تُفاقمها.
المرض العضوي والأدوية
بعض الحالات الطبية – مثل اضطرابات عصبية – والأدوية المعينة قد تُساهم أيضًا في ظهور أوهام، ما يستدعي تقييمًا طبيًا دقيقًا قبل التشخيص النهائي.
الإحصائيات: مدى انتشار الأوهام في المجتمع
رغم أنها تبدو غريبة أو فردية، إلا أن الأوهام ذات صلة كبيرة ببعض الاضطرابات الذهانية المنتشرة عالميًا:
• تحدث الأوهام لدى حوالي 80%-90% من المرضى الذين يعانون من الفصام — وهو أحد أكثر اضطرابات الذهان شيوعًا عالميًا.
تشير البيانات إلى أن اضطراب الأوهام (Delusional Disorder) وحده يُقدّر بنحو 24-30 حالة لكل 100,000 شخص، بما يعادل انتشارًا نسبيًا لكنه هامًا سريريًا.
التقديرات العالمية تشير إلى أن عدد المصابين بالفصام يصل إلى نحو 24 مليون شخص حول العالم، وهو مؤشر على مدى اتصال الأوهام بهذا الاضطراب الذهاني.
هذه الأرقام، وإن كانت تبدو قليلة نسبياً بالمقارنة مع اضطرابات أخرى، إلا أنها تمثل عواقب كبيرة على جودة الحياة والعلاقات والعمل لدى المصابين.
الأعراض والسلوكيات: كيف يتجلى الوهم في الحياة اليومية؟
الأوهام تؤثر ليس على الفكر وحده، بل على السلوك، العاطفة، والعلاقات الاجتماعية. من أبرز العلامات:
• تمسك غير قابل للتعديل بالمعتقدات رغم الأدلة المضادة.
سلوك غير عقلاني أو عدواني كرد فعل على ما يعتبره الشخص تهديدًا.
انعزال اجتماعي وصعوبة في التفاعل مع الآخرين.
تقلبات في المزاج واضطرابات في النوم والتركيز والترابط الفكري.
وبحسب التجارب الواقعية، يمكن أن يقود الاعتقاد بسوء نية الآخرين إلى شكاوى قانونية غير ضرورية، أو نتائج مدمّرة في العلاقات الزوجية بسبب شكوك غير حقيقية.
العلاج: منظور علمي متكامل
يشمل علاج الأوهام نهجاً متعدد الأبعاد يجمع بين الدواء، العلاج النفسي، والدعم الاجتماعي:
العلاج الدوائي
الأدوية المضادة للذهان تُعد حجر الأساس في العلاج الطبي، إذ تعمل على تعديل كيمياء الدماغ وتقليل حدّة الاعتقادات الوهمية بمرور الوقت.
العلاج النفسي المعرفي-السلوكي (CBT)
يساعد المريض على التعرف على أنماط التفكير الخاطئة، تحديها، وتعديلها بما يتلاءم أكثر مع الواقع. إنه تدريبٌ للعقل على إعادة تقييم الأدلة بدلاً من التمسك بالمعتقدات الثابتة.
الدعم الأسري والاجتماعي
تشجيع الأسرة والأصدقاء على الفهم والدعم بدلاً من المواجهة يمكن أن يخفف الضغط النفسي ويُسهم في تحسين التكيف والاندماج الاجتماعي.
الحالات الشديدة
عندما يكون الشخص خطرًا على نفسه أو الآخرين، يمكن أن تستدعي الحالة دخول المستشفى لتثبيت الحالة أولاً ثم تحويل العلاج إلى خارجي.
أمثلة واقعية: وجه الإنسان في ظلال الوهم
قصة
مريض في منتصف العمر يعتقد أن الحكومة تراقبه عبر كاميرات خفية في منزله. مع تقديم أدلة عدة بعدم وجود أي جهاز، ظلّ متمسكًا بفكرة المؤامرة، مما دفعه إلى الانسحاب من العمل وتدهور علاقاته الأسرية.
قصة
زوج يواجه أوهام الغيرة على مدى سنوات، ما دفعه لاتهام زوجته بزواج غير قائم، رغم شهادات الأصدقاء والأقارب. تدخل العلاج المعرفي-السلوكي ساعده على إدراك الأدلة الواقعية تدريجيًا والتخفيف من سلوكاته المدمرة.
نحو فهم أعمق للذات والواقع
الأوهام ليست مجرد أخطاء في التفكير؛ إنها نافذة معقدة تتداخل فيها البيولوجيا، الخبرة، والعاطفة. حين يمتزج العقل بالشك المطلق أو الإحساس بالخطر غير المبرر، يصبح الواقع طيفًا متغيرًا يُعاد تشكيله داخل النفس. وبالرغم من عمقها العلمي وتجذرها في مسارات الدماغ، تبقى الأوهام تحديًا طبيًا وإنسانيًا يتطلب تفهمًا، علاجًا، ودعمًا.
إن علاج الأوهام ليس مجرد تصحيح اعتقاد خاطئ، بل هو رحلة إعادة اتصال بين الذات والواقع، بين ما هو حقيقي وما هو مشتق من مخيلةٍ مضطربة، وعندها فقط يبدأ الشفاء.
الأوهام (Delusions): بين ظلال الواقع وحدّة الاعتقاد علاقة النفس بالوهم وتجارب العقل البشري
الناشر :مدونة فكر أديب
-
