الأفعال الناسخة الناقصة «كان وأخواتها» في النحو العربي دراسة وصفية تطبيقية في المعنى والعمل والشواهد

الأفعال الناسخة الناقصة «كان وأخواتها» في النحو العربي دراسة وصفية تطبيقية في المعنى والعمل والشواهد
مقدمة تتميّز اللغة العربية بثراء نظامها النحوي ودقّة أدواتها التعبيرية، ومن أبرز هذه الأدوات الأفعال الناسخة الناقصة، المعروفة في كتب النحو باسم «كان وأخواتها». وهي أفعال تدخل على الجملة الاسمية، فتُحدث فيها تغييرًا إعرابيًا ودلاليًا؛ فترفع المبتدأ ويسمّى اسمها، وتنصب الخبر ويسمّى خبرها. ولا يقتصر أثر هذه الأفعال على الحركة الإعرابية، بل يتجاوزها إلى بيان الزمن والحال والاستمرار والتحوّل والنفي. فقولنا: «الجوُّ معتدلٌ» جملة اسمية تدل على ثبوت الخبر للمبتدأ، فإذا قلنا: «كان الجوُّ معتدلًا» انتقل المعنى إلى الزمن الماضي، وإذا قلنا: «أصبح الجوُّ معتدلًا» ارتبط المعنى بوقت الصباح، وإذا قلنا: «صار الماءُ بخارًا» أفاد الكلام التحوّل والانتقال من حال إلى حال. ومن هنا تظهر أهمية «كان وأخواتها»؛ فهي ليست أدوات جامدة تُضاف إلى الجملة دون أثر، بل هي مفاتيح دقيقة تفتح أمام المتكلم آفاقًا واسعة للتعبير عن الزمن، والاستمرار، والنفي، والتحوّل، والدوام. أولًا: مفهوم الأفعال الناسخة الناقصة الأفعال الناسخة الناقصة هي أفعال تدخل على الجملة الاسمية، فتنسخ حكم المبتدأ والخبر، على النحو الآتي: المبتدأ ← اسم الفعل الناسخ، وهو مرفوع. الخبر ← خبر الفعل الناسخ، وهو منصوب. مثل: كان الطالبُ مجتهدًا. • كان: فعل ماضٍ ناقص ناسخ. • الطالبُ: اسم كان مرفوع. • مجتهدًا: خبر كان منصوب. وسُمّيت هذه الأفعال ناقصة لأنها، في الغالب، لا تكتفي بمرفوعها، بل تحتاج إلى خبر يتمّم معناها. فإذا قلنا: «كان الطالبُ» بقي السامع منتظرًا خبرًا يوضح حال الطالب أو صفته. ومع ذلك، قد تأتي بعض هذه الأفعال تامة في مواضع معينة، فتكتفي باسمها، ويكون معناها قريبًا من معنى الفعل الكامل، بحسب السياق. وتتكوّن أشهر مجموعة «كان وأخواتها» من الأفعال الآتية: كان، أصبح، أضحى، أمسى، بات، ظل، صار، ليس، ما زال، ما برح، ما انفك، ما فتئ، ما دام. ثانيًا: عمل «كان وأخواتها» تدخل هذه الأفعال على الجملة الاسمية فتغيّر إعراب ركنيها، وفق القاعدة الأساسية: ترفع الاسم وتنصب الخبر. ومن أمثلة ذلك: • كان العلمُ نورًا. • أصبح الطالبُ نشيطًا. • أضحى الطريقُ مزدحمًا. • أمسى المسافرُ متعبًا. • بات الطفلُ مطمئنًا. • ظل العاملُ نشيطًا. • صار الحديدُ سائلًا. • ليس الظلمُ باقيًا. • ما زال الأملُ حيًّا. إن الاسم الذي يأتي بعد الفعل الناسخ لا يفقد مكانته الأساسية في الجملة، بل ينتقل من كونه مبتدأ إلى اسم للفعل الناسخ، أما الخبر فينتقل من كونه خبرًا للمبتدأ إلى خبر للفعل الناسخ. وهذا التحوّل يشبه انتقال الضوء من نافذة إلى أخرى؛ فالعناصر نفسها تبقى، لكن زاوية النظر إليها تتغيّر، ويتغيّر معها المعنى والزمن والدلالة. ثالثًا: أقسام «كان وأخواتها» من حيث التصرّف يقسّم النحاة هذه الأفعال إلى ثلاثة أنواع رئيسة: تامة التصرف، وناقصة التصرف، وجامدة. 1. الأفعال تامة التصرف وهي الأفعال التي يأتي منها الماضي والمضارع والأمر، ومن أشهرها: أ- كان يقال: • كان. • يكون. • كن. مثل: • كان الطالبُ مجتهدًا. • يكون الصدقُ منجاةً. • كن صادقًا. وتفيد «كان» في أصل استعمالها اتصاف الاسم بالخبر في الزمن الماضي، وقد يدلّ السياق على استمرار المعنى أو تجدده. ومن القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فـ«كان» هنا لا يراد بها انقطاع صفة المغفرة والرحمة، بل تدل، بحسب السياق، على ثبوت الصفة واستمرارها. ب- أصبح يقال: • أصبح. • يصبح. • أصبِح. وتفيد في أصل معناها حصول الخبر في وقت الصباح. مثل: أصبح الجوُّ معتدلًا. وقد تستعمل مجازًا للدلالة على التحوّل إلى حال جديدة، دون أن يكون وقت الصباح مقصودًا على وجه التحديد. ومن القرآن الكريم: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. فالمعنى يدل على انتقال صاحب الحال إلى الندم. ج- أضحى يقال: • أضحى. • يضحى. • أضحِ. وتفيد حدوث الخبر في وقت الضحى. مثل: أضحى الحقلُ أخضرَ. وقد تستعمل للدلالة على الصيرورة أو الانتقال إلى حالة جديدة. د- أمسى يقال: • أمسى. • يمسي. • أمسِ. وتفيد في أصلها حصول الخبر في المساء. مثل: أمسى المسافرُ متعبًا. ويقال أيضًا: أمسى الإنسانُ أكثرَ وعيًا بالتحديات. وهنا لا يراد المساء الزمني وحده، بل التحوّل إلى حالة جديدة. هـ- بات يقال: • بات. • يبيت. • بِت. وتفيد حصول الخبر في الليل. مثل: بات الطفلُ هادئًا. ومن الاستعمال الأدبي قول الشاعر: باتَ يُؤرِّقُني همٌّ ويُسهرني كأنّ في القلبِ نارًا ليس تخبوها وفي هذا الاستعمال تتصل دلالة «بات» بظرف الليل، فتمنح الصورة الشعرية ظلالًا من السهر والقلق. و- ظل يقال: • ظل. • يظل. • ظللْ. وتفيد في أصلها استمرار الحدث في النهار. مثل: ظلَّ العاملُ مجتهدًا. وقد تتسع دلالتها لتفيد الاستمرار عامةً. ومن القرآن الكريم: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. ويظهر في هذا الاستعمال معنى استمرار الحال. ز- صار يقال: • صار. • يصير. • صِر. وتعد «صار» من أكثر الأفعال وضوحًا في الدلالة على التحوّل والانتقال من حال إلى حال. مثل: • صار الماءُ بخارًا. • صار الطفلُ رجلًا. • صار الجهلُ علمًا بالقراءة والتعلّم. فـ«صار» ترسم في الجملة حركةً زمنية؛ إذ لا تصف الشيء في حالته فقط، بل تشير إلى الطريق الذي انتقل فيه من صورة إلى صورة. رابعًا: الأفعال ناقصة التصرف الأفعال ناقصة التصرف هي التي لا تأتي منها، في الاستعمال النحوي الشائع، جميع صيغ الفعل الثلاث، بل يقتصر استعمالها على الماضي والمضارع. ومنها: 1 - ما زال تفيد الاستمرار، وغالبًا تسبق بنفي أو شبهه. مثل: ما زال الطالبُ مجتهدًا. أي: استمر الطالب على الاجتهاد. ومن القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. وتفيد الآية استمرار الاختلاف. 2 - ما برح تفيد الاستمرار أيضًا. مثل: ما برح الباحثُ مثابرًا على عمله. أي: لم ينقطع عن المثابرة. ومن القرآن الكريم: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾. فالفعل هنا يدل على الاستمرار والثبات على الموقف. 3 - ما انفك تفيد استمرار الخبر للاسم. مثل: ما انفكّ الإنسانُ باحثًا عن المعرفة. فالإنسان، منذ عرف السؤال، وهو يمد يده نحو المجهول، يحاول أن يحوّل العتمة إلى معرفة، والدهشة إلى يقين. 4 - ما فتئ تفيد كذلك الاستمرار وعدم الانقطاع. مثل: ما فتئ العلماءُ يسعون إلى خدمة الإنسانية. ومن القرآن الكريم: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. أي: لا تزال تذكر يوسف، في دلالة واضحة على استمرار الذكر والحزن. وهذه الأفعال جميعًا تمنح الجملة معنى الامتداد الزمني؛ فكأن الفعل فيها خيط يصل الماضي بالحاضر، ولا ينقطع إلا حين تنتهي الحال التي يدل عليها الخبر. خامسًا: الأفعال الجامدة الأفعال الجامدة هي التي تلزم صورة واحدة، ولا تتصرف تصرف الأفعال الأخرى. ومن أشهرها: ليس، وما دام. 1 - ليس تستعمل «ليس» للنفي. مثل: ليس الكذبُ طريقًا إلى النجاح. فـ«ليس» تنفي ثبوت الخبر للاسم. ومن القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وفي الآية نفيٌ للمماثلة على وجهٍ بليغ. وفي الحديث النبوي الشريف: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». فقد نفت «ليس» مفهوم القوة الجسدية المجردة، وأثبت الحديث مفهومًا أعمق للقوة، وهو القدرة على ضبط النفس. 2 - ما دام تفيد معنى المدة والظرفية الزمنية، وتأتي غالبًا بعد «ما» المصدرية الظرفية. مثل: أحبُّ العلمَ ما دام العلمُ نافعًا. ومن القرآن الكريم: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. فالمعنى: مدة دوامي حيًّا. ومن الأخطاء الشائعة عدُّ بعض التراكيب، مثل «ما ظل»، فعلًا جامدًا مستقلًا من أخوات «كان». والصواب أن «ظل» فعل متصرف، أما «ما» فقد تدخل عليه بحسب السياق، ولا تجعل منه فعلًا جامدًا مستقلًا. سادسًا: اسم الفعل الناسخ يمكن أن يأتي اسم الفعل الناقص في صور متعددة، منها: 1 - اسم ظاهر مثل: كان الطالبُ مجتهدًا. فالطالبُ: اسم كان مرفوع. ومن القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. فلفظ الجلالة: اسم كان مرفوع. 2 - ضمير متصل مثل: كنتُ سعيدًا. فالتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع اسم «كان». ومثل: كنا مستعدين. فـ«نا»: ضمير متصل في محل رفع اسم كان. 3 - ضمير مستتر مثل: كنْ صادقًا. فاسم «كن» ضمير مستتر تقديره «أنت». ويحتاج هذا النوع إلى الانتباه؛ لأن الاسم لا يظهر في الجملة لفظًا، لكنه حاضر في معناها وتقديرها. 4 - مصدر مؤول وقد يأتي اسم الفعل الناسخ مصدرًا مؤولًا في بعض التراكيب بحسب السياق النحوي. مثل: كان أنْ ينجحَ الطالبُ أمرًا متوقعًا، في بعض التخريجات والتراكيب. والأصل أن المصدر المؤول يتكون من أداة مصدرية وما بعدها، ويؤول بمصدر صريح، غير أن تحديد موقعه الإعرابي يتطلب النظر في بناء الجملة كاملة. سابعًا: خبر الفعل الناسخ لا يقتصر خبر «كان وأخواتها» على صورة واحدة، بل يأتي في أشكال متعددة. 1 - الخبر المفرد والمقصود بالمفرد هنا ما ليس جملة ولا شبه جملة، وليس المقصود المفرد مقابل المثنى والجمع فقط. مثل: كان الطالبُ مجتهدًا. مجتهدًا: خبر كان منصوب. ومن القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فـ«عليمًا» و«حكيمًا» خبران لـ«كان» منصوبان. 2 - الخبر جملة اسمية مثل: كان الطالبُ أخلاقُه كريمةً. فالجملة الاسمية «أخلاقه كريمة» في محل نصب خبر كان. ويحتاج هذا النوع غالبًا إلى رابط يربط جملة الخبر باسم الفعل الناسخ. 3 - الخبر جملة فعلية مثل: كان الطالبُ يدرسُ بجدٍّ. فالجملة الفعلية «يدرس بجد» في محل نصب خبر كان. ومن القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. فالجملة الفعلية في محل نصب خبر «كان». 4 - الخبر شبه جملة ويأتي جارًّا ومجرورًا أو ظرفًا. مثل: كان الكتابُ على الطاولة. فـ«على الطاولة»: شبه جملة في محل نصب خبر كان. ومثل: كان الطلابُ أمامَ المدرسة. فـ«أمام المدرسة»: ظرف ومضاف إليه، وشبه الجملة في محل نصب خبر كان. وهنا يظل الخبر واسعًا في صورته، قادرًا على أن يحمل المكان والزمان والاتجاه، وأن يجعل الجملة أكثر اتصالًا بالمشهد الذي تصفه. ثامنًا: إعراب اسم «كان» وخبرها أولًا: رفع اسم «كان» يرفع اسم كان وعلامة رفعه تختلف بحسب نوعه: الضمة الظاهرة إذا كان: • مفردًا. كان الطالبُ حاضرًا • جمع مؤنث سالمًا. كانت الطالباتُ مجتهداتٍ • جمع تكسير. كان الرجالُ واقفين الضمة المقدرة إذا كان الاسم: • مقصورًا. • أو منقوصًا في المواضع التي تقتضي ذلك. مثل: كان الفتى كريمًا. فالفتى: اسم كان مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر. الألف إذا كان مثنى: كان الطالبانِ مجتهدَيْنِ. فالطالبان: اسم كان مرفوع بالألف لأنه مثنى. الواو إذا كان جمع مذكر سالمًا: كان المعلمونَ مخلصين. وإعراب «المعلمون»: اسم كان مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. ثانيًا: نصب خبر «كان» الفتحة الظاهرة إذا كان الخبر مفردًا أو جمع تكسير. مثل: كان الطالبُ مجتهدًا. و: كان الجنودُ أبطالًا. الفتحة المقدرة إذا كان الاسم المقصور مانعًا من ظهور الفتحة. مثل: كان الفتى قويًّا. ويُلاحظ هنا أن الضبط الإعرابي يتحدد بحسب طبيعة الكلمة وعلامتها الأصلية. الياء إذا كان الخبر: مثنى. كان الطالبانِ مجتهدَيْنِ. • أو جمع مذكر سالمًا. كان المعلمونَ مخلصين الكسرة إذا كان الخبر جمع مؤنث سالمًا: كانت الطالباتُ مجتهداتٍ. فـ«مجتهداتٍ»: خبر كان منصوب بالكسرة نيابةً عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ومن المهم التمييز بين خبر كان المنصوب وبين الحالات التي تتأثر فيها الكلمة بعوامل أخرى، مثل حروف الجر الزائدة؛ إذ لا يصح تعميم قاعدة واحدة على جميع التراكيب دون النظر إلى العامل النحوي والسياق. تاسعًا: شواهد من القرآن الكريم والحديث والشعر تزداد القاعدة وضوحًا حين نراها حيّة في النصوص الفصيحة؛ فالقاعدة ليست سطرًا في كتاب، وإنما هي نظام ينبض في القرآن والحديث والشعر. من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. • كان: فعل ماضٍ ناقص. • الله: اسم كان مرفوع. • غفورًا: خبر كان منصوب. • رحيمًا: خبر ثانٍ منصوب، أو نعت لـ«غفورًا» بحسب التخريج. وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾. فـ«أصبح» هنا تدل على انتقال الفؤاد إلى حالة من الفراغ والذهول. وقال تعالى: ﴿لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. وفيها دلالة واضحة على الاستمرار. وقال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. وفيها معنى الاستمرار مدة الحياة. من الحديث النبوي الشريف ورد في الحديث: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ». وفيه استعمال «كان» في سياق عقدي يبين وجود الله سبحانه قبل وجود المخلوقات. كما ورد: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». وفيه أسلوب نفي بـ«ليس»، ثم إعادة تعريف لمعنى القوة؛ فالقوة الحقيقية ليست غلبة الجسد فحسب، بل غلبة النفس لنفسها عند اشتعال الغضب. من الشعر العربي قال المتنبي: وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ وإن كثرتْ في عينِ مَن لا يجرّبُ وفي مثل هذه التراكيب تتجلى أهمية أدوات النحو في بناء الصورة الشعرية ؛ إذ إن تغير الفعل الناسخ أو حذفه قد يغير الزمن والإيحاء. ويمكن أن نقول على نسق التعبير الشعري: كانَ الشبابُ ربيعًا في ملامحِنا وصارَ حلمُ الليالي اليومَ تذكارا فـ«كان» تستدعي زمنًا مضى، و«صار» تنقل الصورة إلى تحوّل جديد. وهكذا تتحرك اللغة بين ذاكرة الأمس وتحولات الحاضر. عاشرًا: أمثلة تطبيقية مع الإعراب المثال الأول كانَ الطالبُ مجتهدًا. • كان: فعل ماضٍ ناقص ناسخ مبني على الفتح. • الطالبُ: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. • مجتهدًا: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. المثال الثاني أصبحَ العاملانِ نشيطَيْنِ. • أصبح: فعل ماضٍ ناقص ناسخ. • العاملان: اسم أصبح مرفوع بالألف لأنه مثنى. • نشيطين: خبر أصبح منصوب بالياء لأنه مثنى. المثال الثالث كانَ المعلمونَ مخلصينَ. • كان: فعل ماضٍ ناقص. • المعلمون: اسم كان مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. • مخلصين: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. المثال الرابع كانتِ الطالباتُ مجتهداتٍ. • كانت: فعل ماضٍ ناقص ناسخ، والتاء للتأنيث. • الطالبات: اسم كان مرفوع بالضمة. • مجتهدات: خبر كان منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. المثال الخامس ما زالَ الأملُ حيًّا. • ما: حرف نفي. • زال: فعل ماضٍ ناقص ناسخ. • الأمل: اسم زال مرفوع. • حيًّا: خبر زال منصوب. والجملة ترسم معنى الاستمرار؛ فالأمل لا يقف عند لحظة واحدة، بل يمتد كخيط من نور في وجه الزمن. حادي عشر: الأبعاد الدلالية لـ«كان وأخواتها» لا ينبغي دراسة هذه الأفعال بوصفها قواعد إعرابية فقط، لأن لكل فعل منها ظلًا معنويًا خاصًا: • كان: ترتبط بالماضي أو بثبوت الصفة بحسب السياق. • أصبح: تفيد الصباح أو التحوّل. • أضحى: تفيد وقت الضحى أو الصيرورة. • أمسى: تفيد المساء أو الانتقال إلى حال. • بات: ترتبط بالليل. • ظل: تفيد الاستمرار، وأصلها الاتصال بالنهار. • صار: تفيد التحوّل. • ما زال وأخواتها: تفيد الاستمرار. • ليس: تفيد النفي. • ما دام: تفيد امتداد الحكم مدة دوام الحال. وبذلك تبدو هذه الأفعال كأنها ساعات دقيقة داخل الجملة؛ فكل فعل منها يحدد زمنًا أو حالة أو حركة. إن «كان» تستدعي الماضي، و«صار» ترسم التحول، و«ما زال» تمد الخيط عبر الزمن، و«ليس» تفتح باب النفي، أما «ما دام» فتربط المعنى بمدة بقائه واستمراره. خاتمة تُعدّ الأفعال الناسخة الناقصة، أو «كان وأخواتها»، من أهم أبواب النحو العربي؛ لأنها تجمع بين الدقة الإعرابية والثراء الدلالي. فهي تدخل على الجملة الاسمية فترفع اسمها وتنصب خبرها، لكنها لا تكتفي بهذا الأثر الشكلي، بل تضيف إلى الكلام معاني الزمن والاستمرار والتحول والنفي والدوام. وتتنوّع هذه الأفعال بين تامة التصرف، وناقصة التصرف، وجامدة، كما تتعدد صور اسمها وخبرها وعلاماتهما الإعرابية. وتؤكد الشواهد القرآنية والنبوية والشعرية أن هذه القاعدة جزء حي من نسيج العربية، لا مجرد أحكام تحفظ في كتب النحو. وهكذا تبقى «كان وأخواتها» شاهدًا على مرونة العربية وقدرتها على رسم الزمن في العبارة؛ فالجملة معها لا تقول فقط ماذا كان الشيء، بل تكشف متى كان، وكيف استمر، وإلى أي حال صار. وبين «كان» التي تستحضر الأمس، و«صار» التي تصف التحول، و«ما زال» التي تحفظ استمرار الأمل، تمتد اللغة العربية واسعةً كالنهر، تحمل في قواعدها دقة العقل، وفي ألفاظها موسيقى الحياة. المراجع 1. القرآن الكريم. 2. صحيح البخاري، كتاب الأدب. 3. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. 4. ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك. 5. ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. 6. عباس حسن، النحو الوافي. 7. مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية. 8. فاضل صالح السامرائي، معاني النحو.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال