عبد الرحمن الجبرتي الرجل الذي وقف أمام الزمن وكتب

عبد الرحمن الجبرتي الرجل الذي وقف أمام الزمن وكتب
هناك لحظات في التاريخ... لا تبدأ بانفجار مدفع. ولا بدخول جيش. ولا بسقوط مدينة. بل تبدأ حين يجلس رجلٌ وحيدًا... ويمسك بالقلم. لأن العالم من حوله يتغير بسرعةٍ أكبر من قدرة الناس على فهمه. وفي مصر، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان هناك رجلٌ يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن ميادين القوة. لم يكن سلطانًا. ولا قائد جيش. ولا أميرًا من أمراء المماليك. كان عالمًا أزهريًا... اسمه عبد الرحمن بن حسن الجبرتي. وُلد في القاهرة سنة 1754م، في بيتٍ كان العلم فيه جزءًا من الحياة اليومية، وكان والده من علماء الأزهر، يمتلك مكتبة واسعة من الكتب والمخطوطات. وفي ذلك البيت بدأ شيءٌ استثنائي. طفلٌ صغير يتعلم أن العالم لا يُحفظ فقط... بل يُروى. وأن الإنسان قد يموت... لكن كلماته يمكن أن تبقى. حفظ الجبرتي القرآن في سن مبكرة، وجالس العلماء، وقرأ في مكتبة أبيه، ثم اتسعت دائرة نظره من الكتب إلى الناس. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالجبرتي لم يكن مؤرخ القصور وحدها. كان يلتفت إلى العالم الموجود خلف أبواب القصور. إلى الأسواق. إلى العلماء. إلى الفقراء. إلى أصحاب الحرف. إلى العامة. إلى أولئك الذين لا يكتب التاريخ أسماءهم عادةً... لكنهم يدفعون ثمنه. ومن هنا جاءت قوته. فالمؤرخ الذي لا يرى إلا السلطان... يرى نصف الحقيقة. أما الجبرتي، فكان يحاول أن يرى مصر وهي تتحرك من أسفلها إلى أعلاها. كانت مصر في زمن الجبرتي تعيش تناقضًا قاسيًا. بلادٌ عريقة... لكن حكمها مضطرب. حضارةٌ عميقة... لكن السلطة فيها موزعة بين قوى متنافسة. المماليك يتصارعون. والولاة العثمانيون يأتون ويذهبون. والضرائب تثقل كاهل الناس. والفلاح يعيش في عالم مختلف تمامًا عن عالم الأمير. في الأعلى... قصور. وخيل. وسلاح. وثروة. وفي الأسفل... أرضٌ تُزرع، وضرائب تُدفع، ومجاعاتٌ قد تأتي بلا استئذان. وكان الجبرتي يكتب. لا يكتب فقط أسماء المنتصرين. بل يلتقط آثار السلطة على حياة الناس. وهنا تكمن قيمة مشروعه. فالتاريخ عنده ليس سلسلة من المعارك. التاريخ هو ما يحدث للإنسان بعد انتهاء المعركة. من فقد ماله؟ من جاع؟ من صعد؟ من سقط؟ من مات؟ ومن أصبح اسمه في الصفحة... بعد أن كان بالأمس صاحب قرار؟ كان الجبرتي يراقب هذا كله. وكأنه يعرف شيئًا لا يعرفه أصحاب السلطة: أن الزمن لا يحترم أحدًا. ثم جاء عام 1798. كانت مصر تستيقظ... فإذا بالعالم يأتي إليها من البحر. سفن فرنسية. جنود. مدافع. وعلى رأس الحملة... نابليون بونابرت. كان عمر الجبرتي يومها أربعة وأربعين عامًا. أي أنه لم يكن شابًا يتلقى صدمة العالم لأول مرة. كان رجلًا ناضجًا. رأى تقلبات السياسة. وعرف المماليك. وعرف العثمانيين. وعرف كيف يمكن للسلطة أن تبدو أبدية... ثم تنهار. لكن شيئًا في الحملة الفرنسية كان مختلفًا. لأنها لم تأتِ بالسلاح وحده. جاءت ومعها صورة أخرى للعالم. علماء. مهندسون. أجهزة. مطبعة. تنظيم.علوم طبيعية. وأساليب جديدة في الإدارة والمعرفة. وهنا وجد الجبرتي نفسه أمام مفارقة عميقة: كيف يمكن أن يكون القادم غريبًا ومخيفًا... ومثيرًا للإعجاب في الوقت نفسه؟ وهذا تحديدًا ما يجعل الجبرتي أكثر إثارة من مجرد مؤرخ للحملة الفرنسية. فهو لم يكن يكتب من موقع الإعجاب المطلق... ولا من موقع الرفض المطلق. كان يرى التناقض. وكان التناقض نفسه هو الحقيقة. دخل الجبرتي إلى بعض المنشآت التي أقامها الفرنسيون. وشاهد ما عندهم من أدوات ومعارف. وكان قادرًا على أن يعترف بشيء قد يكون الاعتراف به مؤلمًا: أن هناك معرفة جديدة تقف أمامه. رأى اهتمامهم بالعلوم. والتجارب. والأجهزة. والرياضيات. والفلك. ورأى كيف يمكن للعلم أن يتحول من صفحات الكتب... إلى أدوات تُمسك باليد. كان هذا اللقاء صدمة معرفية. ليس لأن الفرنسيين كانوا يمتلكون العلم فقط... بل لأن الجبرتي رأى أمامه طريقة مختلفة في النظر إلى العالم. العلم هنا ليس مجرد معلومات. إنه طريقة في السؤال. طريقة في التجربة. طريقة في الشك. وطريقة في تحويل المجهول إلى شيء يمكن قياسه وفحصه. لكن الجبرتي لم يسمح لهذا الإعجاب أن يمحو حكمه الأخلاقي. فكان يرى أيضًا مظاهر من سلوك الفرنسيين تصطدم بما اعتاده المجتمع المصري المسلم. وهنا تظهر عبقرية الشاهد. هو لا يقول: «كل ما عند هؤلاء باطل.» ولا يقول: «كل ما عند هؤلاء صواب.» بل يسأل، بطريقته: كيف يمكن للإنسان أن يعجب بعلم خصمه... دون أن يتحول إلى تابع له؟ وهذا سؤال يتجاوز الجبرتي. إنه سؤال الحضارات حين تلتقي. كانت الحملة الفرنسية احتلالًا. وهذا لم يغِب عن الجبرتي. كان يرى السلطة الجديدة وهي تحاول أن تبرر وجودها. منشورات. بيانات. وعود. لغة سياسية تحاول أن تقول للمصريين: نحن هنا من أجل شيء... لكن التاريخ لا يُقاس بما تقوله السلطة عن نفسها. بل بما تفعله. ولهذا أخذ الجبرتي يسجل. كلما صدر أمر... كتب. كلما وقعت حادثة... كتب. كلما تغيرت الأحوال... كتب. كان القلم بالنسبة إليه نوعًا من المقاومة. لا لأنه يستطيع إيقاف المدافع. بل لأنه يستطيع أن يمنع المدافع من امتلاك الحقيقة وحدها. فالجيش يستطيع أن يحتل الشوارع. لكن هل يستطيع أن يحتل الذاكرة؟ هنا تبدأ قوة المؤرخ. وفي عهد الجنرال مينو، اتصل الجبرتي بالديوان الذي أنشأه الفرنسيون، وتظهر المصادر توقيعه ضمن أعضاء الديوان سنة 1800. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. المؤرخ الذي يراقب الاحتلال... أصبح جزءًا من مؤسسة أنشأها الاحتلال. هل يعني ذلك أنه أصبح تابعًا؟ ليس بهذه البساطة. فالإنسان الذي يعيش داخل حدث تاريخي لا يستطيع دائمًا أن يقف خارجه. هو يتنفسه. يتعامل معه. ويحاول، وسط ذلك كله، أن يفهمه. وهذا ربما هو أصعب امتحان للمؤرخ: أن يقترب من الحدث بما يكفي ليراه... وأن يبتعد عنه بما يكفي كي لا يصبح جزءًا من روايته. رحل الفرنسيون. لكن الاحتلال لا ينتهي دائمًا عندما ترحل الجيوش. أحيانًا... يبقى في الرأس. يبقى في السؤال. يبقى في المقارنة. يبقى في الإحساس بأن العالم أكبر مما كنا نظن. بعد الحملة الفرنسية، لم تعد مصر هي مصر التي كانت قبلها تمامًا. فقد انكشف شيء. انكشفت قوة أوروبا. وانكشفت هشاشة النظام القائم. وانكشف أيضًا أن العالم يتغير بسرعة...وأن مصر تقف على حافة تحول أكبر. ثم جاء رجل آخر. محمد علي. في عام 1805، ثار المصريون على الوالي خورشيد باشا، وانتهى الأمر بتولي محمد علي حكم مصر. كان محمد علي يحمل مشروعًا مختلفًا. الدولة المركزية. الجيش. الإدارة. الزراعة. الضرائب. التحديث. وبالنسبة إلى البعض، كان هذا بداية بناء دولة حديثة. لكن بالنسبة إلى الجبرتي... كانت المسألة أكثر تعقيدًا. لأن المؤرخ لا يرى فقط ما تبنيه السلطة. بل يرى أيضًا ما تدفعه الشعوب مقابل هذا البناء. ولهذا أصبح الجبرتي ناقدًا لمحمد علي. وهنا تحول المؤرخ من مراقب للتاريخ... إلى رجلٍ قد يصبح هو نفسه جزءًا من صراع التاريخ. هناك سؤال مخيف في حياة كل مؤرخ: ماذا تفعل عندما تصبح الحقيقة التي تكتبها أخطر من الحقيقة التي يريدها الحاكم؟ كان بإمكان الجبرتي أن يكتب تاريخًا يرضي السلطة. أن يمدح. أن يبرر. أن يحذف. أن يصمت. لكن التاريخ الذي لا يستطيع المؤرخ فيه أن يقول «لا»... يتحول إلى نشرةٍ رسمية. والجبرتي لم يكن يريد أن يكون كاتبًا في بلاط المنتصرين. كان يريد أن يكون شاهدًا. ولهذا أصبحت كتاباته عن عصر محمد علي مصدرًا لا غنى عنه، حتى مع ضرورة قراءتها نقديًا، مثل أي مصدر تاريخي. فالجبرتي نفسه لم يكن آلة تصوير محايدة. كان له موقف. وله ميوله. وكان يرى عالم المماليك بعينٍ تحمل شيئًا من الحنين والنقد في آن واحد. وهذه نقطة مهمة. لأن الموضوعية ليست أن يخلو الإنسان من الموقف. الموضوعية الحقيقية هي أن نعرف أن لنا موقفًا... وأن نقرأ النص ونحن نعرف ذلك. كل هذا انتهى إلى عمله الكبير: «عجائب الآثار في التراجم والأخبار». كتابٌ يبدو عنوانه قديمًا... لكن روحه شديدة الحداثة. لأنه لا يكتفي بأن يقول: «حدث كذا في سنة كذا». بل يحاول أن يجعلنا نعيش الزمن. يرصد الحوادث. يترجم للأعيان. يسجل الوفيات. يراقب الأسعار والأحوال. ينقل أخبار العلماء والأمراء والعامة. ويترك لنا، من خلال التفاصيل الصغيرة، صورة مجتمع كامل. وهنا تكمن عظمة الكتاب. فأحيانًا... لا يخبرك التاريخ عن انهيار عصره من خلال معركة كبرى. بل من خلال ارتفاع سعر الخبز. أو انتشار وباء. أو موت عالم. أو اختفاء عادة. أو ظهور شيء جديد في الشارع. التاريخ الحقيقي... يسكن التفاصيل. ولو أردنا أن نقرأ الجبرتي اليوم، لا بوصفه مؤرخًا فقط... بل بوصفه فيلسوفًا للزمن... فسنكتشف شيئًا أعمق. الجبرتي كان يعيش في لحظة سقوط عالم وولادة عالم. وكان يعرف، ربما أكثر مما يعرف أبطال ذلك العصر أنفسهم، أن الإنسان غالبًا لا يدرك قيمة عصره إلا بعد أن ينتهي. نحن لا نشعر بالزمن وهو يمضي. نحن نشعر به عندما يعود إلينا على هيئة ذكرى. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح المؤرخ حارسًا للإنسان. لأن السلطة تتذكر انتصاراتها. والجيوش تتذكر معاركها. والملوك يتذكرون أسماءهم. أما المؤرخ... فيحاول أن يتذكر أولئك الذين لم يكن أحدٌ مهتمًا بتذكرهم. قد يسأل أحدهم: لماذا نهتم برجلٍ مات قبل قرنين؟ لأن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث في زمن الجبرتي؟ بل: كيف يعيش الإنسان عندما يتغير العالم من حوله؟ هذا السؤال لم يمت. السلطات تتغير. التقنيات تتغير. الحدود تتغير. الأفكار تتغير. لكن الإنسان... ما زال يخاف من المجهول. ما زال يبحث عن معنى لما يحدث. وما زال يحاول أن يعرف: هل نحن نصنع التاريخ؟ أم أن التاريخ يصنعنا؟ الجبرتي لم يمتلك الإجابة. لكنه امتلك شجاعة السؤال. في النهاية... لم يكن عبد الرحمن الجبرتي أقوى رجل في مصر. ولم يكن يملك جيشًا. ولا قصرًا. ولا عرشًا. كان يملك شيئًا أكثر هشاشة... وأكثر بقاءً. كان يملك الذاكرة. كتب بينما كانت الإمبراطوريات تتبدل. وكتب بينما كانت المدافع تتكلم. وكتب بينما كان المماليك يسقطون... والفرنسيون يأتون ويرحلون... ومحمد علي يصعد... وعصر كامل يطوي صفحته. وربما كانت أعظم مفارقة في حياته... أن الرجل الذي حاول أن يسجل موت عصره... أصبح هو نفسه جزءًا من العصر الذي لا يموت. لقد رحل الجبرتي. لكن القلم بقي. وبقيت معه القاهرة... لا كما أرادها الحكام أن تُروى، بل كما رآها إنسانٌ عاش وسطها... وخاف عليها... واختلف معها... وأحب معرفتها... ثم ترك لنا تلك الأوراق وكأنه يقول: قد يستطيع المنتصر أن يكتب أول سطر في التاريخ... لكن ليس بالضرورة أن يكتب آخره. فآخر كلمة... قد تكون دائمًا من نصيب من شاهد. ومن تذكّر. ومن امتلك شجاعة أن يقول: هذا ما رأيت. وهكذا... لم يكن الجبرتي مجرد مؤرخ للحملة الفرنسية. ولا مؤرخًا للمماليك. ولا شاهدًا على صعود محمد علي. كان شاهدًا على شيء أكبر: على اللحظة التي اكتشف فيها المصريون أن عالمهم القديم ليس خالدًا... وأن التاريخ، حين يطرق الباب، لا يسأل أحدًا إن كان مستعدًا لفتحه. مراجع مقترحة للاعتماد في النسخة النهائية 1. عبد الرحمن الجبرتي، «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» — وهو المصدر الأول والأهم؛ خصوصًا الأجزاء التي تتناول الحملة الفرنسية وأوائل عهد محمد علي. النص متاح في نسخة قانونية عبر مؤسسة هنداوي. 2. ، «نابوليون بونابارت في مصر» — مفيد لمقارنة رواية الجبرتي بالسياق العام للحملة الفرنسية، وللتثبت من وصفه للمرحلة بوصفها تحولًا عنيفًا في تاريخ مصر. 3. دراسة «تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية» — مهمة لتوثيق صلة الجبرتي بالفرنسيين، والديوان الذي شارك فيه، وطبيعة الاتصال بين علماء مصر وعلماء الحملة. 4. دراسة «التاريخ والجغرافيا في النهضة الأخيرة» — تفيد في وضع «عجائب الآثار» ضمن تطور الكتابة التاريخية العربية، وتوضح أنه يؤرخ للأحداث وفق تسلسلها ويولي عناية كبيرة للتراجم والحوادث اليومية. 5. «مصر قبل الحملة الفرنسية» — مصدر مساعد لفهم البيئة السياسية والاجتماعية التي عاش فيها الجبرتي، وخاصة صراع المماليك وأوضاع الفلاحين والضرائب والاختلال الإداري. 6. دراسة «الحملة الفرنسية» ضمن تاريخ الحركة الثقافية والترجمة في مصر — مفيدة لفهم الأثر الثقافي والعلمي للحملة، لا العسكري والسياسي وحده.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال