بين جمرة القلب ومرآة الضمير
لم أكن أعلم أن للصدف أنيابًا، ولا أن للقاءات العابرة قدرة على أن تعيد تشكيل المصائر. التقينا كما يلتقي غريبان في ردهة قدرٍ مزدحمة، بلا نية، بلا توقع، بلا حذر. كانت هي… امرأة عادية في ملامحها، استثنائية في حضورها. لم تقتحم حياتي، بل تسللت إليها كما يتسلل الضوء من شقٍ صغير في جدارٍ قديم، حتى امتلأ المكان دفئًا دون أن أشعر.
بدأ الأمر صداقة. هكذا أقنعت نفسي. صداقة بريئة، كلمات مشتركة، ضحكات قصيرة، صمت طويل يحمل أكثر مما يقول. ثم حدث ما يحدث دائمًا حين نكذب على قلوبنا: تحولت الصداقة إلى حب، والحب إلى عاصفة، والعاصفة إلى عهدٍ صامت بين قلبين. تعاهدنا على الزواج، لا بصوتٍ مسموع، بل بنظراتٍ كانت أشد وضوحًا من أي عقد، وبأحلامٍ كنا ننسجها على مهل، كما تنسج الأم ثوب طفلها الأول.
كنت أظن أن العالم، مهما كان قاسيًا، لن يبلغ هذه الدرجة من السخرية. لكن القدر… ذلك الكاتب الماكر… كان يعد الفصل الأكثر وجعًا.
في مساءٍ عادي، أخبرتني – بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا – أن أخي رآها. أعجب بها. تقدم لخطبتها. لم أفهم الكلمات في البداية. كانت تتردد في رأسي كصدى بعيد، بلا معنى. أخي؟ أخي الذي كان لي وطنًا بعد أن رحل والدي، الذي علمني معنى العطف، الذي مسح دموعي حين كنت أظن أن الرجولة تعني الصمت؟ أخي الذي كان ظلي… صار فجأة جدارًا بيني وبين الحياة.
لم أعارض. لم أصرخ. لم أنهَر. اكتفيت بالابتسام، تلك الابتسامة التي يتقنها المكسورون. قلت لنفسي إنني أفعل الصواب، إنني أضحي، وإن التضحية فضيلة. كنت أخلط بين النبل والجبن، بين الحب الحقيقي والهروب المقنع.
يوم زفافها، انسابت الدموع من عيني كأنها لا تعرف طريق التوقف. قلت لنفسي: إنها دموع الفرح. فرح لأخي، فرح لها، فرح للعائلة. لكن قلبي كان يعرف الحقيقة، وكان يجلدني بصمت. كانت تلك دموع الفقد، دموع رجلٍ يدفن قلبه حيًا، ثم يقف فوق القبر مصفقًا.
رأيتها عروسًا. جميلة كما لم تكن من قبل. أو ربما كانت، لكنني كنت أراها الآن من ضفةٍ أخرى، ضفة الحرمان. كانت بين ذراعيه، تبتسم له، تمنحه السعادة التي كنت أحلم أن أكون أنا صانعها. شعرت حينها أن جمرةً قديمة في صدري أزيحت عنها الأتربة، وأن النار التي ظننتها خمدت قد اشتعلت من جديد، أشد، أعمق، أوجع.
قلت: سينسى القلب. الزمن دواء. هكذا يقولون. لكنهم لا يخبرونك أن بعض القلوب لا تشفى، بل تتعلم فقط كيف تتعايش مع الألم.
سافر أخي في مأمورية. أيام قليلة، قال. لكنها كانت كافية ليختبر القدر هشاشتي. خلا البيت منها إلا من ظلها، وخلا قلبي إلا من مقاومته. بدأت تذكرني بأيامنا الماضية، بأحلامنا المؤجلة، بالحب الذي لم يمت، بل أُجبر على الصمت. كانت كلماتها كأصابع تعبث بجراحٍ لم تلتئم.
كنت أهرب. أختلق الأعذار. أغيب طويلًا. لكنها كانت تطاردني، لا بجسدها، بل بذكرياتها.
قالت لي ذات مرة، وصوتها يرتجف:
«أتعلم ما أصعب شيء؟ أن تكون حيًا في قلبك، ميتًا في الواقع».
لم أجب. كيف أجيب وأنا أعيش الجملة نفسها؟
في تلك الليلة… اختفى أخي من ناظري. لا جسدًا، بل حضورًا. غاب صوته، ملامحه، تاريخه معي. وبقيت هي، قريبة حد الخطر. انتصر الشيطان للحظة، تلك اللحظة التي يُقاس بها العمر كله. اقتربتُ. اقتربت. قبّلتها. وكان في القبلة كل شيء: الشوق، الندم، الخيانة، الضعف.
هممت بها…
وفجأة، رأيت طيف أخي. لم يكن شبحًا، بل ضميرًا متجسدًا. عيناه كانتا تسألان: هكذا ترد الجميل؟
ارتجفت. انسحبت. وليت هاربًا كطفلٍ كُشف ذنبه. تركت لها المنزل، وتركت لنفسي العذاب. لم أعد إلا بعد أن عاد أخي من السفر، وكأنني كنت أختبئ من نفسي، لا منهم.
منذ تلك اللحظة، وأنا أعيش بمحكمة داخلية لا تُرفع جلساتها. كلما تذكرت ما حدث، اشتد تأنيب الضمير، وكأن قلبي يصرخ: كنت على حافة الهاوية… لكنك لم تسقط.
وهل يكفي عدم السقوط ليُمحى الذنب؟
يعذبني شيء… ويسعفني شيء آخر. يعذبني أنني ضعفت. ويسعفني أنني لم أخن. يعذبني أنني أحببت زوجة أخي. ويسعفني أنهما يعيشان الآن في سعادة وهناء. أراها تضحك، وأراه مطمئنًا، فأبتسم، رغم النزف.
هذا اعترافي. لا بطولة فيه. لا ادعاء طهارة. مجرد إنسان أخطأ بالقلب، ونجا بالفعل.
وكل أملي… أن يقرأ أخي يومًا هذه الكلمات، لا ليغفر لي فقط، بل ليعلم أنني، رغم كل شيء، ما خنته… وأن زلتي، وإن عظمت في نفسي، لم تتجاوز حد الإنسانية الضعيفة.
بين جمرة القلب ومرآة الضمير… ما زلت أقف، أحترق قليلًا، وأتطهر كثيرًا.
