الإلحاد والأخلاق
إنّ الإلحاد والأخلاق مسألة تتشابك فيها الأسئلة الفلسفية والنفسية والاجتماعية والمنطقية على نحو يجعلها من أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر الإنساني الحديث. فالإنسان ـ حين يتأمّل ذاته والآخر والعالم ـ يكتشف أنّه لا يستطيع التخلّص من الشعور الأخلاقي مهما حاول أن ينسلخ من أي مرجعية ميتافيزيقية. هذا الشعور الذي يبدو كأنه نابع من أعماق النفس، لا من مجرّد تعليم خارجي، هو ما يدفع الإنسان إلى التساؤل: لماذا ينبغي أن يكون بعض الأفعال خيرًا وبعضها شرًّا؟ ولماذا يؤثِّر الإنسان على حساب مصلحته؟ ولماذا يشعر بالذنب حين ينحرف عمّا يراه صوابًا؟ هذا الهاجس الأخلاقي لا يكفّ عن ملاحقة الإنسان، سواء كان مؤمنًا أو ملحدًا.
ومن هنا تبرز المفارقة التي تحملها الفقرة المطروحة: إنّ الملاحدة الجدد ـ رغم إنكارهم لوجود إله أو غاية عليا ـ لا يتخلّون عن التأكيد اللفظي على قيمة الأخلاق وحقوق الإنسان والحرية، ويُصرّون على أنّ الإنسان يجب أن يعيش حياة أخلاقية. لكن هذا التأكيد، حين يُفكَّك بمنطق فلسفي ونفسي واجتماعي، يكشف تناقضًا داخليًّا: من أين تأتي هذه القيم؟ وعلى أيّ أساس تُبرَّر؟ وما معيار الخير والشر إذا كان الكون محض تفاعلات عمياء لا قصد لها ولا غاية؟
أولًا: التحليل الفلسفي – معضلة الأساس الأخلاقي
الفلسفة الأخلاقية المعاصرة تعاني من شرخ كبير بين من يرون الأخلاق موضوعية ثابتة، وبين من يرونها مجرد بناء اجتماعي أو انطباعات نفسية. الملاحدة الجدد، مثل دوكينز ودانيت وهاريس وهيتشنز، يتحدّثون عن "حق الإنسان" و"الخير" و"الشر"، لكنهم في الوقت نفسه ينكرون أي وجود لمرجع متعالٍ تُسنَد إليه هذه القيم.
في غياب هذا المرجع، يصبح السؤال منطقيًّا:
إذا كان العالم بلا قصد، والإنسان نتاج صدفة تطورية، فبأي معنى يكون القتل أو الظلم أو التعذيب شرًّا موضوعيًا؟
من هنا تأتي الحُجّة التي تلخّصها الفقرة في ثلاث خطوات:
1. إذا افترضنا أن الأخلاق موضوعية، فلا بدّ لها من أساس موضوعي.
2. الإلحاد لا يوفّر أساسًا موضوعيًا.
3. إذن الأخلاق الموضوعية تنهار في إطار الإلحاد.
ويُلاحظ هنا أنّ هذه الحُجّة، على بساطتها، تشكّل واحدة من أكثر الإشكالات عمقًا في فلسفة الأخلاق. وقد أدّى هذا الإشكال إلى ظهور مدارس فلسفية عديدة حاولت سدّ هذا الفراغ، بدءًا من النفعية (utilitarianism) وصولًا إلى الأخلاق القائمة على العواطف (emotivism)، لكن أيًّا منها لم يتمكّن من تقديم أساس "موضوعي" حقيقي، لأنها جميعًا تدور في فلك النسبي والذاتي.
مثال:
حين انتُقد النازيون على جرائم الحرب، لم يكن المبرّر أن "المجتمع الغربي لا يحبّ القتل الجماعي"؛ بل أن القتل الجماعي شرّ في ذاته. لكن لو كان الإنسان نتاج تطوّر أعمى، فلا قيمة لهذا "في ذاته"، بل هو مجرّد حكم نابع من أدمغة مبرمجة بيولوجيًّا.
ثانيًا: التحليل المنطقي – أين يقف دوكينز؟
يقدّم دوكينز محاولة لتفسير الأخلاق بطريقة تطورية. فهو يرى الإنسان "آلة نجاة" وأنّ الإيثار ما هو إلا إستراتيجية جينية للبقاء. وفق هذا التصوّر، الأفعال التي نصفها بالأخلاقية ليست سوى انعكاس لبرمجة داخلية تهدف للحفاظ على الجينات عبر إيثار الأقارب أو المشاركة المتبادلة.
لكن هنا يظهر تناقض منطقي:
دوكينز يستخدم لغة أخلاقية ("خير"، "شر"، "ظلم")، رغم أنّ نظريته التطورية لا تعترف بأيّ قيمة أخلاقية حقيقية، بل تعتبرها وهماً بيولوجيًا. إذن لماذا يستمر دوكينز باستعمال مفاهيم تنتمي لعالم لا يؤمن بوجوده؟
إنّ تفسير الأخلاق شيء، وتبريرها شيء آخر.
دوكينز يقدّم الأول، ولا يقدّم الثاني.
مثال:
لو اعتدى شخص على آخر، فالتفسير التطوري يقول: غريزة البقاء هي الدافع. لكن التبرير الأخلاقي يقول: هذا الفعل خطأ لأنه ينتهك الحق الإنساني.
التفسير يساعدنا على فهم السلوك، أما التبرير فيساعدنا على تقييمه. الملاحدة كثيرًا ما يقدّمون تفسيرًا، ثم يتحدثون كما لو قدّموا تبريرًا.
ثالثًا: التحليل النفسي – الحاجة الإنسانية إلى المعنى
من منظور نفسي، الإنسان كائن يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن البقاء.
فرويد ويونغ وغيرهم أشاروا إلى أنّ الضمير الأخلاقي ليس مجرّد نتاج بيولوجي، بل هو حاجة نفسية عميقة تتجاوز الوجود المادي. الإنسان يشعر بالذنب؛ والذنب ليس استجابة تطورية ناجحة دائمًا، بل كثيرًا ما يعطّل البقاء.
إيثار الأم التي تُعرّض حياتها للخطر لإنقاذ طفلها ليس "استثمارًا جينيًا" دائمًا، بل تضحية تتجاوز كل حساب مادي.
هذا يشير إلى أنّ الأخلاق في الذات الإنسانية ليست مجرد برمجة، بل تتجاوزها إلى "تسامي" (transcendence) لا تفسير ماديًا بحتًا له.
مثال:
جنود يلقون بأنفسهم فوق قنبلة لإنقاذ رفاقهم.
تفسير هذا الحدث بمعايير المصلحة الجينية أو الإيثار المتبادل يفشل، لأن الجندي يموت فورًا، ولا ينقل أي جينات، ولا يتلقى منفعة مستقبلية، ولا يكون المنقذون أقارب له.
هذا دليل على أن الإنسان يحمل دوافع "لا مادية" تتجاوز إطار البقاء.
رابعًا: التحليل الاجتماعي – الأخلاق كرابط للمجتمع
الاجتماع البشري لا يقف على المصالح فقط، بل يقف على القيم. فالمجتمع الذي تُرفع منه الأخلاق الموضوعية يتحوّل سريعًا إلى فوضى، لأنّ كل فرد سيبحث عن مصلحته الخاصة بلا مرجع أعلى.
المجتمعات الحديثة، حتى حين تبتعد عن الدين، تظل مستندة إلى ما تبقّى من الإرث الديني الذي أسّس قيمًا كالعدالة وحرمة الدم وحقوق الضعفاء. هذه القيم لم تنشأ في إطار مادي صرف، بل جاءت عبر سياقات ميتافيزيقية ودينية طويلة.
لو نظرنا تاريخيًا، نرى أن المجتمعات التي تبنّت فلسفات مادية بالكامل (مثل الاتحاد السوفييتي أو الصين الماوية أو كمبوديا الخمير الحمر) انتهت إلى انهيار أخلاقي عنيف، لأن المرجعية الأخلاقية اختُزلت إلى إرادة الدولة أو "مصلحة الثورة".
خامسًا: التحليل الفلسفي العميق – وهم الأخلاق
حين يخرج ميشيل روس وإدوارد ويلسون ـ وهما من أبرز علماء الأخلاق التطورية ـ ليقولا إنّ الأخلاق وهمٌ مفيد، نكون قد وصلنا إلى أقصى درجات الصراحة الفلسفية في الإطار الإلحادي.
فالأخلاق، بحسب هذا التصوّر، ليست أكثر من "خنجر ماكبث": صورة في الهواء تخدم غرضًا دون أن تكون لها حقيقة.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال وجودي حاد:
كيف يعيش الإنسان حياة ذات معنى إذا كان ضميره مجرّد خدعة؟
وكيف يُطالب الآخر بالالتزام بقيم ليست حقيقية، بل وُضعت فقط لتسهيل التعاون؟
مثال:
إذا كان الظلم مجرد "وهم نافع"، فلماذا نقاومه إذًا؟
وإذا كان القتل مجرد سلوك غير ملائم جينيًا، فما الذي يجعل ضحية الإبادة الجماعية "مظلومة" من الأساس؟
هذه الأسئلة تُظهر أن المجتمع لا يستطيع الاستغناء عن الأخلاق الموضوعية، لأن البديل هو العدمية.
سادسًا: المقارنة مع الرؤية الإيمانية
في المقابل، الرؤية الإيمانية تجعل الأخلاق امتدادًا لإرادة إله حكيم عادل، وتمنح الإنسان أساسًا موضوعيًا للتمييز بين الخير والشر.
هذه المرجعية لا تلغي العقل، بل تمنحه أرضًا ثابتة يقف عليها.
فلو سُئل المؤمن:
"لماذا القتل شرّ؟"
أجاب:
"لأنه ينتهك حقًّا إنسانيًا، ولأنه محرم بأمر من خالق الإنسان، ولأن للإنسان قيمة ذاتية مشتقة من كونه مخلوقًا."
بهذا تكون الأخلاق مرتبطة بقيمة الإنسان المطلقة، لا بقيمة مصلحته التطورية.
سابعًا: خلاصة نفسية – الإنسان يحتاج أكثر من البقاء
الإنسان، منذ وُجد، لم يكن يبحث فقط عن البقاء، بل عن العدل والكرامة والمعنى.
هذه الأشياء لا يُمكن تفسيرها تفسيرًا ماديًا كاملًا، لأنها ليست حاجات بيولوجية، بل رمزية وروحية.
ولهذا، حين تُسقط كل المرجعيات الميتافيزيقية، يبقى الإنسان أمام خيارين:
1. العدمية — كما عبّر عنها نيتشه.
2. أو تأسيس الأخلاق على أساس متعالٍ — كما في الرؤية الإيمانية.
الخاتمة
إنّ الإلحاد، من حيث بنيته الفلسفية، لا يستطيع تقديم أساس موضوعي للأخلاق، لأن الكون من منظوره بلا قصد ولا غاية. وكل محاولة لبناء الأخلاق على التطور أو المنفعة الاجتماعية تنتهي — من الناحية المنطقية — بتحويل الأخلاق إلى "وهم نافع"، لا حقيقة موضوعية.
وبالتالي، فإذا أراد الإنسان اتخاذ موقف أخلاقي ثابت وموضوعي، فلا بدّ له من الاعتراف بمرجع أعلى للأخلاق، مرجع لا يتغيّر بتغيّر الأهواء أو الظروف. وهذا المرجع لا يمكن ـ منطقيًا وفلسفيًا ـ أن يكون إلا إلهًا عليمًا حكيمًا يُسنِد إلى الأفعال قيمتها ويُعطي للحياة الإنسانية معناها.
فمن دون إله، تبقى الأخلاق معلّقة في الهواء، جميلة في ظاهرها، لكن بلا جذرٍ يغذيها ولا أساسٍ يحملها.
