الاستعارة في القرآن الكريم
دراسة بلاغية تحليلية
يُعَدّ علم البلاغة من أجلِّ العلوم اللغوية وأعلاها منزلة؛ إذ به يُدرَك سرّ جمال التعبير وقوة التأثير في النفس. وقد بلغ البيان العربي ذروة كماله في القرآن الكريم، فكان معجزًا في نظمه، ساميًا في أسلوبه، عميقًا في دلالاته. ومن أبرز الأساليب البلاغية التي تميّز بها القرآن الكريم الاستعارة، لما تحمله من طاقة إيحائية، وقدرة على تجسيد المعاني المجرّدة في صور حسّية نابضة بالحياة.
وتتجلّى أهمية الاستعارة في كونها أداة فنية تسهم في تقريب المعاني إلى الأذهان، وتحريك المشاعر، وإثارة الخيال، مما يجعل الخطاب القرآني أكثر رسوخًا وتأثيرًا في النفوس. وتُقسَّم الاستعارة في البلاغة العربية إلى نوعين رئيسين: الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية، ولكلٍّ منهما جماله وخصوصيته الأسلوبية.
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على مفهوم الاستعارة، وأنواعها، وتحليل نماذج مختارة من آيات القرآن الكريم، مع الاستشهاد بأمثلة من الشعر العربي، للكشف عن الأبعاد الجمالية والدلالية لهذا الأسلوب البلاغي الرفيع.
أولًا: مفهوم الاستعارة وأهميتها البلاغية
الاستعارة في أصلها اللغوي مأخوذة من العارية، أي: الشيء المستعار. واصطلاحًا: هي تشبيه حُذِف أحد طرفيه، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. فإذا صُرِّح بالمشبَّه به وحُذِف المشبَّه سُمّيت استعارة تصريحية، وإذا صُرِّح بالمشبَّه وحُذِف المشبَّه به سُمّيت استعارة مكنية.
وتُعَدّ الاستعارة من أرقى صور المجاز البياني، لما تحققه من كثافة دلالية، واختزالٍ بليغ للمعاني، وإيحاءٍ فنيّ يفتح آفاق التأويل. وقد استخدمها القرآن الكريم توظيفًا بالغ الدقة؛ فجاءت صوره البيانية نابضة بالحركة، متدفقة بالمعنى، بعيدة عن التكلف والغموض.
ثانيًا: الاستعارة التصريحية في القرآن الكريم
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الفاتحة : 6
في هذه الآية استعارة تصريحية؛ إذ حُذِف المشبَّه وهو الدين الإسلامي، وصرّح بالمشبَّه به وهو الصراط المستقيم. فقد شُبّه الإسلام بالطريق الواضح المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، لما يتّسم به من عدل ووضوح وهداية. وتكمن روعة هذه الصورة في استحضار صورة الطريق المادي لتقريب معنى الهداية الروحية.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ البقرة 175
تتضمّن الآية استعارتين تصريحيتين:
• شُبِّه الكفر بـ الضلالة.
• وشُبِّه الإيمان بـ الهدى.
وقد عبّرت الآية عن هذه المقايضة الخاسرة بلغة التجارة: اشتروا، مما يضفي على المعنى قوة تصويرية توضح مدى الخسارة والغبن.
قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الانعام 122
في الآية استعارتان تصريحيتان:
• شُبّه الكفر بالموت.
• وشُبّه الإيمان بالحياة.
وفي ذلك تصوير بديع لحال القلب قبل الإيمان وبعده؛ فالكفر موات روحي، والإيمان حياة نابضة بالطمأنينة والنور.
قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ يس : 37
شُبّه زوال ضوء النهار بسلخ الجلد عن الحيوان، وهي استعارة تصريحية دقيقة، تُبرز مشهد الانتقال التدريجي من الضوء إلى الظلمة في صورة حسّية مؤثرة.
قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الحجر : 94
شُبّه إعلان الدعوة بالصدع، أي الشق والكسر، للدلالة على القوة والجرأة والوضوح في تبليغ الرسالة، وهو تصوير بليغ لقوة الحق ونفوذه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ الحاقة 11
شُبّه ارتفاع منسوب الماء بالطغيان، في صورة تعبّر عن تجاوز الحد، مما يوحي بهول الحدث وعظمته.
ثالثًا: الاستعارة المكنية في القرآن الكريم
قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مريم : 4
شُبّه الشيب بالنار، وحُذِف المشبَّه به، وأُبقي على شيء من لوازمه وهو الاشتعال. وفي ذلك تصوير بديع لسرعة انتشار الشيب في الرأس، بما يبعث في النفس إحساس الضعف والشيخوخة.
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الكهف 77
شُبّه الجدار بالإنسان، بدلالة الإرادة والانقضاض، وهو تصوير يمنح الجماد روحًا وحركة، مما يزيد المشهد حيوية وتأثيرًا.
قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ التكوير : 18
شُبّه الصبح بالإنسان الذي يتنفس، في صورة شعرية رقيقة، توحي بانبثاق الضوء وانتشاره رويدًا رويدًا.
قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الاسراء : 24
شُبّه الذلّ بالطائر، وحُذِف المشبَّه به، وأُبقي على الجناح، وفي ذلك تصوير بليغ لمعنى التواضع والرحمة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الرعد : 25
شُبّه العهد بالحبل، بدلالة النقض والقطع، وهو تصوير يعكس خطورة نقض المواثيق.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ الاعراف : 154
شُبّه الغضب بالإنسان الذي يسكت، في صورة توحي بانتهاء حالة الثورة والانفعال.
رابعًا: الاستعارة في الشعر العربي
لم يكن الشعر العربي بعيدًا عن هذا الفن البلاغي، بل تزخر دواوينه بصور استعاريّة أخّاذة، من ذلك قول المتنبي:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ فلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
فقد شُبّه الطموح العالي بالنجوم، في صورة سامية توحي بالعلو والرفعة.
وقال امرؤ القيس:
وليلٍ كمَوجِ البحرِ أرخى سدولَهُ عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي
حيث شُبّه الليل بموج البحر، في تصوير بديع لكثافة الظلمة وثقل الهموم.
خامسًا: الأثر البلاغي للاستعارة في القرآن الكريم
تؤدي الاستعارة في القرآن الكريم دورًا محوريًا في:
• تجسيد المعاني المجرّدة وتحويلها إلى صور محسوسة.
• إثارة العاطفة والوجدان لدى المتلقي.
• ترسيخ المعنى في الذهن من خلال الصورة الفنية المؤثرة.
• تحقيق الإعجاز البياني الذي عجزت العرب عن مجاراته.
فالصورة الاستعارية في القرآن ليست مجرد زخرف لفظي، بل هي وسيلة إيصال وإقناع وتربية.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذا العرض أن الاستعارة في القرآن الكريم تمثّل قمّة في البيان العربي، حيث امتزج فيها جمال الصورة بدقة المعنى وعمق الدلالة. وقد جاء توظيفها منسجمًا مع المقاصد العقدية والتربوية والتشريعية، فكانت أداة فعّالة في التأثير والإقناع.
إن دراسة الاستعارة القرآنية تفتح آفاقًا واسعة لفهم أسرار البيان الإلهي، وتُبرز عظمة هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.
المراجع
1. عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، دار المعرفة، بيروت.
2. السكاكي، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت.
3. الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي.
4. أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، دار الفكر.
5. فاضل السامرائي، بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، دار عمار.
6. سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، دار الشروق.
