ألف جنيه لمن يعرف القاتل

ألف جنيه لمن يعرف القاتل
كان الليل قد مدّ عباءته الثقيلة فوق المدينة، وانسابت الساعات بطيئة كأن الزمن يتلصص على أنفاس البشر، حين جلس أبو حجاج أمام مكتبه الخشبي العتيق، تحدّق فيه مرآة الزمن من جدران الغرفة، وتعيد إليه وجهاً أنهكته أربعون سنة من القتل… لا، ليست جرائم حقيقية، بل مسرحيات تفيض دماً، وأبطالاً يسقطون واحداً تلو الآخر تحت سطوة كلماته. أربعون عاماً وهو يطلق الرصاص على خشبات المسارح، ويغرس الخناجر في صدور شخصياته، ويحرق البيوت، ويدس السم في الكؤوس، ويخنق الأرواح حتى آخر شهقة. تجاوز عدد ضحاياه في العوالم المتخيلة آلافاً مؤلفة، ومع ذلك لم يُتَّهَم يوماً بدمٍ حقيقي. كانت جرائمه علنية، تحت الأضواء، أمام جمهور يصفق، ولم يحدث قط أن خطّ جريمة كاملة تهيّئ للقاتل سبيلاً محكماً للإفلات من العدالة. لكن تلك الليلة، لم تكن كسواها. جلس أبو حجاج، يتأمل سيجارته المشتعلة، ويراقب دخانها وهو يصعد في الهواء كأرواح قتلاه الوهميين، فتداهمه فكرة كالسهم: هل يمكن للعقل البشري أن يصنع جريمة كاملة؟ جريمة لا تترك أثراً، ولا تمنح العدالة خيطاً، ولا تتيح للشك أن يزحف إلى الحقيقة؟ ابتسم ابتسامة شاحبة. كان يعرف أنه يلعب بالنار. فكل فكرة خطرة تبدأ بسؤال بسيط. تردّد داخله صوت خفي، ساخر، لاذع، كأنه شيطان يقف خلف كتفه: أيها المؤلف العظيم، الذي أدمى خشبات المسارح، أتعجز عن تصور جريمة كاملة؟ ارتجف. شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. كأن ستاراً أسود أُسدل على عينيه، فانفتح له باب خفي في عقله، باب لم يكن يعرف بوجوده. هناك، في العتمة، بدأت تتشكّل الجريمة.  تخيل نفسه رجلاً أنيقاً، أديباً لامعاً، يدعى فهمي، يعيش حياة اجتماعية مرموقة، متزوجاً من امرأة تدعى عزيزة. كانت تحبه حد العبادة، ترى فيه المعنى الكامل لوجودها، وتذوب في حضوره كما يذوب الشمع قرب اللهب. غير أن قلبه لم يعد يسكنه. فقد تعرّف إلى امرأة أرستقراطية ثرية تُدعى سنية، فتحت له أبواب الطموح: مطبعة، مجلة كبرى، دعاية انتخابية توصله إلى البرلمان، مجد لا حدود له. وكان يدرك أن زوجته عائق صامت، لا يقدر على تطليقه علناً، خشية الفضيحة، وخوفاً من ألسنة الناس التي لا ترحم. وهنا بدأ التدبير. في مساء شتوي هادئ، جرح إصبعه وهو يبري قلمه، فعاد إلى البيت متظاهراً بالاكتئاب. استقبلته عزيزة بقلق: ما بك يا فهمي؟ تبدو شاحباً. تنهد بعمق، وأجاب بصوت متردد: لا أدري كيف أتم مسرحيتي الجديدة. الإلهام يخذلني، وجرحي يؤلمني. وأنت تعلمين أنني لا أكتب إلا بعد منتصف الليل. المنزل بعيد، ولا أستطيع الاستعانة بأحد… لكنني خطر لي خاطر. ما هو؟ أن تملي معي الفصل الأخير. المسرحية تحمل أسماءنا… عزيزة وفهمي. أردتها هدية لك. هل تساعدينني؟ أشرق وجهها، وابتسم قلبها قبل شفتيها: بكل سرور يا حبيبي. سأكتب حتى آخر قطرة حبر. دقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حين قدّم لها الورقة والقلم. جلس قبالتها، يملي ببطء، بينما هي تنقل كلماته بأمانة، غير مدركة أنها تكتب قدرها. كانت المسرحية تحكي قصة أديب له زوجة تحبه حد الذوبان، لكنه يقع في غرام امرأة ثرية تعده بالمجد والسلطان. تكتشف الزوجة الحقيقة، وتقرر أن تضحّي بنفسها من أجل سعادته. كلما اقترب النص من العقدة، كان قلب فهمي يخفق بقوة، فيما كانت عزيزة تغوص أكثر في حكاية تشبه حياتها حد التطابق، دون أن تدرك أن المصيدة تُحكم حولها ببطء. حتى إذا بلغت الصفحة الأخيرة سطرها قبل الختام، قال بهدوء قاتل: اكتبي الآن خطاباً، تتركه البطلة لزوجها قبل انتحارها. رفعت رأسها لحظة، ترددت، ثم أطاعت. بدأ يملي: عزيزي فهمي، أعز من في الوجود… هذا خطابي الأخير. عرفت كل شيء. أحببت سنية، المرأة التي ستحملك إلى المجد. قررت أن أفسح لك الطريق. فالحياة بعدك جحيم. سأرحل، راضية، شاكرة، ممتنة. لا تحزن. سأظل أرعاك من عالم آخر. وداعاً. كانت دموعها تنهمر وهي تكتب. لم تكن تعلم أنها تخط شهادة وفاتها. وقّعت باسمها. حين انتهت، تظاهر بالإرهاق، احتضنها، لكنه ظل مستيقظاً، يعدّ الدقائق حتى يطلع الفجر.  مع أول خيط ضوء، نهض كالشبح. اقترب من زوجته النائمة، وجهها مسالم كطفلة. ترددت يده لحظة. وفي داخله صراع مرير: أهذه نهاية الحب؟ أهذا ثمن المجد؟ لكن طيف سنية ومجدها أطاح بكل تردد. أطلق الرصاصة. سكون مطبق. مسح بصماته بعناية، مزّق ورقة الاعتراف، وترك خطاب الانتحار بجوار السرير، وألقى المسدس على الأرض. ثم أحرق المسرحية كاملة، وغادر البيت. بعد ساعتين، وصل خبر موت الزوجة. عاد مهرولاً، لطم خديه، وبكى بكاءً مزق القلوب. كان تمثيله متقناً إلى حد أن رجال الشرطة أنفسهم بكوه.  عاد أبو حجاج من غيبوبته. كانت قطرات العرق تنساب على جبينه. أدرك أنه بلغ ذروة الجريمة الكاملة. همس لنفسه: لقد وصلت إلى ما لم يصل إليه غيري. لكن الخوف تسلل إليه. ماذا لو تسللت هذه الفكرة إلى عقل ضعيف؟ ماذا لو تحوّل الأدب إلى دليل قتل؟ قرر أن يفضح سره، أن يطرحه على الملأ، متحدياً العقول: ألف جنيه لمن يعرف القاتل. ونشر القصة.  في قسم الشرطة، جلس المحقق محمود، رجل تجاوز الأربعين، بوجه يحمل تجاعيد الحكمة، وعينين اعتادتا تفكيك الأكاذيب. قرأ القصة بتمعّن، ثم قال: الجريمة متقنة، لكنها ليست كاملة. رد مساعده بدهشة: كيف؟ كل الأدلة تشير إلى الانتحار. ابتسم محمود ابتسامة واثقة: بل إلى القتل. أين الدليل؟ في النفس البشرية نفسها. صمت لحظة، ثم أردف: المرأة التي تحب حد العبادة لا تختار الموت فجأة. حتى لو ضحت، تترك رسائل أطول، اعترافات أعمق، دموعاً على الورق. أما هذا الخطاب، فكان بارداً، مختصراً، أشبه بإملاء مدروس. لكن الخط…؟ نعم، خطها. لكنها كتبته تحت التوجيه. وكيف نثبت ذلك؟ من خلال المسرحية المحترقة. لكنها أُحرقت. لا. الرماد يحتفظ بالأسرار. وبالفعل، عُثر على بقايا الصفحات. أعيد تركيب بعض الجمل. وظهر التطابق الحرفي بين خطاب الانتحار ومشهد في المسرحية. قال محمود بهدوء قاتل: لا أحد يكتب رسالة انتحار مطابقة لمشهد مسرحي إلا إذا أمليت عليه. ثم جاءت بصمات محوها من المسدس، والوقت الذي غادر فيه المنزل، وتناقض أقوال الخادم. تكوّن الخيط. وقف فهمي في قفص الاتهام، عيناه شاردتان، كأنهما تبحثان عن مجده الضائع. قال القاضي: العدالة لا تنخدع، حتى وإن تعثرت.  أما أبو حجاج، فأغلق دفتره، وهمس: الحمد لله الذي لم يجعلني مجرماً. ثم أطفأ المصباح، تاركاً خلفه سؤالاً معلقاً في العتمة: هل نحن أحرار في أفكارنا، أم أسرى شياطينها؟ وانطفأ الليل… لكن صدى الرصاصة ظل يتردد في أعماق الروح.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال