يوسف السباعي بين الهدوء والخجل قراءة نفسية-اجتماعية-فلسفية في التكوين الإبداعي

يوسف السباعي بين الهدوء والخجل قراءة نفسية-اجتماعية-فلسفية في التكوين الإبداعي
أولاً: الطفولة بوصفها جوهر الفنان يقول بطل إحدى قصص يوسف السباعي: «وأنا على مرّ السنين، وعلى ما يفرضه عليّ السن من تؤدة واحتشام، لا أستطيع أن أنتزع نفسي من طفولتي وصباي». وهذا القول، على بساطته الظاهرة، يكاد يكون أكثر انطباقًا على مؤلف القصة نفسه منه على بطله؛ ذلك أن الفنان الحقيقي ـ في جوهره ـ طفل لم يبرح الطفولة، وهي حقيقة بديهية تتجلى كلما التقينا فنانًا أصيلاً، أو توغلنا في نصوصه، أو اقتربنا من عالمه الداخلي. وإذا كان اكتشاف هذا الوجه الطفولي يحتاج عند بعض الأدباء إلى غوص عميق في أغوار النفس، فإن الأمر يبدو أكثر يسراً عند يوسف السباعي؛ إذ يكاد القارئ يلمس هذه الطفولة لمسًا مباشرًا في معظم إنتاجه الأدبي، على اختلاف ألوانه وتنوع أجناسه. ولعل السباعي من أكثر الأدباء العرب إلحاحًا على نغمة الطفولة في قصصه، على الرغم من أن الكتابة المباشرة للأطفال لم تستهوه يومًا. وليس المقصود هنا كثرة الشخصيات الطفولية في أعماله، فذلك شأن نادر لديه ولدى جيله عمومًا، إذ انشغل كتاب ما بعد جيل الرواد بالقضايا الوطنية والاجتماعية الكبرى، التي تفرض بطبيعتها شخصيات ناضجة، ولا تتيح فائضًا من الجهد للالتفات إلى عوالم الصغار. بل المقصود أن السباعي قدّم ملامح طفولته هو، وقدم معها البراءة التي لم تفارقه، والتي استوعبت طفولته وشخصيته معًا، ولم تضعف أو تخبُر مع تقدم العمر. في إحدى قصصه القصيرة تقول البطلة: «من الذي ينفّس عني؟ إني ما زلت كما كنت نفس الصبي الذي كان يعدو في فناء المدرسة… ما أحسست في باطني أني قد تغيّرت، بل أشعر دائمًا بنفس الخِفّة، وقلة العقل، والشيطنة التي كانت تدفعني إلى ما كنت أفعله في صباي… غير أن ظاهري يكذب باطني، إذ أجد من يحترمونني ويبجلونني، فيحيكون حولي هالة من التقدير تجعلني أرتد إلى الوقار والتعقل». وهذا الازدواج بين الداخل الطفولي والخارج الاجتماعي يمثل أحد المفاتيح النفسية الأساسية لفهم عالم يوسف السباعي. ثانياً: السخرية من أكذوبة الماضي الجميل من الطريف أن قارئ السباعي يقف، في كتاباته المبكرة (1948–1950)، على اهتمام لافت بفترات صباه وطفولته، وهو اهتمام يبكر عادةً في حياة الإنسان، إذ لا يشتد الحنين إلى الماضي إلا مع التقدم في العمر. وأهم ما يميز هذا الالتفات هو رفضه للسخافة اليومية التي يلجأ إليها الكبار حين يلوّنون طفولتهم وشبابهم بألوان وردية زائفة، فيصورون أنفسهم عباقرة خارقين، وأبطالًا لا يُشق لهم غبار. لم يكن موقف السباعي من هذه الظاهرة تهكميًا صرفًا، ولا ساخرًا عدميًا، بل موقفًا واعيًا بطبيعة الإنسان وضغوط الزمن. فهو يعرف أن الأيام لا تسمح للبشر بالاحتفاظ بكل آرائهم، وأن النضج وتقدم العمر يعيدان تشكيل القناعات التي فرضها اندفاع الشباب وبراءة الصبا. تتجلى هذه الرؤية بوضوح في قصته «يا سمن القلب»، حيث يقول البطل: «كنت بالأمس كذابًا كبيرًا… كان يتحتم عليّ أن ألقي عليهم تلك الكذبة الكبرى، وإلا فأية فجيعة كانت تصيبهم لو قذفتهم بسلسلة الحقائق؟». وهنا يطرح السباعي سؤالًا فلسفيًا خفيًا: هل الصدق دائمًا فضيلة اجتماعية؟ أم أن المجتمع نفسه يفرض على أفراده أقنعة ضرورية، حفاظًا على توازنه النفسي؟ ثالثاً: المجتمع شريك في الخديعة لا تقتصر أكذوبة الماضي على أصحابها وحدهم، بل يشارك المجتمع ـ ممثلًا في النشء الجديد ـ في صناعتها وترويجها. فالأبناء يحتاجون إلى نماذج مثالية، والكبار يستجيبون لهذه الحاجة، أحيانًا بدافع العطف، وأحيانًا بدافع الضعف الإنساني. يسجل السباعي هذه الظاهرة في قصة زميله الذي أصبح مدرسًا لشقيقه، حين سأله أخوه: «أحقًا أن فلانًا كان الأول في المدرسة، وبطل الكرة والملاكمة؟». ويعقب السباعي ساخرًا: «وجدت نفسي في مثل مأزق صاحبي، فجاريتهم في الخديعة، ولكني لم أخدع نفسي. وهذا هو الفرق». وهذا الفرق هو جوهر الموقف الأخلاقي عند السباعي: المجتمع قد يُخدع، لكن الذات الواعية لا ينبغي أن تكذب على نفسها. رابعاً: التكريم، والذات، ورفض النفاق الثقافي من القناعات المبكرة التي استقرت في وجدان يوسف السباعي إيمانه باضطراب الذائقة الثقافية، وسيطرة الشكلية الزائفة، مما يجعل تكريم الأديب ـ غالبًا ـ مؤجلًا إلى ما بعد موته. ولهذا كتب، في مقدمة «أرض النفاق»، كلمات صادمة في صراحتها: «إني أريد أن أكرم نفسي وأنا على قيد الحياة… نحن شعب نحب الموتى، ولا نرى مزايا الأحياء حتى يستقروا في باطن الأرض». وهذا النص لا يعكس نرجسية بقدر ما يكشف وعيًا وجوديًا حادًا بقيمة اللحظة الإنسانية، ورفضًا لتمجيد أجوف لا ينتفع به صاحبه. خامساً: الحي الشعبي والذاكرة التكوينية لم تكن الطفولة وحدها هي المؤثرة في تكوين السباعي، بل الحي الشعبي الذي نشأ فيه، ولا سيما حي السيدة زينب و«جنينة ناميش». لقد ظل هذا المكان حيًا في ذاكرته الإبداعية، يتنفس في أعماله الأولى والمتأخرة على السواء. ويعترف السباعي بأنه لم يكن مستريحًا حتى يسكب ذكريات هذا الحي على الورق، وأن القصة كثيرًا ما كانت مجرد «وسيلة» للعودة إلى المكان. وهكذا يصبح المكان عند السباعي وعاءً للهوية، لا مجرد خلفية للأحداث. سادساً: الهدوء والخجل كسمتين نفسيتين تميز يوسف السباعي في طفولته بسمتين متداخلتين: الهدوء والخجل، حتى ليصعب أحيانًا الفصل بينهما. في البيت كان هادئًا، وفي المجتمع خجولًا، أو كلاهما معًا. لم يكن يحب الظهور أو مواجهة العيون، وكان يهرب من التجمعات، ويعاني شللًا نفسيًا كلما شعر أن الأنظار تتجه نحوه. وكان هذا الخجل يولّد ذعرًا داخليًا، يفسره الآخرون على أنه ضعف أو جبن، بينما هو في حقيقته حساسية نفسية مفرطة. وتجسد حادثة تكليفه بتبليغ المقاول رسالة الأسرة هذا الخجل بأوضح صورة: ثلاث ساعات من المطاردة الصامتة، دون أن يجرؤ الصبي على مقاطعة الرجلين. إنها مأساة نفسية صغيرة، لكنها كاشفة، لا عن ضعف عقل، بل عن هيمنة الخجل على الإرادة. سابعاً: من الخجل إلى النزوع للسلام امتزج الهدوء والخجل في شخصية السباعي ليشكلا طبعًا مسالمًا، يكره العدوان، وينفر من العنف. وقد انعكس هذا بوضوح في أعماله القصصية، حيث تتكرر الشخصيات الهادئة، المنطوية، ذات الأعماق الصاخبة. وليس غريبًا أن يعلن السباعي صراحة: «أنا أكره القوة، وأراها تصرفًا حيوانيًا عندما يعجز العقل عن الإقناع». وهنا يبلغ التفكير الإنساني عند السباعي ذروته، حين يربط بين السلام والطبيعة، وبين العدوان وفساد العقل. خاتمة إن الهدوء والخجل، اللذين بدوا في طفولة يوسف السباعي عيبين اجتماعيين، تحولا في تجربته الإبداعية إلى مصدر ثراء إنساني وفني. فمن رحم الحساسية النفسية تولد الرؤية العميقة، ومن ضعف المواجهة تنشأ قوة التأمل. وهكذا لم يكن يوسف السباعي مجرد كاتب رومانسي، بل محللًا نفسيًا بالفطرة، وفيلسوفًا إنسانيًا يكتب بالسرد، وظلت طفولته، بكل ما فيها من خوف وبراءة، النبع الأصيل لفنه ورؤيته للعالم.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال