إذن… لن يفلح أيُّ زوجٍ آخر؟ قراءة نفسية-اجتماعية فلسفية في وهم الزواج المثالي

إذن… لن يفلح أيُّ زوجٍ آخر؟ قراءة نفسية-اجتماعية فلسفية في وهم الزواج المثالي
مقدمة: حين يتحول المثال إلى عبء حين انهار زواج صديقتي بعد أربعة أشهر فقط، لم يكن الطلاق هو الحدث الصادم بحد ذاته، بل المعنى الذي أُلصق به. ذلك الزواج لم يكن عاديًا في نظر الناس؛ كان مكتمل الأركان شكليًا: شباب، جمال، ثقافة، أخلاق، مستقبل مهني واعد، وحكاية حب تُروى بابتسامة. لذلك لم يقل أحد: *لم ينجح هذا الزواج*، بل قالوا: "إذا لم ينجح هذا الزواج… فلن ينجح أي زواج آخر." هنا يبدأ الخلل. حين يتحول نموذج إنساني محدود إلى مقياس كوني، وحين نُحمِّل تجربة واحدة فشل كل التجارب القادمة، نكون قد انتقلنا من التفكير الواقعي إلى التفكير الكارثي، وهو أحد أكثر أنماط التفكير المرضية شيوعًا في علم النفس المعرفي. هذا المقال ليس دفاعًا عن الطلاق، ولا تمجيدًا للزواج، بل محاولة لفهم لماذا يفشل ما يبدو كاملًا، ولماذا ينجح ما يبدو عاديًا. أولًا: الزواج ليس لغزًا… بل سوء فهم ما حدث لصديقتي ليس لغزًا عصيًا على الفهم. هي شابة صغيرة السن، جميلة، مثقفة، مرحة، ذكية اجتماعيًا. وهو شاب ناجح، خلوق، مثقف، متخرج حديثًا من كلية الطب، جراح لامع في بداياته. إذن، أين الخطأ؟ الخطأ لم يكن في الأشخاص، بل في التصور الذهني للزواج. لقد دخلا العلاقة وهما يظنان أن الزواج حالة شعورية مستمرة، لا مشروع حياة طويل الأمد. ظنّا أن الحب يكفي، وأن الانسجام العاطفي سيقوم تلقائيًا بكل الأدوار الأخرى: التنظيم، الصبر، التنازل، الاحتمال، العمل اليومي. وهذا وهم شائع، بل خطير. ثانيًا: المرحلة الوردية… حين يخدعنا الدماغ علم النفس العصبي يفسر لنا ما حدث بدقة مدهشة. في بدايات العلاقات العاطفية، يفرز الدماغ كميات كبيرة من الدوبامين والأوكسيتوسين، وهي مواد كيميائية تمنح شعور النشوة، القرب، والانجذاب الشديد. هذه المرحلة تُعرف بـ مرحلة الحب الرومانسي المكثف، وهي مؤقتة بطبيعتها. المشكلة أن كثيرين يعتقدون أن هذه الحالة يجب أن تستمر للأبد، وعندما تبدأ بالانخفاض الطبيعي بعد الزواج، يفسرون ذلك على أنه فشل، أو جفاف، أو خطأ في الاختيار. صديقتي وزوجها عاشا أربعة أشهر في حلم جميل، لكنه حلم. وحين استيقظا على واقع العمل، المسؤوليات، التعب، اختلاف الإيقاع اليومي، ظن كل واحد منهما أن السعادة انتهت، بدل أن يفهما أنها بدأت بشكلها الحقيقي. ثالثًا: الصدمة الأولى… الواقع اليومي الزواج ليس لقاءً مسائيًا، ولا نزهة عاطفية، ولا مساحة رومانسية معزولة عن العالم. إنه حياة متصلة: صباحٌ فيه تعب، ومساءٌ فيه صمت، وأيامٌ متشابهة، وتفاصيل صغيرة تتكرر. حين اضطر الزوج إلى الانصراف لعمله، وحين بدأت الزوجة بالانشغال بشؤون البيت، انهارت الصورة المثالية. لم يتعلما كيف يتشاركان التعب، بل تنافسا في الشعور بالخذلان. كل واحد شعر أن حلمه الشخصي قد تحطم، وألقى باللوم على الآخر. وهنا تبدأ المشاحنات، لا بسبب حدث كبير، بل بسبب تراكم سوء الفهم غير المعالج. رابعًا: بين الاستغلال والمشاركة الزواج ينجح أو يفشل عند هذا السؤال البسيط والخطير: هل أنا أريد هذا الشخص لأستفيد منه، أم لأشاركه الحياة؟ المرأة التي تفكر في مال زوجها، أو شبابه، أو مكانته الاجتماعية، عليها أن تسأل نفسها بصدق: هل أراه شريكًا أم موردًا؟ والرجل الذي يتزوج امرأة لجمالها فقط، أو ليشبع رغبة امتلاك، سيصطدم سريعًا بالفراغ. الجمال يبهت في العادة، أما الشراكة فتنمو. الفرق بين الزواج الأناني والزواج الناضج هو الفرق بين: الاستغلال ↔ التضحية الامتلاك ↔ المشاركة الوهم ↔ الواقع خامسًا: الزواج كمشروع طويل الأمد حين يفكر الرجل في زوجته باعتبارها أمًا محتملة لأطفاله، لا مجرد امرأة جميلة، تتغير نظرته. وحين تفكر المرأة في زوجها باعتباره أبًا، وعاملًا، ومناضلًا من أجل الأسرة، لا مجرد عاشق، تتغير توقعاتها. هنا يتحول الزواج من قصة رومانسية قصيرة إلى بناء تراكمي. الأحلام الرومانسية قد تتحطم، لكن الرؤية العقلانية تنقذ العلاقة. الزواج القائم على التفكير السليم ليس خاليًا من المشكلات، لكنه يمتلك أدوات التعامل معها. سادسًا: حين يحتاج الزواج إلى علاج نفسي بعض حالات الفشل الزوجي لا تعود فقط إلى سوء الفهم، بل إلى مشكلات نفسية غير واعية: * اضطرابات التعلق * الاكتئاب المقنّع * القلق المزمن * صدمات الطفولة غير المعالجة هنا لا يكفي الحب، ولا النصائح الاجتماعية. العلاج النفسي الزوجي يساعد الطرفين على: * فهم أنماط تواصلهما * فك شفرات الغضب والانسحاب * تعلم مهارات الحوار الآمن وفي بعض الحالات، يكون العلاج الدوائي ضروريًا، لا لإنقاذ الزواج فقط، بل لإنقاذ الفرد من نفسه. سابعًا: إذن… هل فشل كل شيء؟ لا. فشل زواج صديقتي لا يعني أن الزواج فاشل، بل يعني أن التوقع كان خاطئًا. وأن المثالية الزائدة قد تكون أحيانًا أشد تدميرًا من الإهمال. الزواج ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل التزامٌ بالعمل المشترك. ليس خلاصًا فرديًا، بل مسؤولية متبادلة. خاتمة: الحياة الزوجية ممكنة… رغم كل شيء أكررها بثقة: كل زواج يمكن أن ينجح، حتى بعد أن فشل من بدا مثاليًا. النجاح لا يُقاس بالبدايات المبهرة، بل بالقدرة على الاستمرار، والتكيف، والنمو. الحب لا يكفي، لكنه ضروري. العقل لا يُغني عن القلب، لكنه يحميه. والزواج الذي يُبنى على الوعي، لا على الوهم، قد يتعثر… لكنه نادرًا ما ينهار.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال