الاغتراب: تشظّي الذات بين الوجود والعدم مقال فلسفي وجودي – نفسي – اجتماعي – صوفي

الاغتراب: تشظّي الذات بين الوجود والعدم مقال فلسفي وجودي – نفسي – اجتماعي – صوفي
تمهيد: الاغتراب كقدر أنطولوجي ليس الاغتراب حادثة طارئة في تاريخ الإنسان، ولا عَرَضًا عابرًا في مسيرته، بل هو جرح أنطولوجي قديم، يسكن في صميم الكينونة البشرية منذ لحظة وعي الإنسان بنفسه. فحين قال الإنسان الأول: أنا، انشق العالم إلى ذات وموضوع، وانفتح الشرخ الأول في نسيج الوجود. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإنسان يعيش خارج نفسه، يبحث عنها في الأشياء، في الآخر، في العمل، في الإبداع، في الدين، في الآلة، في السلطة، وفي الحلم. الاغتراب – Alienation – هو تخرّج قوى الإنسان عنه وعلوّها عليه، حتى تغدو كيانات مستقلة، غريبة، متسلطة، تتعامل معه بوصفه شيئًا، لا بوصفه ذاتًا. الإنسان لا يوجد إلا خارج نفسه؛ إنّه كائن يحقق ذاته في أفعاله، لكنه يقف دائمًا أمام خطر أن تتحول هذه الأفعال إلى أصنام، وأن يصبح عبدًا لما صنعته يداه. وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: الإنسان لا يملك ذاته إلا حين يغادرها، ولا يفقدها إلا حين يتشبث بها.  الفصل الأول: الاغتراب القانوني – حين تصير الملكية قطيعة وجودية في الاغتراب القانوني، تنتقل الملكية من شخص إلى آخر، فيفقد الشيء علاقته بصاحبه الأول ويغدو غريبًا عنه. غير أن هذا التحول الظاهري يخفي في أعماقه معنى وجوديًا أعمق: الانفصال بين الذات وما تنتجه. فالإنسان لا يفقد الشيء فحسب، بل يفقد جزءًا من ذاته المتجسدة فيه. كل ملكية هي تجسيد لزمن، لجهد، لحلم، وكل تنازل هو اقتلاع رمزي من الجسد الوجودي للفرد. وهكذا يتحول الفعل القانوني إلى تجربة أنطولوجية، تعلن هشاشة الروابط بين الإنسان ومنجزه.  الفصل الثاني: الاغتراب السيكولوجي – بين النشوة والجنون الاغتراب كشرود مقدّس هو خروج الإنسان من ذاته إلى أفق أعلى، حيث يفقد مركزية الأنا ليحيا نشوة الفناء. هنا يتقاطع الفكر الفلسفي مع التجربة الصوفية، ويصير الشرود ضربًا من الكشف. الإنسان المغترب بهذا المعنى لا يتيه، بل يستيقظ في موضع آخر من ذاته. هو الذي يغيب ليحضر، ويضيع ليُوجَد. قال المتصوفة: وجدتُ ربي حين فقدتُ نفسي. وسقراط حين كان يستغرق في التأمل حتى ينسى الطعام والنوم، لم يكن مجنونًا، بل كان يعبر الجسر بين الظاهر والباطن. والعارفون حين يبلغون مقام الفناء، لا يهربون من الذات، بل يتجاوزون قشرتها ليبلغوا جوهرها. هذا اغتراب مقبول، بل ضروري، لأنه طريق المعرفة. الاغتراب المرضي – حين ينقلب الحلم إلى كابوس أما حين يفقد الإنسان مركزه الوجودي، ويغدو منقادًا لقوى لا يعيها، يصبح الاغتراب مرضًا نفسيًا، تتجلى أقسى صوره في الجنون والعصاب. العصابي هو من يؤلّه ذاته، ويرسم لها صورة كمالية مستحيلة، ثم يعجز – بوصفه بشرًا – عن تحقيقها. فينشطر إلى ذاتين: • ذات متخيلة متعالية • وذات واقعية محتقرة وهنا يبدأ الصراع، ويشتعل الانقسام، ويصير الإنسان غريبًا عن نفسه، عدوًا لها، أسيرًا لوهم السيطرة، بينما هو في الحقيقة مقود لا قائد. إنه يعيش وهم الحرية، بينما تتحكم فيه قوى دفينة تعمل من وراء ظهره.  الفصل الثالث: الاغتراب الديني – عبادة ما تصنع اليد في التجربة الوثنية، يسكب الإنسان قواه الحيّة في حجر، ثم يخرّ له ساجدًا. فيصير الصنم صورة مغتربة لقوته الخاصة. هنا يبلغ الاغتراب ذروته الرمزية: الإنسان يركع لما صنعته يداه. إنه يضع جوهره خارج ذاته، ثم يتوسل إليه. وهكذا يتحول الدين من تجربة تحرير إلى نظام استعباد، ومن أفق خلاص إلى بنية اغتراب.  الفصل الرابع: الاغتراب الإبداعي (الأنطولوجي) – الخلق بوصفه اغترابًا مقدّسًا عند هيجل، الاغتراب ليس مرضًا، بل شرطًا للوعي. الروح لا تعرف ذاتها إلا حين تخرج منها، حين تتجسد في الطبيعة، والفن، والفلسفة، والدين. وهنا يلتقي الفكر الهيجلي مع الرؤية الصوفية: كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق. الله ذاته – في الرؤية العرفانية – اغترب عن ذاته ليعرفها، فخلق العالم مرآة يرى فيها جماله. وكذلك الفنان، حين يخلق، يفقد عمله ليجده، ويتنازل عن فكرته لتولد في شكل مستقل. هاملت لم يعد شكسبير، لكنه في العمق شكسبير متجسدًا في صورة أخرى. الإبداع اغتراب ضروري، ما دام الإنسان سيدًا لخلقه، لا عبدًا له.  الفصل الخامس: الاغتراب التكنولوجي – حين تستعبد الآلة خالقها هنا يبلغ الاغتراب ذروته الحديثة. الإنسان يصنع آلة، ثم تتحول إلى قوة مستقلة، تتسلط عليه، تنظّم وقته، تحدد إيقاع حياته، وتعيد تشكيل وعيه. لم يعد الإنسان مركز العالم، بل صار ترسًا في آلة كبرى. لم يعد الخالق، بل المخلوق الذي تملكه مخلوقاته. المدينة الحديثة، المصنع، البيروقراطية، الخوارزمية – كلها تجليات لهذا الاغتراب، حيث تتجمد العلاقات الإنسانية، وتتشيأ الروابط، ويتحول الإنسان إلى رقم. والخلاص لا يكون بالهروب من التكنولوجيا، بل بإخضاعها للقيم الإنسانية، وردّ الاعتبار للإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.  الفصل السادس: الاغتراب الاقتصادي – تشييء الإنسان في النظام الرأسمالي، لا يُنظر إلى الإنسان إلا بوصفه طاقة عمل، أي سلعة. وهكذا تتحول الذات إلى شيء، ويُختزل الوجود في سعر. هذا هو التشيؤ: أن يُعامل الإنسان كموضوع، لا كذات. كآلة إنتاج، لا ككائن حي. وهنا يصبح الاغتراب بنية اجتماعية كاملة، لا حالة فردية، ويتحوّل القهر إلى نظام.  الفصل السابع: الاغتراب الاجتماعي – الغريب بين الناس الغربة ليست دائمًا بعدًا مكانيًا، بل قد تكون انفصالًا داخليًا. الغريب الحقيقي هو من يعيش بين الناس ولا ينتمي إليهم، من يسكن الجماعة لكنه لا يذوب فيها. يقول أبو حيّان التوحيدي: أغرب الغرباء من صار غريبًا في وطنه. هذا الغريب لا يهرب من المجتمع، بل يقف على مسافة نقدية منه. لا يذوب في القطيع، ولا يستسلم للجماهير، بل يحفظ فرديته وسط الطوفان. وهنا يتقاطع التصوف مع الوجودية: لكن الفرق جوهري: • الغريب الصوفي يجد ذاته في العزلة • والغريب الوجودي يفقد ذاته وسط الزحام  خاتمة: بين اغترابين – خلاص أم هاوية؟ الاغتراب ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا. منه ما يحرر، ومنه ما يستعبد. منه ما يكشف، ومنه ما يطمس. إنه السيف ذو الحدين، الجسر بين الإنسان ونفسه، والهوة التي قد تبتلعه. والرهان الوجودي الأكبر هو: هل يستطيع الإنسان أن يغترب ليعرف، دون أن يضيع ليهلك؟

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال