القلب الصادق

القلب الصادق
لم يكن الأمير يجهل القوانين، لكنه كان يجهل نفسه. كان يعرف جيدًا أن العرش لا يُفتح إلا بمفتاح الزواج ، وأن الصين - في ذلك العصر البعيد - لا تعترف بملكٍ أعزب، مهما بلغت حكمته أو اشتعل طموحه. ومع ذلك، كان شيءٌ ما في داخله يقاوم هذه القاعدة، كأن قلبه يتمرد على العرف، أو كأن روحه تبحث عن معنى أعمق من لقبٍ ثقيل. هل أريد الملك… أم أريد أن أكون جديرًا به؟ سؤالٌ ظلّ يدور في رأسه كطائرٍ حبيس، يضرب جدران الوعي ولا يجد نافذة. في صباحٍ احتشدت فيه الشمس لتشهد، أمر الأمير بجمع فتيات المدينة كلها في حفلٍ لم ترَ الصين له مثيلً ازدانت الساحات، وتعطرت الشرفات، وارتدت الفتيات ما يشبه الأحلام: حريرٌ ينساب، ذهبٌ يلمع، عيونٌ تتنافس، وقلوبٌ تخفي جوعًا واحدًا: أن يُختَرن. كان الأمير واقفًا على شرفته العالية، ينظر إليهن كما ينظر المرء إلى مرآةٍ متعددة الوجوه. أيّ واحدةٍ تصلح أن تكون شريكتي في الحكم؟ أيّهن ترى الإنسان فيّ لا التاج؟ لكن الصخب كان أعلى من الأفكار.  في طرفٍ بعيد من المدينة، حيث لا تصل الموسيقى إلا خافتة، وحيث البيوت تشبه الانحناء من فرط الفقر، عاشت فتاةٌ لا تملك سوى قلبٍ كبير واسمٍ صغير. كانت ابنة خادمةٍ عجوز، يداها متشققتان من الغسل، وعيناها ممتلئتان بالخوف والحب معًا. كانت الفتاة تحب الأمير. لا، لم تكن تحبه كما تحبه الفتيات في القصص، حبًا ملوّنًا بالوهم، بل كانت تحبه كما يُحب الضوء من عاش طويلًا في الظل. تحبه بصمت، بخشوع، وبشيءٍ من الاستسلام الجميل. كانت الأم تراقب ابنتها وهي تحدّق في الفراغ، تعرف تلك النظرة… نظرة من علّق قلبه في مكانٍ أعلى منه. قالت العجوز، وصوتها مكسور: يا ابنتي، لا تذهبي. القلوب الفقيرة لا تحتمل السقوط من علٍ. يا أمي… أنا لا أصعد كي أسقط. أنا فقط أريد أن أراه. الأمير لا يرى إلا من يشبهه. ابتسمت الفتاة بحزن: يكفيني أن أراه… هذا كل ما أملك.  ذهبت. لم تكن ترتدي سوى فستانٍ بسيط، كأنه اعتذار مسبق. وقفت بين الفتيات، تشعر بثقل المقارنة، لا على جسدها، بل على روحها. وحين ظهر الأمير، شعرت أن قلبها يسبق عينيها. في تلك اللحظة، قال الأمير بصوتٍ هادئ، لكنه حاسم: سأعطيكن بذورًا. ازرعنها. بعد ستة أشهر، من تعود إليّ بأجمل باقة زهور… ستكون زوجتي. كانت البذرة صغيرة. صغيرة إلى حدٍ يجعلها تشبه الأمل. قبضت الفتاة عليها كمن يمسك وعدًا سماويًا. إذا نبتت… سأقترب. إذا أزهرت… سأبقى. هكذا حدّثت نفسها، وهي لا تعرف أن الصدق أحيانًا يُختبر بالفشل.  حاولت. مرة، ثم مرة، ثم عشرات المرات. بدّلت التربة، خاطبت البذرة، بكت عليها، سقتها بانتظامٍ يشبه الصلاة. لكن الأرض صمتت. والبذرة… بقيت بذرة. في كل ليلة، كانت تسأل نفسها: هل أنا فاشلة؟ أم أن في الأمر سرًا لا أعرفه؟ كانت الأم تنظر إليها وتعرف أن الألم الحقيقي ليس في عدم الإنبات، بل في انتظار لا يثمر. قالت الأم قبل الحفل الثاني: لا تذهبي… هذا الفشل سيكسر قلبك. ردت الفتاة، وقد صار صوتها أنضج: يا أمي… قلبي لم يعد يخاف الكسر. سأذهب بما لدي. هذا يكفيني.  عاد الحفل. الفتيات يحملن الزهور، والفرح، والانتصار. وحدها هي… تحمل بذرة. شعرت بثقل النظرات. هل الصدق يبدو قبيحًا إلى هذا الحد؟ لكنها رفعت رأسها. اقترب الأمير. توقّف. نظر إليها… طويلًا. وفي داخله، حدث شيء. هذه العينان لا تطلبان شيئًا. هذه اليدان لا تخفيان شيئًا. هذه الفتاة… لا تكذب. أمسك يدها، وقال: أنتِ زوجتي. ارتجّت الساحة صرخت الفتيات: لكنها لم تُنبت شيئًا! ابتسم الأمير، ابتسامة من عرف الحقيقة أخيرًا، وقال: لأن البذور كانت عقيمة. ثم أضاف، بصوتٍ أشبه بالحكم: كلكن كذبن… إلا هي.  تزوجها. صارت ملكة. لكن القصة لا تنتهي هنا. في ليلةٍ هادئة، جلست الملكة تنظر إلى البذرة التي احتفظت بها. قالت للأمير: ماذا لو كنتُ قد كذبت؟ أجابها، بعد صمت: لما كنتُ ملكًا. ابتسمت. لم تعد الفتاة الفقيرة، ولم تصر الملكة الغنية. صارت الإنسانة الصادقة… وهذا يكفي. وفي زاويةٍ من القصر، زرعت البذرة مرة أخرى. لم تنبت. لكن شيئًا ما في الصين… ازدهر. وهنا، تُترك النهاية لك: هل كان العرش يستحقها؟ أم أن الصدق، حين يُختار، يصنع مملكةً داخل القلب لا تسقط أبدًا؟

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال