جرائم… وقلب امرأة و الحب
كان القطار يشقّ طريقه بين برمنغهام ولندن، كأنما يسابق شيئًا غير منظور؛ زمجرة الحديد تتردّد في الممرّات، والركّاب غارقون في صمت ما قبل الغروب. في العربة الرابعة، جلس مفتّش البوليس السري المتقاعد، كتفاه العريضان يحجبان نصف المقاعد خلفه، وعيناه تحملان من الذكريات ما لا يطيقه قلبان.
التفت إلى الطبيب الجالس بجواره، طبيب بريطاني يلوح على وجهه إرهاق سنوات من مخاطبة الأجساد المريضة والعقول المتعبة، وسأله بصوت خافت ولكن نافذ:
من تراه يكون أوفر المجرمين حظًا من قسوة القلب وجمود الضمير؟ من أعظم المجرمين؟ من أخطرهم؟
ساد الصمت كأرجوحة معلّقة بينهما، ثم جذب الطبيب نفسًا عميقًا وقال:
المرأة… إذا أُهينت في حبّها. المرأة حين يُنبذ قلبها كما تُنبذ النواة في قاع البئر. حين تتحوّل الدلالات القديمة إلى ازدراء بارد.
رفع المفتّش حاجبيه:
أتقول هذا جزمًا؟ أعندك مثال؟
ابتسم الطبيب ابتسامة غامضة، كأنه يتذوّق ذكرى من رماد، وقال:
نعم… مثال أعرفه جيّدًا. امرأة اسمها كريستيانا إدموندز… وقد تكون أخطر امرأة عرفتها بريطانيا.
قلب يحتضر
كانت كريستيانا امرأة في منتصف العمر، جمالها رقيقٌ ولكنه آفل، كقمر أكلت منه الغيومُ نصفه. أحبت طبيبًا متزوّجًا يدعى الدكتور بيرد. كانت صديقة لزوجته قبل أن تتسلّل إلى قلبه، تُغريه بلطف محسوب، وتُغدق عليه من كلماتها ما يدوّخ رجلاً أنهكه الروتين.
انهار الطبيب أمام غوايتها. لكن الحب الذي ينبني على الخفاء لا يقوى على البقاء… ومع مرور الوقت، ذبلت زهرة كريستيانا، انطفأ بريقها، ففتر قلبه نحوها، ثم انقطع.
عاد إلى زوجته تائبًا، فقبلته الزوجة، وربما كانت حماقتها الكبرى أنها سامحته كثيرًا.
أما كريستيانا؟
فكانت الغيرة تنهش قلبها، تنهشه كما ينهش السُّم الأحشاء.
كانت تقول لنفسها:
"أنا التي أعطيته روحي… كيف يتخلّى عني؟ كيف يعود إلى زوجته؟ أأنا سهلة إلى هذا الحد؟"
وصوته يرنّ في أذنها كل ليلة:
"لم أعد بحاجة إليكِ… ابحثي عن غيري."
جملة واحدة، ولكنها كانت الشرارة. شرارة أشعلت النار في هشيم عقلٍ بدأ يتصدّع.
الشوكولاتة الأولى
ذات مساء، وقفت عند باب بيت الدكتور بيرد تحمل علبة شوكولاتة. كانت يدها ترتجف قليلاً، لا من الخوف… بل من التوق، من أمل خفي بأن يعود إليها إن أبدت لطفًا.
دخلت على الزوجة مبتسمة:
هذه شوكولاتة ممتازة يا مسز بيرد، إلا أن فيها مرارة طفيفة… بسبب جودة الكاكاو، كما تعلمين.
تذوقت الزوجة قطعة، وما إن لامست لسانها حتى لفظتها بشدّة:
طعمها بشع… لا تُحتمل. خذي علبتكِ، شكرًا لكِ.
وهنا ظهر الدكتور بيرد، وقد لمح الاضطراب في وجه زوجته.
لم يقل كلمة، بل تبع كريستيانا إلى الخارج، واستوقفها عند الباب.
كان صوته خافتًا ولكن قاطعًا:
لقد حاولتِ تسميم زوجتي. أعرف ما وضعته في الشوكولاتة. أنتِ امرأة خبيثة… أرجوكِ لا تعودي.
جمدت كريستيانا لحظة. تقلص وجهها، ثم همست:
لماذا تطردني هكذا؟ لماذا تحرمني من زيارتكما؟
لأنكِ حاولتِ قتلها. اذهبي من هنا… وإلا سلّمتك للشرطة.
ثم أغلق الباب بعنف… وكأن الباب هو الذي تلقّى الصفعة بدل قلبها.
انهيار… ثم فكرة
رجعت كريستيانا إلى بيتها ، خطواتها متكسّرة ، وداخلها عاصفة تفكير.
كانت تحدث نفسها كالمسعورة:
"أثبتُّ له أنني أحبّه… فيتهمني بالقتل؟ هو لا يفهم… لا يفهم أن الحب، حين يهينونه، يتحوّل إلى وحش. لكن يجب أن أبرّئ نفسي… يجب أن لا ينظر إليّ كجانية."
وفي تلك الليلة، لم يزرها النوم. كانت الأفكار تتقاتل في رأسها:
"إذا أثبتّ أن الشوكولاتة من المحل نفسه كانت مسمومة… فسوف يعلم أنني بريئة.
سأثبت له أن الخطأ ليس خطئي… بل خطأ صاحب المحل!"
وفتّحت عينيها كأن الضوء انبثق فجأة:
– نعم… يجب أن أسمّم شوكولاتة المحل! فإذا حدثت حالات تسمم أخرى، سيفهم الجميع أن العيب من المصدر، لا مني."
كانت الفكرة شيطانية… لكنها بدت لها منطقية، بل خلاصة عبقريتها المظلمة.
.تنفيذ الخدعة
أرسلت غلامًا صغيرًا إلى محل الحلوى الوحيد في برايتون.
اشترى لها "الكريم" الذي يُحشى به الشوكولاتة. وضعت فيه الاستركنين بمهارة ، ثم أرسلت الغلام يعيده للمحل بزعم أن "الصنف غير مناسب".
استردّ صاحب المحل البضاعة… وهو لا يدري أن الموت صار مختبئًا في علبته.
كررت كريستيانا العملية مرة بعد مرة.
وما هي إلا أيام حتى بدأت حوادث التسمم تنتشر.
طفل يموت. آخر يتلوّى من الألم. سيدة تفقد الوعي في الشارع. رجل يقيء حتى يحتضر.
وبدأت بريطانيا ترتجف.
الخوف استوطن البيوت.
صار الناس يشكّون في الماء، في الخبز، في الحلوى.
لكن الغريب أن كريستيانا لم تكن تشعر بالذنب. بل كانت تقول لنفسها:
"كل هذا من أجل الحب… من أجل أن أفهمه… أن يفهمني. سيعرف أخيرًا أنني بريئة."
لكن داخلها، في أعماقها المعتمة، كان صوت آخر يهمس:
"أحقًا تفعلين هذا من أجل البراءة؟ أم من أجل أن يشعر هو بالألم كما شعرتِ أنتِ؟"
لم تجب.
الهاربون من أنفسهم لا يملكون وقتًا للإجابة.
دائرة الجحيم تتسع
ولكي لا تُلصق التهمة بمحل الحلويات وحده، عمدت كريستيانا إلى توسيع دائرة الجنون. سمّمت بعض المأكولات عند الخبّاز. ثم عند البقّال. ثم عند بائع الخضار.
كانت تصنع الفوضى… وتستمتع بها دون أن تعترف بذلك.
ومع كل حادثة تسمم جديدة، كانت تقول في داخلها:
"قريبًا… قريبًا سيعرف الدكتور بيرد أنني بريئة."
كأن البراءة تُزرع في المقابر.
وحين انتشر الذعر وعمّ الهلع، شعرت كريستيانا أن وقتها قد حان.
ذهبت إلى مركز البوليس، دخلته بثقة من تظنّ أنها "بطلة".
اتهمت صاحب محل الشوكولاتة بأنه يضع الاستركنين في بضائعه.
قدّمت أدلة، وشهادات، وحكايات نصفها صحيح والنصف الآخر منسوج من خيال مريض.
وقالت:
لديّ دليل… زوجة الدكتور بيرد نفسها تذوّقت من شوكولاتته وكادت تموت.
كانت هذه جملة أرادت بها أن تلمس قلب الطبيب مرة أخرى، أن تقول له دون أن تقول:
"أرأيت؟ أنا بريئة… أحبك فقط."
لكن الحقيقة أقوى من الخدعة. والتحقيق طويل… أطول من صبرها. وبعد أسابيع من البحث ، ظهرت الخيوط.
أطفال الحي تذكروا أنهم أخذوا حلوى من يد "الآنسة كريستيانا".
الغلام اعترف بأنه كان رسولها إلى المحل.
الأدلة تجمّعت كأنها تُحاصرها.
وفي لحظة مواجهة، جلست أمام المحقّق، عيناها محمرّتان، يداها ترتجفان، وما زالت تنكر:
– لم أفعل شيئًا… أقسم!
لكن داخلها، كان يقول لها شيئًا آخر:
"لقد فعلتِ. فعلتِ كل شيء… من أجل رجل لم يعد يريدك."
وفي المحكمة، سمع القاضي قائمة الجرائم:
أطفال ماتوا. أمهات بكين . رجال سقطوا. بيوت امتلأت بالرعب.
وكل ذلك… بسبب حبّ مريض.
حُكم عليها بالسجن خمسة عشر عامًا، تقضيها في مستشفى المجاذيب.
في غرفة بيضاء لها نافذة ضيقة، كانت كريستيانا تجلس تحدّق في الجدار.
الجدار بلا ملامح… لكن في عينيها كانت تراه وجه الدكتور بيرد.
كانت تهمس لنفسها:
" هو لم يفهم… لم يفهم أنني لم أضع السمّ في الشوكولاتة… بل وضعته الحياة في قلبي. أردت فقط أن أبرّئ نفسي… أردت أن يحبّني… ولو للحظة."
ثم تضحك. ضحكة مرتعشة… لا يعرف أحد إن كانت فرحًا أم انهيارًا.
الممرضات يقلن إنها تهذي. الأطباء يقولون إنها مجنونة.
أما هي؟ فكانت تشعر أنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة… إلى حقيقتها.
كانت تقول:
"ليس أسوأ من امرأة تُهزم في الحب… إلا امرأة تُهزم في عقلها."
لم يعرف أحد ماذا صار بكريستيانا بعد ذلك.
هل ماتت؟ هل شفيت؟ هل ما زالت تؤلّف في عقلها قصصًا تبرّر حبًا لم يكن يومًا لها؟
لكن المفتش المتقاعد، بعد أن أنهى قصته للطبيب في القطار، نظر من النافذة إلى الظلام وقال بصوت خافت:
أخطر المجرمين؟ هي المرأة التي يتحوّل حبها إلى سُم… ثم تقنع نفسها أنه دواء."
أما الطبيب فاكتفى بإمالة رأسه، كأنه يعترف:
نعم… فبعض القلوب إذا انكسرت لا تجرح وحدها. إنها تجرح العالم."
ومضى القطار… ومضت معه الحكاية، تتدحرج بين المدن، مثل سؤال لا إجابة له:
كم من الجرائم تُرتكب باسم الحب؟
