الانحلال الأمريكي وتسربه إلى أوروبا حين يتزاوج العنف والجنس في حضن الدولار

الانحلال الأمريكي وتسربه إلى أوروبا حين يتزاوج العنف والجنس في حضن الدولار
مقدمة ليست السينما مجرد مرآة للواقع، ولا هي خيال بريء يطفو خارج التاريخ. إنها، في جوهرها، جهاز رمزي بالغ الخطورة، يعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويطبع اللاوعي الإنساني بقوالب محددة من الرغبات والمخاوف. وإذا كانت السينما الأمريكية قد تربعت على عرش الصناعة السينمائية العالمية، فذلك لم يكن نتيجة تفوق فني محض، بل بفعل قدرتها الهائلة على تسليع الغرائز الإنسانية الأساسية: الجنس والعنف، وربطهما ربطًا عضويا بمنطق الربح والدولار. إن ما نشهده اليوم من تسربٍ ثقافي وقيمي إلى أوروبا، بل إلى العالم كله، ليس إلا نتيجة حتمية لهيمنة هذا النموذج السينمائي، حيث يتحول الجسد إلى سلعة، والدم إلى مشهد، والجريمة إلى متعة بصرية.  العنف والجنس: ثنائية مؤسِّسة في الفيلم الأمريكي يلاحظ المتابع للسينما الأمريكية، على اختلاف عصورها وأنواعها، حضورًا كثيفًا وممنهجًا لمشاهد العنف والجنس، لا بوصفهما عناصر سردية عابرة، بل كركيزتين بنيويتين في البناء الدرامي. فمهما اختلف موضوع الفيلم—بوليسي، تاريخي، خيال علمي، أو حتى رومانسي—يبقى العنف والجنس حاضرين كقوتين محركتين للسرد. واللافت هنا ليس مجرد كثرة المشاهد، بل الترابط العضوي بين اللذة والقتل، بين الإثارة الجنسية وإراقة الدم. ففي كثير من الأفلام، تُبنى الذروة الدرامية على لحظة تتشابك فيها الغريزتان معًا، في استدعاء مباشر لأعمق مناطق اللاوعي الإنساني. هذا الترابط ليس اعتباطيًا، بل مدروس تسويقيًا ونفسيًا، إذ أثبتت التجربة التجارية أن الإثارة المزدوجة—الجنسية والعنيفة—هي الأكثر جذبًا للجمهور، والأكثر ربحًا لشركات الإنتاج.  أمثلة سينمائية: حين تبلغ الغريزة ذروتها في بعض الأفلام الأمريكية، نُصادف مشاهد تبلغ فيها اللذة الجنسية ذروتها متزامنة مع فعل القتل، في مشهد واحد، وزمن واحد، وشخصية واحدة. هنا لا يعود الموت نقيضًا للحياة، بل يصبح امتدادًا لها، وتتحول الجريمة إلى طقس شبقي. وفي أفلام أخرى، يُستغل جسد المرأة بوصفه ساحة للعنف الرمزي والمادي معًا، حيث يُقدَّم الجسد الأنثوي محاصرًا بالخطر، مهددًا، منتهكًا، في توليفة بصرية تجمع بين الإغراء والرعب. اللون الأحمر—لون الدم والرغبة—يصبح لغة مشتركة بين الغريزتين. هذه المعالجة ليست مجرد “جرأة فنية”، بل هي إعادة إنتاج لفلسفة ترى الإنسان ككائن غريزي قبل أن يكون كائنًا أخلاقيًا.  الجذور التاريخية للعنف الأمريكي لفهم هذا الهوس بالعنف، لا بد من العودة إلى التاريخ الأمريكي نفسه. فقد تأسست الدولة الأمريكية على سلسلة من أعمال الإبادة المنظمة ضد السكان الأصليين، ثم توالت الحروب الداخلية والخارجية، من الحرب الأهلية إلى حروب التوسع، وصولًا إلى استخدام السلاح النووي، والحروب الحديثة في آسيا والشرق الأوسط. لقد تحول العنف، عبر الزمن، إلى جزء من الفولكلور الأمريكي، وإلى مكوّن من مكونات الهوية الوطنية. ومن الطبيعي، والحال هذه، أن تنعكس هذه البنية العنيفة في السينما، بوصفها التعبير الثقافي الأبرز عن الوعي الجمعي. في أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن)، مثلًا، يُختزل الإنسان في هدف، وتُختزل الحياة في رصاصة. القتيل لا قيمة له، والموت سريع، بلا معنى، بلا حزن. إنها رؤية ميكانيكية للحياة، تتماهى تمامًا مع منطق السوق والاستهلاك.  من العنف الخالص إلى الجنس كملاذ تجاري حين بدأت السينما الأمريكية تفقد تفردها في أفلام العنف الخالص، خاصة بعد صعود السينما الأوروبية—ولا سيما الإيطالية—التي قدّمت عنفًا أكثر قسوة وجرأة، وجدت هوليوود نفسها مضطرة إلى فتح جبهة جديدة: الجنس. لكن الجنس هنا لم يُقدَّم كعلاقة إنسانية، أو كقصة حب، بل كغريزة عارية، متحررة من كل سياق أخلاقي أو اجتماعي. هكذا ظهرت موضوعات لم تكن مألوفة من قبل: السادية، المازوخية، الشذوذ الجنسي، العلاقات الجماعية، الاغتصاب، والمراهقة المنفلتة. ومع الزمن، لم تعد هذه الموضوعات صادمة، بل تحولت إلى مشاهد “عادية”، لا تستدعي احتجاجًا ولا رقابة. لقد انتقلت من الهامش إلى المركز، ومن الاستثناء إلى القاعدة.  السينما: مرآة أم صانعة للواقع؟ هنا يبرز السؤال الفلسفي الجوهري: هل السينما تعكس واقعًا موجودًا، أم تخلقه ثم تبرره؟ يدّعي صُنّاع السينما الأمريكية أنهم لا يفعلون سوى تسجيل ما يحدث في المجتمع. لكن هذا الادعاء يتجاهل حقيقة أن السينما لا تكتفي بالنقل، بل تضخّم، وتعيد التشكيل، وتطبع السلوك. إنها لا تصف الواقع فقط، بل تسهم في تطبيعه وتعميمه. صحيح أن العالم الحديث يشهد مستويات غير مسبوقة من العنف—من الحروب العالمية إلى القنابل النووية والنابالم—لكن تحويل هذا العنف إلى مادة ترفيهية، وإلى متعة بصرية، هو فعل ثقافي له تبعات أخلاقية خطيرة. وكذلك الأمر في الجنس، حيث لم تعد الإثارة حكرًا على السينما، بل سبقتها الملاهي الليلية، والمجلات الإباحية، والعروض الجسدية العلنية، حتى بات الجسد سلعة معلنة في المزاد العلني للرغبات.  تسرب النموذج إلى أوروبا لم يبقَ هذا النموذج حبيس أمريكا. فمع العولمة الإعلامية، تسربت هذه الرؤية إلى أوروبا، التي كانت تاريخيًا أكثر ارتباطًا بالبعد الإنساني والفلسفي في الفن. ومع الزمن، بدأت السينما الأوروبية نفسها تستعير أدوات الإثارة الأمريكية، في سباق محموم على شباك التذاكر. وهكذا، تراجعت الأسئلة الوجودية، وحل محلها هوس الجسد والصدمة، وتحوّل الفن من بحث عن المعنى إلى صناعة للمتعة السريعة.  خاتمة: دعوة إلى سينما تعكس الذات إن أخطر ما في السينما الأمريكية ليس مشاهدها الصادمة، بل فلسفتها الضمنية: فلسفة ترى الإنسان ككائن استهلاكي، تحركه الغريزة، وتضبطه السوق. ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة إلى أن تلتفت السينما العربية—وغيرها من سينمات العالم—إلى واقعها الخاص، لا لتقلد هذا النموذج، بل لتفككه نقديًا، وتقدم رؤيتها الإنسانية الأصيلة، المستمدة من أسئلتها الاجتماعية، وهمومها النفسية، وتاريخها الثقافي. فالسينما، في نهاية المطاف، إما أن تكون أداة وعي… أو أداة انحلال.  مراجع وإشارات فكرية 1. هربرت ماركوز – الإنسان ذو البعد الواحد 2. زيغموند فرويد – ما وراء مبدأ اللذة 3. سلافوي جيجك – العنف: تأملات جانبية 4. سوزان سونتاغ – حول التصوير والألم 5. دراسات في علم اجتماع السينما – إدغار موران 6. تاريخ السينما الأمريكية – ديفيد كوك

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال