الوجه الآخر للحلم الأمريكي
في المرآة التي انكسرت يوم السادس من يناير
حين تنظر الإمبراطوريات إلى مرآتها
ليست الأمم، في حقيقتها، ما تقوله عن نفسها، ولا ما تكتبه في دساتيرها، ولا ما ترفعه من شعارات في ساحات العالم. الأمم، مثل الإنسان، تُعرَف أكثر في لحظات الاختبار؛ حين تضيق المسافة بين الخوف والغضب، وبين القانون والرغبة، وبين صورة الذات وحقيقتها الخفية.
ومن هنا تبدو عبارة «الوجه القبيح لأمريكا» أكثر من مجرد عنوان صحفي أو توصيف سياسي. إنها محاولة للنظر في المسافة الشاسعة بين أمريكا التي تقدم نفسها بوصفها نموذجًا للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأمريكا التي تكشف أزماتها الداخلية والخارجية عن وجوه أخرى: القوة حين تتحول إلى حق، والمصلحة حين ترتدي ثوب المبدأ، والخوف حين يتخفى وراء خطاب الوطنية، والانقسام حين يكتشف الإنسان أن الآخر الذي يقف أمامه ليس خصمًا سياسيًا فحسب، بل صورة مشوهة من ذاته.
ولعل حادثة اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، كانت من أكثر اللحظات التي وضعت الولايات المتحدة أمام مرآة كهذه. ففي ذلك اليوم، وبينما كان الكونغرس مجتمعًا للتصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020، اقتحم حشد من أنصار الرئيس دونالد ترامب مبنى الكابيتول، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الجلسة وإجلاء أعضاء الكونغرس. وقد أثبتت السجلات الرسمية أن جو بايدن حصل في المجمع الانتخابي على 306 أصوات مقابل 232 لدونالد ترامب، وأن التصديق النهائي على النتيجة تأخر إلى الساعات الأولى من صباح السابع من يناير بسبب أعمال العنف.
لم تكن أهمية المشهد في عدد الذين اقتحموا المبنى فقط، ولا في الصور التي انتشرت لرجل يرتدي زيًا غريبًا داخل قاعات السلطة، وإنما في الدلالة الرمزية للمكان: الديمقراطية الأمريكية نفسها بدت، للحظات، محاصرة داخل بيتها.
وهنا بدأ السؤال الحقيقي.
ماذا يحدث حين تصل الأزمة إلى قلب المؤسسة التي تقدم نفسها للعالم بوصفها حصنًا للنظام الديمقراطي؟
وهل كان السادس من يناير مجرد انفجار غضب سياسي عابر، أم أنه كان عرضًا لمرض أعمق ظل يتشكل في المجتمع الأمريكي منذ سنوات؟
الفصل الأول: زلزال في بيت الديمقراطية
كان المشهد أشبه بزجاجةٍ ظلت تتلقى الضربات طويلًا، ثم جاءت ضربة واحدة فأظهرت الشقوق التي كانت موجودة من قبل.
لم يبدأ السادس من يناير في صباح ذلك اليوم. لقد بدأ قبل ذلك بوقت طويل، في اللغة التي صارت أكثر قسوة، وفي السياسة التي تحولت من اختلاف في البرامج إلى صراع على الشرعية، وفي إعلامٍ أخذ يوزع الواقع إلى عوالم متجاورة لا تكاد تتحدث مع بعضها، وفي جمهور سياسي أصبح يرى انتصار خصمه تهديدًا لوجوده لا مجرد خسارة انتخابية.
وهكذا فإن اقتحام الكابيتول لم يكن وليد لحظة واحدة، بل كان نتيجة تراكم نفسي واجتماعي وسياسي. لقد أصبح جزء من الأمريكيين ينظر إلى الانتخابات لا بوصفها آلية لتداول السلطة، وإنما بوصفها معركة أخيرة بين «نحن» و«هم».
وهنا تتدخل النفس البشرية في السياسة بأكثر صورها خطورة.
فالإنسان لا يخاف دائمًا من خسارة السلطة؛ أحيانًا يخاف من فقدان صورته عن نفسه. وعندما يصبح الانتماء السياسي جزءًا من الهوية، فإن هزيمة الحزب قد تُفهم نفسيًا بوصفها هزيمة للذات. عندها لا يعود السؤال: «من فاز؟»، بل يتحول إلى سؤال أكثر توترًا: «كيف يمكن أن يكون العالم صحيحًا إذا كان الآخر قد انتصر؟»
ومن هذه المنطقة المظلمة خرجت نظريات المؤامرة، وتضخم الشك، وانهيار الثقة، وتحولت الحقيقة نفسها إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل بحسب الهوية السياسية.
كان السادس من يناير، إذن، لحظةً انكشفت فيها هشاشة الاعتقاد بأن المؤسسات وحدها تكفي لحماية الديمقراطية.
فالمؤسسات تحتاج إلى إنسان يؤمن بها.
والقانون يحتاج إلى ضمير يقبله.
والانتخابات تحتاج إلى ثقافة سياسية تستطيع أن تقول: لقد خسرت، لكنني ما زلت مواطنًا.
الفصل الثاني: الوجه القبيح ليس وجهًا واحدًا
لكن اختزال «الوجه القبيح لأمريكا» في اقتحام الكابيتول وحده سيكون تبسيطًا لا يقل خطورة عن التبرير.
فالدول الكبرى لا تكشف وجهها الآخر في الداخل فقط. إن لها وجوهًا متعددة تظهر في السياسة الخارجية، وفي الحروب، وفي الاقتصاد، وفي علاقتها بالأقليات، وفي الطريقة التي تتعامل بها مع العالم حين تتعارض المبادئ مع المصالح.
منذ استخدام القنبلة الذرية ضد هيروشيما وناغازاكي في عام 1945، ظلت الولايات المتحدة تواجه سؤالًا أخلاقيًا لا ينتهي حول حدود القوة العسكرية، وحول العلاقة بين الضرورة السياسية والقيمة الإنسانية. وقد ظل هذا السؤال حاضرًا بأشكال مختلفة في تدخلات وحروب لاحقة، وفي النقاشات المتعلقة باستخدام القوة الأمريكية خارج حدودها.
ثم جاءت العقود التالية لتكشف مفارقة أكثر تعقيدًا: دولة ترفع راية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها تتحرك أحيانًا وفق حسابات القوة والمصلحة والتحالفات الاستراتيجية.
وهنا لا يعود النقد موجهًا إلى أمريكا وحدها، بل إلى طبيعة السياسة الدولية نفسها.
فالدولة، عندما تصبح عظمى، تُغرى بأن ترى العالم من موقع المصلحة. وما كان مرفوضًا حين يصدر عن خصم قد يصبح «ضرورة استراتيجية» حين يصدر عنها.
وهكذا يتحول المبدأ أحيانًا إلى لغة، والمصلحة إلى حقيقة صامتة.
ومن هنا يمكن فهم الانتقادات التي وُجهت إلى السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وإلى دعمها السياسي والعسكري لإسرائيل، خصوصًا في سياق الحرب في غزة، وإلى مواقفها المختلفة من الحروب والنزاعات الإقليمية.
المشكلة ليست فقط في أن القوة الأمريكية تستخدم القوة، بل في السؤال الأعمق: هل تستطيع القوة أن تكون عادلة وهي تعرف أنها قوة؟
ذلك هو السؤال الذي يطارد الإمبراطوريات منذ روما إلى عصرنا.
فالسلطة حين تطول إقامتها في يد الإنسان قد تبدأ في إقناعه بأن ما يريده هو بالضرورة ما يحتاجه العالم.
الفصل الثالث: أمريكا التي تسكن الداخل
غير أن المرآة الخارجية لا ينبغي أن تحجب المرآة الداخلية.
فداخل الولايات المتحدة نفسها توجد جراح تاريخية لم تُغلق تمامًا: إرث العبودية، والتمييز العنصري، والفوارق الاقتصادية، والتوتر بين الأعراق، والاستقطاب السياسي، والعنف المسلح، والشعور المتزايد لدى قطاعات من المجتمع بأن النظام لا يعمل بالطريقة نفسها لصالح الجميع.
وقد أظهرت دراسات للرأي العام الأمريكي أن الانقسام الحزبي لم يعد مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل أصبح مرتبطًا بقضايا الهوية والعرق والتاريخ الوطني نفسه. كما أظهرت استطلاعات دولية أن صورة الديمقراطية الأمريكية تراجعت في نظر كثير من الشعوب، إذ رأى 17% فقط من الجمهور في 16 دولة متقدمة، في استطلاع أجراه مركز بيو عام 2021، أن الديمقراطية الأمريكية نموذج جيد ينبغي للآخرين اتباعه، بينما قال 57% إنها كانت نموذجًا جيدًا في الماضي لكنها لم تعد كذلك في السنوات الأخيرة.
إن الأرقام هنا لا تقول إن أمريكا انهارت، ولا تعني أن الديمقراطية الأمريكية ماتت، لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية: الصورة التي صنعتها الولايات المتحدة عن نفسها لم تعد مقنعة للجميع كما كانت.
وهذا الفارق بين الحقيقة والصورة هو أحد أكثر مصادر القلق في المجتمعات الحديثة.
فالإنسان قد يحتمل أن يعرف عيوبه، لكنه يصبح خطرًا على نفسه حين يعتقد أنه بلا عيوب.
والأمم كذلك.
ليست المشكلة أن يكون في أمريكا عنف أو عنصرية أو فقر أو استقطاب؛ فهذه ظواهر عرفتها معظم المجتمعات بدرجات مختلفة. المشكلة حين يصبح الاعتراف بها صعبًا لأن صورة «النموذج» تمنع رؤية «الإنسان».
وفي هذا المعنى، فإن الوجه القبيح ليس نقيض الوجه الجميل، بل هو الوجه الذي يخفيه الوجه الجميل.
الفصل الرابع: السادس من يناير بوصفه جرحًا نفسيًا
ربما كانت أهم دلالة في أحداث الكابيتول أنها كشفت شيئًا عن النفس السياسية الحديثة.
فالإنسان المعاصر، رغم كل ما يملكه من علم وتقنية، ما زال يسكنه الخوف القديم نفسه: الخوف من فقدان المكان، ومن ضياع الهوية، ومن أن يصبح بلا صوت.
وقد كان جزء من الخطاب السياسي في السنوات التي سبقت السادس من يناير يقوم على شعور بأن أمريكا تُنتزع من أصحابها، وأن هناك قوى خفية تعمل ضد «الشعب الحقيقي». وهذه اللغة، حين تتكرر طويلًا، لا تبقى مجرد كلمات؛ إنها تصنع عالمًا نفسيًا جديدًا.
وحين يعتقد الإنسان أن وطنه يُسرق منه، فقد يصبح مستعدًا لأن يقتحم البيت بحثًا عن وطنه.
وهنا تقع المفارقة الكبرى.
لقد دخل بعض المحتجين إلى مبنى الكونغرس بحجة الدفاع عن أمريكا، لكنهم، في لحظتهم الأكثر اندفاعًا، اقتحموا أحد رموز النظام الذي يعرّف أمريكا الحديثة.
إنها مفارقة تستحق التأمل أكثر من الإدانة وحدها.
فالعنف السياسي لا يولد دائمًا من كراهية الوطن؛ أحيانًا يولد من حب مريض للوطن، حب يرفض أن يرى الوطن إلا في صورة واحدة، ومن يختلف معه يصبح خائنًا.
وهذا خطر يهدد اليمين واليسار معًا.
حين يصبح الإنسان مقتنعًا بأن الحقيقة ملك جماعته وحدها، تبدأ الديمقراطية في الموت قبل أن تسقط المؤسسات.
الفصل الخامس: ترامب والديمقراطيون ــ بين المسؤولية والانتقام
كان الاتهام الذي وجهه مجلس النواب إلى دونالد ترامب بعد أحداث السادس من يناير، في ولايته الثانية من إجراءات العزل، قائمًا على «التحريض على التمرد». وقد أقر مجلس النواب مادة العزل، بينما جرت محاكمة مجلس الشيوخ بعد انتهاء ولاية ترامب.
لكن المسألة لا يمكن اختزالها في ثنائية سهلة: ترامب مذنب، والديمقراطيون أبرياء؛ أو الديمقراطيون ينتقمون، وترامب ضحية.
السياسة أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالعدالة الديمقراطية تحتاج إلى محاسبة من يتجاوز القانون، لكنها تحتاج أيضًا إلى الحذر من تحويل المحاسبة إلى أداة انتقام سياسي.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: المسؤولية السياسية، والخصومة السياسية.
إذا كانت السلطة التنفيذية قد أسهمت في خلق مناخ يقوض الثقة في الانتخابات أو يشجع على رفض المؤسسات، فذلك يستحق مساءلة صارمة. لكن إذا أصبحت المساءلة نفسها وسيلة لتصفية الحسابات، فإن الديمقراطية تخسر مرتين: مرة بسبب التجاوز، ومرة بسبب تسييس العقاب.
ولعل هذا هو الدرس الأكثر قسوة.
إن الديمقراطية لا تختبر فقط عندما ينتصر من نحب، وإنما عندما يخسر من نحب.
فالامتحان الحقيقي ليس أن نطالب بالقانون حين يخدمنا، بل أن نقبله حين يصطدم بمصالحنا.
الفصل السادس: من السياسة إلى التصوف ــ حين تضيع النفس في صورة نفسها
ثمة شيء صوفي عميق في فكرة المرآة.
يقول المتصوفون، في جوهر تجربتهم، إن الإنسان يظل غريبًا عن نفسه ما دام لا يرى إلا الصورة التي يحبها عن ذاته. وأن الطريق إلى الحقيقة يبدأ حين تسقط الأقنعة.
وربما تصلح هذه الفكرة لفهم الأمم أيضًا.
أمريكا لم تكن في السادس من يناير أمام خصم خارجي. كانت أمام جزء من أبنائها. ولهذا كان المشهد أكثر إيلامًا.
فالعدو الخارجي يمنح الأمة فرصة أن تتوحد ضده، أما الانقسام الداخلي فيجبرها على سؤال أصعب:
من نحن؟
وفي التراث الصوفي، لا يصل الإنسان إلى معرفة نفسه بالنظر إلى وجهه في المرآة، بل بمحاولة معرفة ما وراء الوجه.
والأمم كذلك.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، كما أن الحرية ليست شعارًا يكتب على واجهة الدولة. الديمقراطية حالة أخلاقية قبل أن تكون إجراءً سياسيًا. إنها القدرة على احتمال الاختلاف دون تحويل المختلف إلى عدو.
ومن هنا يبدو أن أكبر معركة تخوضها أمريكا ليست بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولا بين ترامب وخصومه، بل بين الأنا الجماعية والحقيقة.
الأنا تقول: نحن الأفضل.
والحقيقة تقول: فينا الخير والشر معًا.
الأنا تقول: نحن حماة الديمقراطية.
والحقيقة تسأل: وكيف نتصرف عندما لا تأتي الديمقراطية بما نريد؟
الأنا تقول: نحن أمة استثنائية.
والحقيقة تهمس: كل استثناء لا يراجعه صاحبه يتحول إلى غرور.
الفصل السابع: هل انتهى الحلم الأمريكي؟
ربما يكون من السهل جدًا إعلان موت الحلم الأمريكي بعد كل أزمة.
لكن التاريخ أكثر عنادًا من الشعارات.
أمريكا لم تنهَر بسبب السادس من يناير، كما أنها لم تصبح فجأة دولة بلا ديمقراطية. لقد استطاعت المؤسسات في النهاية استئناف الجلسة والتصديق على نتائج الانتخابات، وانتقلت السلطة الرئاسية في العشرين من يناير 2021 إلى جو بايدن.
وهذه الحقيقة مهمة بقدر أهمية الحقيقة الأخرى.
فالديمقراطية الأمريكية تعرضت لاختبار شديد، لكنها لم تختفِ.
ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل أمريكا ديمقراطية أم ليست ديمقراطية؟
بل: إلى أي مدى تستطيع الديمقراطية الأمريكية أن تصلح نفسها؟
فالأنظمة السياسية الحية ليست تلك التي لا تمرض، وإنما تلك التي تملك القدرة على تشخيص مرضها.
وقد أثبتت أحداث السادس من يناير أن المجتمع الأمريكي يحمل قدرًا عميقًا من الانقسام، وأن الصراع الحزبي يمكن أن يتحول إلى أزمة ثقة في المؤسسات، وأن التفاوتات التاريخية والعرقية لا تزال حاضرة في الوعي السياسي. وقد رصد مركز بيو استمرار الاستقطاب بوصفه حالة مهيمنة على السياسة الأمريكية، مع بقاء قضايا العدالة العرقية من أكثر المسائل إثارة للانقسام.
لكن الاعتراف بالمرض ليس إعلانًا للموت.
بل قد يكون بداية الشفاء.
نقد وتقييم: بين شيطنة أمريكا وتبرئتها
لا ينبغي لهذا المقال أن يقع في الخطأ الذي ينتقده.
فإذا كان من السهل أن تتحول أمريكا في بعض الخطابات إلى «شيطان عالمي»، فإن هذا التوصيف، رغم قدرته على الإدانة، يفشل في تفسير الواقع.
أمريكا ليست كتلة واحدة.
في داخلها مؤسسات قانونية قوية، وحركات اجتماعية ونقابية وحقوقية، وجامعات ومراكز بحث، وصحافة حرة بدرجات متفاوتة، وملايين المواطنين الذين قاوموا العنصرية والاستبداد، ووقفوا ضد الحرب، وطالبوا بإصلاح النظام السياسي.
وفي الوقت نفسه، ليست أمريكا بريئة من تاريخ القوة والهيمنة والحروب والتناقضات الاجتماعية.
إن القراءة الناضجة ترفض طرفي المعادلة: التقديس والشيطنة.
التقديس يعمي العقل، والشيطنة تعفيه من التفكير.
ولهذا فإن «الوجه القبيح لأمريكا» لا ينبغي أن يعني أن أمريكا قبيحة في جوهرها، وإنما أن وراء الصورة الرسمية طبقات من الواقع يجب أن تُرى.
والحقيقة أن كل مجتمع يحمل وجهه المضيء ووجهه المظلم.
لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو قدرته على النظر إلى الظلام دون أن يكذب على نفسه.
ومن هنا يمكن فهم القيمة التاريخية لأحداث السادس من يناير: لقد كشفت أن الديمقراطية ليست حصنًا من حجر، بل كائن هش يعيش على الثقة، والثقة يمكن أن تنهار أسرع من الجدران.
المرآة لا تكذب
في النهاية، ربما لم يكن السادس من يناير يومًا انهارت فيه أمريكا، بل يومًا انكشفت فيه أمريكا.
انكشفت مخاوفها، وانقساماتها، وأوهامها، وغرورها، كما انكشفت في الوقت نفسه قوة مؤسساتها وقدرتها على استعادة النظام.
كانت لحظةً خرج فيها الوجه الخفي من خلف القناع.
والدرس لا يخص أمريكا وحدها.
كل دولة ترفع شعار الديمقراطية مطالبة بأن تسأل نفسها: ماذا يحدث عندما تخسر السلطة؟ ماذا يحدث عندما يرفض الناس نتائج الانتخابات؟ ماذا يحدث عندما يصبح الخصم السياسي عدوًا وجوديًا؟ وماذا يحدث عندما يصبح الوطن ملكًا لفريق دون آخر؟
هذه الأسئلة لا تخص واشنطن وحدها.
إنها تخص الإنسان الحديث.
فالإنسان الذي لا يستطيع أن يرى ظله، يظل أسيرًا لنصف نفسه.
والدولة التي لا تستطيع أن ترى أخطاءها، تتحول إلى أسطورة عن نفسها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من التجربة الأمريكية هو أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى القوانين، بل إلى أخلاق الاختلاف؛ وإلى مواطن يعرف أن خصمه ليس أقل وطنية لمجرد أنه يرى الوطن بعين أخرى.
في لغة الصوفية، قد نقول إن الطريق إلى الحقيقة يبدأ حين يتخفف الإنسان من عبادة صورته.
وفي لغة السياسة، نقول إن الديمقراطية تبدأ حين يتعلم الإنسان أن يحتمل أن يكون مخطئًا.
وبين العبارتين مسافة قصيرة جدًا.
فربما كان أعظم وجه قبيح لأمريكا ليس العنف وحده، ولا الحرب، ولا العنصرية، ولا الاستقطاب؛ بل وهم الاستثناء حين يتحول إلى حصانة أخلاقية.
أما الوجه الجميل، فلا يكمن في إنكار ذلك كله، بل في القدرة على مواجهته.
فالمرآة لا تهين من يقف أمامها.
إنها فقط تريه ما لا يريد أن يراه.
ويبقى السؤال الأخير معلقًا في فضاء التاريخ:
هل تكون أمريكا عظيمة لأنها لا تخطئ، أم لأنها تستطيع، كلما أخطأت، أن تعود إلى المرآة وتبدأ من جديد؟
ربما هنا، لا في القوة العسكرية ولا في كثرة المال ولا في اتساع النفوذ، يكمن المعنى الحقيقي لعظمة الأمم.
أن تعرف حدود قوتها.
أن تعترف بضعفها.
أن تسمع خصومها.
وأن تدرك، بعد كل انتصار وكل هزيمة، أن الوطن ليس صورةً نملكها، بل مسؤوليةٌ نتشاركها.
وعندها فقط يمكن للمرآة المكسورة أن تصبح بدايةً لرؤية أكثر صدقًا.
________________________________________
مراجع وإحالات
1. المحفوظات الوطنية الأمريكية (National Archives)، نتائج انتخابات المجمع الانتخابي لعام 2020، وتوثيق حصول جو بايدن على 306 أصوات مقابل 232 لدونالد ترامب، وتأخر التصديق بسبب أحداث السادس من يناير.
2. وزارة العدل الأمريكية (U.S. Department of Justice)، وثائق وتقارير قضائية متعلقة باقتحام مبنى الكابيتول وأعمال العنف ضد قوات الأمن في السادس من يناير 2021.
3. وزارة العدل الأمريكية، بيان وفاة ضابط شرطة الكابيتول براين سيكنيك بعد إصاباته المرتبطة بأحداث السادس من يناير.
4. Constitution Annotated – Congress.gov، توثيق إجراءات العزل الثانية ضد دونالد ترامب، ومادة الاتهام المتعلقة بالتحريض على التمرد، ومحاكمة مجلس الشيوخ بعد انتهاء ولايته.
5. Pew Research Center، Global Public Opinion in an Era of Democratic Anxiety، حول صورة الديمقراطية الأمريكية والانقسامات السياسية والعرقية في الولايات المتحدة.
6. Pew Research Center، Beyond Red vs. Blue: The 2021 Political Typology، حول الاستقطاب السياسي وتعدد الاتجاهات داخل المجتمع الأمريكي.
7. Pew Research Center، Deep Divisions in Americans’ Views of Nation’s Racial History، حول الانقسامات المرتبطة بتاريخ العبودية والعنصرية والعدالة العرقية.
8. Pew Research Center، Striking Findings from 2021، حول تراجع النظرة إلى الديمقراطية الأمريكية بوصفها نموذجًا عالميًا.
