السَّمِيعُ
قراءة عقدية وتربوية ونفسية واجتماعية في اسم الله الحسنى
تمهيد: حين يصبح الصمت دعاءً
من أسماء الله الحسنى السَّمِيع؛ ذلك الاسم الذي يفتح في القلب نافذةً على معنى القرب، ويعلّم الإنسان أن صوته لا يضيع في هذا الكون، وأن كلمته ــ مهما خفيت ــ واقعة في علم الله وسمعه، وأن الأنين الذي لا يسمعه الناس قد يكون عند الله أبلغ من ألف خطاب.
والسميع، في أصل معناه، هو الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات؛ فلا يخفى عليه صوتٌ في ظلمة، ولا همسةٌ في خلوة، ولا نجوى في صدر، ولا اختلاف اللغات، ولا اضطراب الحاجات. يسمع الجهر والخفاء، والمنطوق والمسكوت عنه، ويعلم ما وراء الصوت من قصد، وما وراء الكلمة من ألم، وما وراء الدعاء من رجاء.
وليس معنى سمع الله تعالى كسمع المخلوقين؛ فالله سبحانه منزَّه عن مشابهة خلقه، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: 11. فسمعه سبحانه صفة كمال تليق بجلاله، لا يعترضه نقص، ولا يحجبه بُعد، ولا يشغله صوت عن صوت.
ومن هنا يصبح اسم السميع أكثر من مسألة عقدية تُدرَس في صفحات الكتب؛ إنه معنى تربوي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بلسانه، وبالآخرين، وبنفسه، وبربه. فإذا استقر في القلب أن الله يسمع، صار للكلمة وزن، وللصمت معنى، وللدعاء حياة، وللشكوى باب، وللنجوى حرمة.
أولًا: السميع في القرآن الكريم
يتكرر وصف الله تعالى بالسمع في القرآن الكريم في سياقات متعددة، كثيرًا ما يقترن فيها السميع بالعليم أو السميع بالبصير؛ ليكتمل في القلب معنى الإحاطة الإلهية: فالله يسمع ما نقول، ويعلم ما نخفي، ويرى ما نفعل.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ طه: 7.
وقال سبحانه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ الرعد: 10.
فليس القرب من الله قرب مكان، وإنما هو قرب علم وإحاطة وقدرة ورحمة؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: 186.
وتبلغ دلالة اسم السميع ذروتها في قصة المرأة التي جاءت إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها. كانت خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها في كرب شديد، وزوجها أوس بن الصامت قد ظاهر منها. أخذت تراجع النبي ﷺ وتبث شكواها، وكانت عائشة رضي الله عنها في ناحية من البيت لا تكاد تسمع بعض كلامها، ثم نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ المجادلة: 1.
وهنا مشهد إنساني بالغ العمق: امرأة ضعيفة في ظاهر الحال، تضيق بها المشكلة، ويثقل عليها المستقبل، فتتكلم. والناس قد لا يسمعونها، بل إن عائشة، وهي قريبة منها، خفي عليها بعض كلامها؛ أما رب العالمين فقد سمعها.
وقد روت عائشة رضي الله عنها هذا المعنى فقالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات»، ثم ذكرت أن المرأة كانت تحاور رسول الله ﷺ، وأن بعض كلامها كان يخفى عليها، فأنزل الله الآية.
إنها ليست قصة امرأة بعينها فحسب، بل صورة إنسانية تتكرر كل يوم: أمٌّ تبكي في غرفتها، وأبٌ يخفي انكساره، وشابٌّ يحدّث الله عن خوفه، ومريضٌ لا يستطيع أن يشرح ألمه، وغريبٌ لا يجد من يفهم لغته، ومظلومٌ عجز عن إيصال صوته إلى الناس. كل هؤلاء لهم عند الله سمعٌ لا يضل ولا ينام.
ولهذا كان اسم السميع من أسماء الطمأنينة.
ثانيًا: السميع ومعنى الدعاء
من أجمل ما يفتحه هذا الاسم في القلب أن الدعاء ليس رسالةً مجهولة المصير. حين يقول المؤمن: يا رب، فهو لا يرسل كلماته إلى فراغ؛ بل يتوجه إلى رب سميع قريب.
قال إبراهيم عليه السلام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ إبراهيم: 39.
لم يقل: إن ربي يسمع الصوت فقط، بل قال: ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾؛ فالسماع هنا يفتح باب الرجاء والاستجابة.
ومن هذا المعنى نفهم قول المصلي في صلاته: «سمع الله لمن حمده»؛ أي استجاب الله لمن حمده، وقَبِل حمده، وأثابه عليه.
لكن الاستجابة ليست دائمًا الصورة التي يرسمها الإنسان في ذهنه. قد يدعو المرء بالشيء نفسه سنوات، ثم يكتشف أن الله سمعه منذ اللحظة الأولى، ولكن الحكمة اقتضت أن تأتي الإجابة في وقت آخر، أو بصورة أخرى، أو أن يصرف عنه من الشر ما لا يراه.
فليس تأخر الإجابة دليلًا على غياب السماع.
إن الطفل قد يبكي، فيسمعه أبوه، لكنه لا يعطيه كل ما يريد؛ لا لأن الأب لم يسمع، وإنما لأنه يعلم ما لا يعلمه الطفل. وهكذا ــ مع الفارق العظيم ــ يدعو العبد ربه وهو لا يرى إلا صفحة اللحظة، بينما يعلم الله ماضيه ومستقبله، وضعفه وقوته، وما يصلحه وما يفسده.
ولهذا كان الدعاء تربيةً على الثقة، لا مجرد طلبٍ للنتائج.
ثالثًا: السميع وبناء الضمير
حين يؤمن الإنسان بأن الله سميع، يتغير سلوكه اللغوي قبل أن تتغير عباداته الظاهرة.
فالكلمة لم تعد عابرة.
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ق: 18.
واللسان من أكثر جوارح الإنسان قدرةً على صناعة الخير والشر. كلمة قد تصلح علاقةً انكسرت، وكلمة قد تهدم بيتًا. كلمة اعتذار قد ترد قلبًا إلى صاحبه، وكلمة سخرية قد تبقى في نفس إنسان أعوامًا.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، اتسع مجال الكلام، واتسعت معه مسؤولية السمع الإلهي. لم يعد الإنسان يتحدث في مجلس محدود؛ بل قد يكتب جملة في لحظة غضب، فتسافر الجملة إلى آلاف الناس، وتبقى محفوظة في ذاكرة الأجهزة، بينما قد ينساها صاحبها.
وهنا يأتي اسم السميع ليوقظ الضمير: قبل أن تكتب، تذكر أن الله يسمع ما تقول. وقبل أن تنقل، تذكر أنه يسمع ما تنقل. وقبل أن تهمس في غيبة إنسان، تذكر أن الذي غاب عن مجلسك لم يغب عن سمع الله.
قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ النساء: 148.
فاسم السميع هنا ليس لإثارة الخوف وحده، بل لبناء أخلاق المسؤولية.
رابعًا: السميع في السنة النبوية
كان رسول الله ﷺ يعلّم أصحابه أن الله ليس بعيدًا عنهم، وأن رفع الأصوات ليس شرطًا لقرب الدعاء.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبّرنا، فقال النبي ﷺ: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بصيرًا». والحديث في الصحيحين بمعناه.
إنها تربية على الأدب مع الله: لا تحتاج إلى الصراخ كي يسمعك. لا تحتاج إلى أن تُرهق حنجرتك كي تصل مناجاتك. يكفي أن يخرج الدعاء من قلب صادق.
والدعاء الهادئ ليس أقل حرارة من الدعاء المرتفع؛ بل قد يكون أكثر صدقًا. فالدمعة التي لا يسمعها الناس، والدعاء الذي لا يتجاوز الشفتين، والنبرة التي ترتجف في ظلام الليل، كلها عند السميع معلومة.
وفي الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها، تجلت هذه الحقيقة بصورة إنسانية عميقة؛ فقد خفي عليها بعض كلام خولة، بينما وسع سمع الله ذلك الكلام كله.
وهذا يعلّمنا أن ضعف الصوت لا يعني ضعف الأثر.
خامسًا: السميع والصحة النفسية
من المنظور النفسي، يحتاج الإنسان حاجة عميقة إلى أن يُسمَع. كثير من الأزمات النفسية والاجتماعية تبدأ حين يشعر المرء أن أحدًا لا يفهمه، وأن صوته لا قيمة له، وأن شكواه لا تجد أذنًا رحيمة.
وقد يكون الإنسان في وسط عائلته، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة؛ لأن أحدًا لا يصغي إلى ما وراء كلماته.
هنا يقدم الإيمان باسم السميع معنى روحيًا بالغ القوة: لست مهملًا في هذا الكون.
حين تعجز عن شرح نفسك للآخرين، تستطيع أن تتكلم مع الله.
وحين تخجل من بعض ضعفك، تستطيع أن تبوح به لمن يعلم ضعفك قبل أن تنطق به.
وحين لا تجد من يسمعك دون حكم أو سخرية، تجد ربًا يسمعك بعلم كامل وحكمة ورحمة.
ولهذا كان من أعظم ما يفعله الدعاء أنه يمنح الإنسان مساحة آمنة للبوح الروحي. يقول العبد: يا رب، أنا متعب. ولا يحتاج إلى تزيين الجملة. ويقول: يا رب، أخطأت. ولا يحتاج إلى صناعة الأعذار. ويقول: يا رب، لا أعرف ماذا أفعل. فيضع جهله بين يدي علم الله.
إنها ليست هزيمة نفسية؛ بل انتقال من العجز الفردي إلى الاستناد إلى القدرة الإلهية.
لكن الإيمان باسم السميع لا يعني أن الإنسان يستغني عن الناس أو عن العلاج والمشورة والأسباب؛ بل يدفعه إلى طلب العون من الله، ثم الأخذ بالأسباب المشروعة، والاستفادة من أهل الخبرة والحكمة.
سادسًا: السميع والعلاقات الاجتماعية
المجتمع الذي يعرف معنى السميع هو مجتمع يتعلم فن الإصغاء.
إننا كثيرًا ما نريد أن نتكلم، ونادرًا ما نتعلم أن نسمع.
الأب يسمع ابنه ليجيبه، لا ليفهمه. والزوج يسمع زوجته ليدافع عن نفسه، لا ليدرك ألمها. والصديق ينتظر دوره في الحديث بدل أن يعيش لحظة صديقه.
ومن هنا يمكن أن يتحول اسم السميع إلى قيمة اجتماعية: أن نتعلم أن نسمع كما نحب أن نُسمع.
وقد كان النبي ﷺ يسمع للناس، ويمنحهم من وقته ووجهه وقلبه. ولم تكن الرحمة عنده مجرد موعظة، بل كانت طريقة في التعامل.
ومن أبلغ الأمثلة قصة الأعرابي الذي بال في المسجد؛ فلم يعالج النبي ﷺ الموقف بالصراخ والإهانة، بل علّم ورفق، حتى خرج الخطأ من المكان، وبقي الإنسان محفوظ الكرامة.
فالاستماع الحقيقي ليس مجرد وصول الصوت إلى الأذن؛ بل وصول المعنى إلى القلب.
سابعًا: السميع وحرمة الخلوة
من أخطر ما يفسد علاقة الإنسان بنفسه أن يظن أن الخفاء يلغي المسؤولية.
قد يغلق الإنسان باب غرفته، ويظن أنه أصبح وحده. وقد يضع هاتفه بعيدًا عن أعين الناس، فيتوهم أن ما يفعله لا يراه أحد. وقد يخفي كلمة أو علاقة أو تصرفًا عن المجتمع.
لكن المؤمن لا يعيش على قانون: هل يراني الناس؟، بل على قانون أعمق: هل يرضى الله عني؟
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فصلت: 22.
إنها الآية التي تهدم وهم الاختباء عن الله.
فالخلوة عند المؤمن ليست غياب الرقابة، وإنما حضورها في أصفى صورها.
ومن هنا نشأ مفهوم الإحسان الذي لخّصه النبي ﷺ في الحديث المشهور: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» رواه مسلم.
وهذه المراقبة لا ينبغي أن تتحول إلى خوف مرضي، وإنما إلى يقظة قلبية متوازنة: أخاف الله حين أُخطئ، وأرجوه حين أضعف، وأستحيي منه حين أفكر في المعصية، وأعود إليه حين أتعثر.
ثامنًا: السميع والجمال الصوفي
في التجربة الروحية الصوفية، كان السماع كثيرًا ما يُستعمل رمزًا للانتباه إلى المعنى الباطن؛ لكن السماع الإيماني الأعمق هو أن يصغي القلب إلى نداء الله في الوحي والكون والضمير.
فالليل له صوت، وإن لم تتكلم نجومه.
والفجر له نداء، وإن لم ترفع الأشجار أصواتها.
والقلب نفسه يرسل إشارات خفية حين يخطئ الإنسان؛ ضيقٌ، وقلق، وانقباض، ثم لا يستريح حتى يعود.
وقد قال الشاعر:
ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ذرعًا وعندَ اللهِ منها المخرجُ
فالمؤمن لا يسمع بأذنه وحدها؛ بل يتعلم أن يصغي بقلبه.
ومن لطيف ما نُسب إلى ابن القيم في حديثه عن اسم الله السميع، قوله في النونية:
وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سرٍّ ومن إعلان
فالمعنى الذي يتكرر في كلام العلماء أن سمع الله محيط، لا يختص بصوت دون صوت، ولا بلغة دون لغة، ولا بمكان دون مكان.
وقد عبّر الخطابي عن هذا المعنى في شرحه لأسماء الله، مبينًا أن السميع هو الذي يسمع السر والنجوى، ويستوي عنده الجهر والخفوت.
إنها صورة تبعث في الروح مهابةً ورجاءً في آن واحد: مهابةٌ لأن شيئًا لا يختفي عن الله، ورجاءٌ لأن شيئًا من آلامك لا يضيع عنده.
تاسعًا: من السماع الإلهي إلى أخلاق الإنسان
إذا كان الله سميعًا، فإن العبد مدعو إلى أن يصبح هو أيضًا إنسانًا يحسن السماع.
اسمع أمك قبل أن تكبر ويصبح صوتها ذكرى.
اسمع أباك قبل أن يغيب، فقد تكتشف بعد رحيله أن بعض كلماته كانت آخر ما بقي لك منه.
اسمع ابنك حين يتحدث عن مشكلة صغيرة؛ فقد تكون عنده أكبر من العالم.
اسمع زوجتك حين تقول: أنا متعبة، ولا تسارع إلى تفسير كلامها أو محاكمة مشاعرها.
اسمع صديقك حين يكرر القصة نفسها؛ فقد لا يكون محتاجًا إلى جواب، بل إلى قلب.
اسمع الفقير قبل أن تنظر إلى ثيابه.
اسمع المسن قبل أن تقول إن كلامه طويل.
اسمع المختلف عنك قبل أن تصنع منه خصمًا.
إن الإصغاء شكل من أشكال الرحمة.
ولعل أجمل ما في اسم السميع أنه لا يعلمنا كيف نتحدث إلى الله فحسب، بل كيف نتعامل مع خلق الله.
عاشرًا: السميع بين الخوف والرجاء
لا ينبغي أن يتحول الإيمان بأن الله يسمع إلى رعب دائم، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أمن زائف.
إنه ميزان بين الخوف والرجاء.
إذا هممت بالغيبة، تذكر أنه يسمع.
وإذا أردت أن تعتذر، تذكر أنه يسمع.
إذا ظلمك إنسان ولم تستطع الوصول إلى حقك، تذكر أنه يسمع.
إذا دعوت في آخر الليل، تذكر أنه يسمع.
إذا انكسر قلبك ولم تجد عبارةً تشرح انكسارك، تذكر أنه يسمع حتى ما لا تستطيع أنت صياغته.
وهنا يصبح الدعاء لغةً تتجاوز اللغة.
قد لا تعرف ماذا تقول، فتجلس صامتًا، وتنزل دمعة، ويكون صمتك ــ في حدود ما يليق بالمعنى الشرعي ــ محمولًا على صدق الافتقار، والله يعلم السر وأخفى.
حادي عشر: السميع في الحياة اليومية
يمكن تحويل هذا الاسم إلى برنامج تربوي عملي:
قبل الكلام: اسأل نفسك: هل هذه الكلمة ترضي الله؟
قبل نقل خبر: هل هو حق؟ وهل في نقله مصلحة؟
قبل الرد في الغضب: هل لو سمع الله هذه العبارة مني أحب أن ألقاه بها؟
في الخلوة: تذكر أن غياب الناس لا يعني غياب المراقبة.
في الدعاء: لا تستعجل؛ قل ما في قلبك بثقة وأدب.
في الحزن: لا تجعل الصمت عزلةً كاملة؛ تحدّث إلى الله، ثم إلى من تثق بحكمته.
في العلاقات: درّب نفسك على الإصغاء قبل الحكم.
في مواقع التواصل: اجعل إصبعك أبطأ من غضبك؛ فما تكتبه قد يصبح شهادةً عليك.
وهكذا يتحول الاسم من معلومة إلى سلوك، ومن سلوك إلى عادة، ومن عادة إلى خلق، ومن خلق إلى حال قلبي.
خاتمة: صوتك لا يضيع
في هذا العالم الصاخب، قد يشعر الإنسان أحيانًا أنه مجرد صوت صغير وسط ملايين الأصوات. يصرخ ولا يُسمع، يشكو ولا يُفهم، يدعو ولا يرى الإجابة.
لكن اسم السميع يعيد ترتيب المشهد كله.
أنت لست صوتًا ضائعًا.
إن كنت مظلومًا، فالله يسمع.
وإن كنت حائرًا، فالله يسمع.
وإن كنت تائبًا، فالله يسمع.
وإن كنت أمًّا تدعو لولدها، أو أبًا يخفي خوفه على أسرته، أو شابًا يصارع ضعفه، أو شيخًا يحمل في قلبه ذكريات السنين، فالله يسمع.
ليس المهم أن يكون صوتك عاليًا؛ المهم أن يكون قلبك صادقًا.
وليس المطلوب أن تشرح لله ما يعلم؛ وإنما أن تقف بين يديه وقوف العبد الذي عرف ربه، فأحسن الظن به، وأخذ بالأسباب، واستراح إلى رحمته.
وفي قصة خولة بنت ثعلبة درس خالد: قد يسمعك الناس ولا يملكون لك شيئًا، وقد لا يسمعك الناس أصلًا، لكن الله يسمع.
ومن هنا كان اسم السميع بابًا من أبواب الطمأنينة: أن تتكلم مع الله دون خوف من سوء الفهم، وأن تبكي دون خوف من نظرة الناس، وأن تدعو دون أن ترى الطريق، وأن تعمل الخير ولو لم يسمع بك أحد.
فالله يسمع. والكلمة الطيبة لا تضيع. والدعاء لا يضيع. والأنين لا يضيع. والدمعة التي نزلت في الظلام ليست مجهولة المصدر ولا مجهولة المصير.
إنها عند السميع.
ولذلك قال إبراهيم عليه السلام، بعد أعوام من الانتظار: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
فيا من أثقلته الحياة، لا تجعل صمتك يأسًا. اجعله مناجاة.
ويا من أتعبك الناس، لا تجعل قلبك موطنًا للضجيج. اذهب إلى السميع.
ويا من لا تجد من يفهمك، تذكر أن الله لا يحتاج إلى شرح طويل؛ فهو يعلم قبل أن تتكلم، ويسمع قبل أن ترفع صوتك، ويرى موضع الألم قبل أن تشير إليه.
وإذا استقر هذا المعنى في القلب، صار الإنسان أكثر هدوءًا في كلامه، وأكثر رحمة في إصغائه، وأشد حياءً في خلوته، وأصدق في دعائه، وأقوى في مواجهة الحياة.
وهكذا لا يبقى السميع اسمًا محفوظًا في كتاب ، بل يصبح نورًا يسكن السلوك: نراقب الكلمة لأن الله يسمع، ونحسن الإصغاء لأننا نرجو أن يُصغى إلينا، ونرفع الدعاء لأن ربنا قريب، ونصبر لأن ما عند الله لا يضيع.
وفي آخر الطريق، حين تهدأ أصوات العالم كلها، يبقى في القلب يقين واحد:
أن الله سمعك منذ أول الهمسة، وأنه لم يكن عنك غائبًا في لحظة.
مراجع مختارة
1. القرآن الكريم، ولا سيما: البقرة: 186؛ النساء: 148؛ الرعد: 10؛ طه: 7؛ ق: 18؛ الشورى: 11؛ فصلت: 22؛ المجادلة: 1؛ إبراهيم: 39.
2. البخاري، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، في حديث أبي موسى الأشعري: «اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بصيرًا».
3. مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
4. ابن ماجه، السنن، كتاب المقدمة، حديث عائشة رضي الله عنها في قصة خولة بنت ثعلبة، وقد صححه أهل الحديث؛ وفيه قولها: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات».
5. أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذكر: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»، وقد صححه عدد من أهل الحديث.
6. الخطابي، شأن الدعاء، وما ورد في بيان معاني أسماء الله وصفاته.
7. ابن القيم، بدائع الفوائد، ومدارج السالكين، والكافية الشافية، في مباحث أسماء الله وصفاته.
8. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة المجادلة، الآية الأولى، وما يتصل بقصة خولة بنت ثعلبة.
9. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾، وبيانه لمعنى كمال السمع والبصر والإحاطة.
10. البغوي، معالم التنزيل، تفسير سورة المجادلة، الآية الأولى، في قصة خولة ومعنى السمع الإلهي.
