الممنوع من الصرف:
دراسة نحوية أدبية
تمهيد
تُعدّ العربية لغة الإعجاز والبيان، جمعت بين دقّة القواعد وجمال التركيب، ومن أبرز أبوابها النحوية التي تميّزت بالدقة باب الممنوع من الصرف، وهو بابٌ يُظهر ثراء العربية في التمييز بين الأبنية والألفاظ. وقد اهتمّ به النحاة منذ سيبويه والخليل والفرّاء، وعدّوه من دلائل عظمة اللغة وعمق نظامها الصرفي.
يقول ابن جني في الخصائص:
"اعلم أن الصرف إنما وُضع لمعرفة أبنية الكلام، والتمييز بين الأصول والزوائد، فما نُزع عن الصرف إلا لخصوصٍ فيه."
ولذلك، فإن فهم الممنوع من الصرف لا يقتصر على معرفة قاعدةٍ نحوية، بل يتعدّاها إلى إدراك سرٍّ من أسرار النظام اللغوي العربي.
أولاً: تعريف الممنوع من الصرف
الممنوع من الصرف هو الاسم المعرب الذي لا يقبل التنوين، وتكون علامة جره الفتحة عوضًا عن الكسرة، ولا يُجرّ بالكسرة إلا في حالات مخصوصة.
وقد عرّف الخليل بن أحمد الفراهيدي الصرف بأنه التنوين، فقال:
“كلّ ما لا يُنوَّن فهو غير مصروف”.
أما في الاصطلاح النحوي، فالمقصود بالصرف هو التغيير في بنية الكلمة لتدلّ على معانٍ نحوية أو صرفية جديدة، فإذا مُنع الاسم من هذا التغيير )أي من التنوين والجرّ بالكسرة)، قيل: ممنوع من الصرف.
ثانياً: أسباب منع الاسم من الصرف
منع العرب بعض الأسماء من الصرف لوجود علّةٍ واحدة أو علتين، إما لفظية، وإما معنوية، أو لاجتماعهما.
فالممنوع من الصرف لعلة واحدة مثل ما خُتم بألف التأنيث أو كان على صيغة منتهى الجموع.
أما لعلّتين، فغالبًا ما تكون إحداهما معنوية )كالعلَمية أو الوصفية)، والأخرى لفظية )كزيادة الألف والنون أو وزن الفعل أو التأنيث أو العجمة)
ثالثاً: أنواع الممنوع من الصرف
ينقسم الممنوع من الصرف إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
1. العَلَم الممنوع من الصرف
2. الاسم المؤنث الممنوع من الصرف
3. الصفة الممنوعة من الصرف
وسنستعرض كلّ قسمٍ بشيءٍ من التفصيل، مقرونًا بالأمثلة والشواهد.
أولاً: العَلَم الممنوع من الصرف
1. العلم الأعجمي
يُمنع الاسم الأعجمي من الصرف إذا كان أعجميًّا زائدًا على ثلاثة أحرف، مثل: إبراهيمَ، إسماعيلَ، يعقوبَ، يوسفَ، لندنَ.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ )غافر: 34)
فـ يوسفَ اسم علم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وعلامة جره الفتحة.
2. الاسم المركب تركيبًا مزجيًا
مثل: نيويورك، بعلبكّ، حضرموت.
تُمنع هذه الأسماء من الصرف لأنها رُكِّبت من كلمتين فصارت كالكلمة الواحدة.
3. العلم المزيد بألف ونون زائدتين
مثل: عثمانَ ، سلمانَ ، نعمانَ.
قال الشاعر:
وسلمانُ الفتى الطهرُ التقيُّ *** سليلُ المجدِ والعِزِّ المؤثَّلِ
فالاسم سلمان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
4. العلم على وزن الفعل
كالأسماء: أحمد، يشكر، يزيد.
قال تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ )الفتح: 29)
فـ محمد على وزن مفعّل من مادة حمد، وهو ممنوع من الصرف لأنه علم على وزن الفعل.
5. العلم المذكر الثلاثي على وزن فُعَل
مثل: عُمَر، زُفَر، قُزَح.
وهذا الوزن خاص بالعلم المذكر، ويُمنع من الصرف لشبهه بالفعل في الوزن.
ثانياً: الأسماء المؤنثة الممنوعة من الصرف
1. ما ختم بألف التأنيث المقصورة
مثل: نُعْمى، سَلْمى، حُبْلى.
قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ )الشرح: 5-6)
وفي التأمل في كلمة العسر واليسر نرى كيف يقترن المعنى اللغوي بالدقة النحوية، ولو كانت مثل سلمى لجرت بالفتحة لعلة التأنيث المقصور.
2. ما ختم بألف التأنيث الممدودة
مثل: صحراء، حمراء، زهراء.
قال الشاعر:
صحراءُ قاحلةٌ ولكنْ *** في الرُّوحِ تنبُتُ ألفُ زهراءَ
فـ صحراء و زهراءَ ممنوعة من الصرف لأنها مختومة بألف التأنيث الممدودة.
3. الاسم المؤنث بالتاء
سواء أكان التأنيث حقيقيًا مثل فاطمة، أم لفظيًا مثل معاوية.
قال تعالى:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ )التحريم: 12)
فـ مريم مؤنثة علمًا وإن لم تُختم بتاء، فهي ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث.
ثالثاً: الصفة الممنوعة من الصرف
1. ما جاء على وزن فَعْلان
مثل: غضبان، عطشان، جوعان، سكران.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ )النمل: 40)
وفي موضع آخر وردت صفة غضبان في قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ )الأعراف: 150)
فـ غضبانَ صفة ممنوعة من الصرف لأنها على وزن فعلان الذي لا تلحقه تاء تأنيث.
2. ما جاء على وزن أفعَل
مثل: أكبر، أحسن، أفضل، أسبق.
قال تعالى:
﴿اللَّهُ أَكْبَرُ﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ )الأحزاب: 51)
وتمنع هذه الصفات من الصرف إذا لم تُؤنّث، أما إذا كانت مؤنثة مثل كبرى وصغرى فتُصرف.
3. صيغ العدد من “أُحاد” إلى “عُشار”
مثل: ثُلاث، رُباع، خُماس.
قال تعالى:
﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ )فاطر: 1)
فهذه الصيغ ممنوعة من الصرف لأنها صفات معدولة.
4. كلمة “أُخَر”
مثل قوله تعالى:
﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ )البقرة: 184)
وهي جمع أخرى، ممنوعة من الصرف للعدل والوصفية.
رابعاً: صيغة منتهى الجموع
وهي كل جمع تكسير في وسطه ألف ساكنة بعدها حرفان أو ثلاثة أحرف، نحو:
مساجد، مصابيح، منابر، مدارس، مفاتيح.
قال تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ )النور: 36)
والمقصود بها المساجد، وهي ممنوعة من الصرف لأنها على وزن مفاعِل، وهو من صيغ منتهى الجموع.
خامساً: حالات صرف الممنوع من الصرف
قد يُصرَف الاسم الممنوع في بعض الحالات، أي يُجرّ بالكسرة ويُنوَّن، وذلك في موضعين اثنين:
1. إذا دخلت عليه أل التعريف
مثل:
o سلّمتُ على التلميذِ الأسبقِ.
o زرتُ المدارسَ الكبيرةَ.
فوجود "أل" أزال سبب المنع، فصُرفت الكلمة.
2. إذا أُضيف إلى اسمٍ بعده
مثل:
o مررتُ بأسبقِ الطلابِ.
o سرتُ في صحراءِ العربِ.
فالإضافة أيضًا ترفع المنع، فتُجر الكلمة بالكسرة.
سادساً: أمثلة تطبيقية على الإعراب
1. سافرتُ إلى لندنَ
o سافرتُ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء فاعل.
o إلى: حرف جر.
o لندنَ: اسم مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
2. ذهبتُ مع أحمدَ إلى ثلاثةِ مساجدَ
o أحمدَ: ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
o مساجدَ: ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع.
3. عطفتْ أملُ على حيوانٍ عطشانَ
o عطشانَ: مجرور بالفتحة لأنه صفة على وزن فعلان.
سابعاً: لمحة بلاغية
يُضفي الممنوع من الصرف على العربية جرسًا خاصًّا ونغمةً إيقاعية، خصوصًا في القرآن الكريم والشعر، إذ يمنح الوزن اللغوي مرونةً موسيقيةً.
فمثلاً قوله تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾
يأتي بجرسٍ قويٍّ فخمٍ لا يمكن استبداله بتنوينٍ أو صرفٍ دون إخلالٍ بالموسيقى اللفظية.
وفي الشعر، يقول المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ *** وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فكلمة الكرامِ مصروفة، بينما لو قال كرامَ على وجه المنع من الصرف لتغيّر الوزن العروضي، مما يدلّ على حسّ الشاعر في استعمال الصرف حيث يقتضيه الجمال.
ثامناً: الخلاصة
يتبيّن لنا أن الممنوع من الصرف ظاهرة نحوية وصرفية تجمع بين المنطق والدقة، وقد وُضعت لضبط نظام العربية وحمايته من الاضطراب.
وتقوم هذه الظاهرة على عللٍ صوتية وصرفية ومعنوية جعلت بعض الأسماء تُخرَج عن الأصل في التنوين والجرّ، مع بقاء معناها وإعرابها ثابتين في البنية النحوية.
ولذلك، فإن دراستها تُسهم في إتقان اللغة فهمًا ونطقًا وكتابةً، وتُظهر كيف تتداخل القواعد النحوية مع البلاغة والإيقاع القرآني والشعري في نسيجٍ لغوي واحد.
المراجع
1. ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، دار الفكر العربي.
2. سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون.
3. ابن جني، الخصائص، دار الهلال.
4. ابن عقيل، شرح ألفية ابن مالك، دار التراث العربي.
5. فاضل السامرائي، معاني النحو، دار الفكر.
