الرافع: الرفع بين علوِّ القدر وسموِّ الروح
تمهيد
ليست كلُّ رفعةٍ علوًّا، ولا كلُّ علوٍّ رفعة. فقد يرتفع الإنسان في أعين الناس، وهو في ميزان الحقيقة هابط؛ وقد يطأطئ رأسه تواضعًا لله، فيرفعه الله في القلوب والدرجات والذكر الجميل. ومن هنا تفتح كلمة «الرافع» بابًا واسعًا للتأمل في اللغة والعقيدة والتربية وعلم النفس والاجتماع، بل في أسرار السلوك الإنساني كله.
فالرفع في ظاهره حركة من أسفل إلى أعلى، لكنه في معناه الأعمق انتقال من حال إلى حال: من الجهل إلى العلم، ومن الوهن إلى القوة، ومن الانكسار إلى الرجاء، ومن ضيق النفس إلى سعة الروح، ومن عبودية الهوى إلى عبودية الله. ولذلك كان «الرفع» من الألفاظ التي تتسع دلالاتها حتى تكاد تجمع بين حركة الكون وحركة القلب.
ومن المهم، من الناحية العقدية، التنبيه إلى أن «الرافع» ورد في كتب عدِّ أسماء الله الحسنى عند جماعة من العلماء، وغالبًا مقرونًا بـ«الخافض»، غير أن لفظ «الرافع» بهذا الإفراد ليس من الأسماء التي وردت نصًّا في القرآن الكريم أو في حديث صحيح صريح على وجه التسمية. أما معنى الرفع الإلهي، فقد ثبت بالقرآن ثبوتًا واضحًا، في مثل قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: 11. ومن ثم فالأدق علميًّا أن يقال: إن «الرافع» من الأسماء التي ذكرها بعض أهل العلم، وإن معنى الرفع ثابت لله تعالى بنصوص الوحي.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة: الإنسان يطلب الارتفاع، لكنه كثيرًا ما يطلبه بالطريق الخطأ. يريد أن يرتفع فوق الناس، بينما الرفع الحقيقي أن يرتفع عن أذى الناس. يريد أن يكون اسمه أعلى، بينما الرفعة الأصدق أن يكون قلبه أطهر. يريد منصة أعلى، بينما الحكمة أن يكون مقامه عند الله أعلى.
أولًا: الرافع في اللغة
الجذر اللغوي (ر ف ع) من الجذور العربية الغنية بالدلالة. والرفع ضد الوضع والخفض، يقال: رفع الشيء يرفعه رفعًا، إذا أعلاه ونقله من موضع إلى موضع أعلى. وقد يكون الرفع حسيًّا، كرفع البناء أو الحجر أو اليد، وقد يكون معنويًّا، كرفع الذكر والقدر والمنزلة.
قال ابن منظور في لسان العرب: «الرَّفْعُ: ضدُّ الوضع»، ثم تتسع استعمالات الجذر لتشمل رفع الصوت، ورفع الذكر، ورفع المنزلة، ورفع الأمر إلى صاحب السلطان. وهذا الاتساع يكشف عن خاصية مهمة في العربية: فهي لا تفصل دائمًا بين حركة الجسد وحركة المعنى؛ فالإنسان يرفع يده، كما يرفع شأنه، ويرفع صوته، كما يرفع الله قدره.
ومن لطائف اللغة أن الرفع قد يحدث بالفعل المباشر، وقد يحدث بسببٍ خفي. فالرافعة ترفع الحجر، والمعلم يرفع مستوى الطالب، والأب يرفع معنويات ابنه، والكلمة الطيبة ترفع المنهك من سقوطه النفسي، والصديق الصالح قد يرفع صديقه من وحشة الطريق.
ولذلك يمكن النظر إلى «الرافع» في معناه الإنساني بوصفه كل سبب مشروع يخرج الإنسان من وهدة إلى أفق أرحب، مع بقاء الرفع الحقيقي والتوفيق النهائي بيد الله تعالى.
ثانيًا: الرفع في القرآن الكريم
حين نتأمل القرآن نجد أن مادة «رفع» تتحرك في فضاءات متعددة: في الكون، وفي الرسالات، وفي العلم، وفي المكانة، وفي العمل، وفي المصير.
يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الرعد: 2. هنا يظهر الرفع في أوسع صورة كونية؛ فالسماوات مرفوعة بأمر الله، والوجود نفسه قائم على نظام يتجاوز قدرة الإنسان وإدراكه.
ويقول سبحانه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ يوسف: 100. وفي قصة يوسف عليه السلام يصبح الرفع خاتمة لمسار طويل من الابتلاء: أُلقي في الجب، وبِيع عبدًا، وسُجن مظلومًا، ثم رفعه الله إلى مقام التمكين. وكأن القصة تقول للمنكسر: لا تجعل المرحلة الحالية تفسيرًا نهائيًّا لحياتك.
وفي شأن عيسى عليه السلام يقول تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ النساء: 158، ويقول: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: 55. فالرفع هنا ليس مجرد انتقال مكاني، بل رفع في سياق عناية إلهية وتدبير حكيم.
أما أعظم أبواب الرفع الاجتماعي والعلمي، فيتجلى في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: 11. فالإيمان والعلم طريقان من طرق الرفعة، لكنهما ليسا سلّمًا للتكبر، وإنما أمانة تقتضي التواضع والعمل.
ويقول تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: 10. وهنا تلتقي الكلمة بالفعل: الكلام الطيب يصعد، والعمل الصالح يرفعه. ليست قيمة الإنسان في جمال عبارته وحدها، ولا في كثرة حركته وحدها، وإنما في الصدق الذي يصل بين القول والعمل.
ثالثًا: الرافع والخافض؛ ثنائية تربوية
من أجمل ما يلفت النظر في التراث الإسلامي اقتران «الخافض» بـ«الرافع». وقد نبّه الخطابي وغيره إلى مناسبة الجمع بينهما؛ لأن الوجود قائم على التوازن، ولأن الرفع لا يُفهم كامل الفهم إلا في مقابل الخفض.
فالليل يخفض ضجيج المدينة ليرفع صوت القلب. والفقر قد يخفض الإنسان في نظر الناس، لكنه يرفعه في ميزان الصبر إن أحسن التعامل معه. والمرض يخفض الجسد، لكنه قد يرفع الروح إذا أورث صاحبه إنابة وشكرًا. وربما خفضت الحياة جناح الإنسان في مرحلة، لتعلمه كيف يطير بعد ذلك بجناحين من الحكمة والخبرة.
وليس معنى هذا أن كل ألمٍ فضيلة، أو أن كل فقرٍ رفعة، أو أن الإنسان ينبغي أن يستسلم للظلم بحجة الابتلاء. بل المقصود أن القيمة النهائية للتجربة لا تتحدد بظاهرها وحده، وإنما بطريقة الإنسان في استقبالها وتحويلها إلى معنى وعمل.
وهنا يلتقي البعد الديني بالبعد النفسي. فالإنسان قد يتعرض للانكسار، لكن الانكسار ليس بالضرورة نهاية. قد يكون بداية لإعادة بناء الذات. وقد يفقد الإنسان مكانة اجتماعية، فيكتشف أن قيمته أوسع من وظيفته، وأن كرامته ليست مرهونة بتصفيق الآخرين.
رابعًا: الرفع في علم النفس؛ من تقدير الذات إلى معنى الذات
في علم النفس المعاصر، تظهر الحاجة إلى التقدير والانتماء والشعور بالكفاءة بوصفها حاجات إنسانية عميقة. والإنسان إذا عاش طويلًا في بيئة تحقره، أو تسخر من جهده، أو تذكره دائمًا بنقائصه، فقد يتكون لديه شعور مزمن بالعجز.
وهنا يصبح «الرافع» مفهومًا تربويًّا بالغ الأهمية.
فالمعلم الرافع ليس الذي يوزع الدرجات فقط، بل الذي يرى في الطالب إمكانية لم يرها الطالب نفسه. والأب الرافع ليس الذي يمدح أبناءه بلا حدود، وإنما الذي يقول لابنه بعد الفشل: «أخطأت، نعم، ولكن الخطأ ليس هويتك. تعلم، ثم حاول من جديد».
وقد تكون كلمة واحدة سببًا في إنقاذ إنسان من اليأس. شابٌّ أخفق في امتحان، فسمع من أستاذه: «هذه نتيجة امتحان، وليست نتيجة حياتك». ظلّت العبارة في ذاكرته سنوات، لأنها فصلت بين الفشل في الفعل والفشل في الذات.
وهذا من أعمق مبادئ التربية النفسية: لا تحوّل الخطأ إلى هوية. لا تقل للطفل: «أنت كسول»، بل قل: «هذا العمل لم يكن منظمًا». ولا تقل له: «أنت فاشل»، بل: «هذه المحاولة لم تنجح». اللغة هنا ليست زينة؛ إنها تبني صورة الإنسان عن نفسه.
ومن منظور إسلامي، تزداد هذه الفكرة وضوحًا حين نتذكر أن الله تعالى قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ الزمر: 53. فالقرآن لا ينكر ضعف الإنسان، لكنه يمنعه من تحويل الضعف إلى يأس دائم.
خامسًا: الرافع في المجتمع
المجتمعات لا ترتفع بالعمارات وحدها، بل برفع الإنسان. وقد يكون المجتمع غنيًّا في موارده فقيرًا في الرحمة، متقدمًا في تقنياته متأخرًا في أخلاقه.
الرافع اجتماعيًّا هو كل من يفتح طريقًا للآخرين بدل أن يغلقه. هو الطبيب الذي يعامل الفقير بكرامة، والمعلم الذي لا يسخر من ضعيف التحصيل، والمسؤول الذي لا يجعل السلطة وسيلة للإذلال، والغني الذي يعطي دون أن يكسر قلب المحتاج، والجار الذي يستر عورة جاره بدل أن يجعلها حديث المجالس.
قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه، متفق عليه. فالمجتمع المؤمن ليس مجموعة أفراد متجاورين، بل شبكة من الأيدي التي تسند بعضها بعضًا.
وقال ﷺ: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»، متفق عليه. وفي الحديث قلبٌ لمعادلة الأنانية: لا ترتفع وحدك. ارفع غيرك، فإنك قد تجد رفعتك فيما بذلت.
والرافع الاجتماعي لا يعني أن يقوم الإنسان بدور المنقذ دائمًا، ولا أن يلغي حدود الآخرين، وإنما يعني أن يتحول الخير من شعور داخلي إلى أثر واقعي.
قد تكون «رافعة» إنسانٍ مريضًا حين تزوره. وقد تكون رافعة طالب حين توفر له كتابًا. وقد تكون رافعة أسرة حين تعينها على قضاء حاجة دون إذلال. وقد تكون رافعة إنسان وحيد حين تصغي إليه باهتمام حقيقي.
سادسًا: الرفع بالعلم
ارتبط الرفع في القرآن بالعلم ارتباطًا بالغ الدلالة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
العلم إذن ليس وسيلة للظهور فقط، بل وسيلة للارتفاع الأخلاقي. وكلما ازداد الإنسان علمًا ينبغي أن يزداد إدراكًا لحدود علمه.
ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله في معنى مشهور من سيرته العلمية: «كلما ازددت علمًا، ازددت علمًا بجهلي». وهذه الروح هي التي تجعل العلم نورًا، لا سلاحًا لإهانة الآخرين.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، متفق عليه. والفقه هنا ليس مجرد حفظ المعلومات، بل فهم يغير السلوك ويهذب البصيرة.
إن العلم الذي يرفع صاحبه حقًا هو الذي يجعله أكثر رحمة، وأقل غرورًا، وأشد عدلًا، وأصدق أمانة. فإذا تحول العلم إلى وسيلة للاستعلاء فقد أصبح حجابًا بدل أن يكون طريقًا.
سابعًا: الرفع بالتواضع
من المفارقات العميقة أن الطريق إلى الرفعة يمر أحيانًا من باب التواضع.
قال النبي ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، رواه مسلم. وهذه قاعدة تربوية عظيمة؛ فالإنسان حين يتواضع لله لا يلغي نفسه، بل يحررها من الحاجة المرضية إلى التفوق على الآخرين.
التواضع ليس أن يرى الإنسان نفسه بلا قيمة، وإنما أن يعرف قيمته دون أن يجعلها سببًا لاحتقار غيره.
كان من الممكن أن يملك المرء علمًا كثيرًا، ثم يظل قادرًا على الإصغاء. وكان من الممكن أن ينجح في عمله، ثم يذكر فضل من أعانه. وكان من الممكن أن يعلو منصبه، ثم يبقى قادرًا على الجلوس مع البسطاء.
وهذه هي الرفعة النبيلة: أن يرتفع مقامك دون أن ينخفض في قلبك مقام الآخرين.
ثامنًا: الرافع في التجربة الصوفية
في التجربة الصوفية المنضبطة بالكتاب والسنة، الرفع ليس هروبًا من العالم، بل ارتقاء في طريقة النظر إليه. فالقلب ينتقل من التعلق بالمخلوق إلى الثقة بالخالق، ومن عبادة الصورة إلى عبادة المعنى، ومن سؤال الناس عن القيمة إلى سؤال الله عن القبول.
وقد عبّر أبو حامد الغزالي عن معنى الرفع الروحي حين تحدث عن انتقال الإنسان من أسر المحسوسات والشهوات إلى أفق أعلى من تزكية النفس ومراقبة الله. والمعنى في جوهره أن الإنسان يستطيع أن يعيش بجسد في الأرض وقلب يتطلع إلى السماء.
ليس التصوف الحقيقي كثرة العبارات الغامضة، ولا صناعة هالة حول النفس، بل تخفيف الأنا، وتطهير القصد، وحسن الخلق، وكثرة الرحمة.
فالذي يرفع قلبه عن الحقد لا يخسر شيئًا. والذي يرفع نفسه عن الانتقام الأعمى لا يصبح ضعيفًا، بل أكثر قدرة على الاختيار. والذي يرفع بصره عن مقارنة نفسه بالناس يتحرر من سجن لا جدران له.
ومن هنا يصبح «الرافع» معنى داخليًّا: الله يرفع القلب حين يحرره من عبودية الأشياء.
تاسعًا: صورة أدبية؛ الرجل الذي ظن أنه سقط
كان رجلٌ يسير في آخر النهار عائدًا من عمله، وقد خسر وظيفته في ذلك اليوم. لم يكن في جيبه إلا القليل، ولم يكن في نفسه إلا كثير من الأسئلة.
جلس على مقعدٍ قديم في الطريق، وقال في سره: «انتهيت».
مرّ به شيخ يعرفه، فجلس إلى جواره دون أن يسأله عن شيء. وبعد صمت طويل قال الرجل: «لقد خفضتني الحياة».
ابتسم الشيخ وقال: «ربما خفضتك الحياة من مقعد كنت تظنه مرتفعًا، لتريك مقعدًا آخر لم تكن تراه».
قال: «ولكنني خسرت».
فقال: «قد تخسر وظيفة ولا تخسر نفسك. وقد تخسر مالًا ولا تخسر كرامتك. وقد تخسر طريقًا لتكتشف الطريق».
ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ البقرة: 216.
لم تتغير السماء في تلك اللحظة، ولم تنزل عليه وظيفة جديدة، ولم تختفِ مشكلاته. لكن شيئًا في داخله ارتفع: ارتفع معنى التجربة.
وهذه أحيانًا أولى درجات الرفع: أن يتغير تفسيرك للألم قبل أن يتغير الألم نفسه.
عاشرًا: الرفع بالكلمة والشعر
عرف الشعر العربي قيمة الكلمة التي ترفع صاحبها أو تهبط به. قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وقال أيضًا:
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسامُ
فالنفس الكبيرة لا تعني النفس المتكبرة، وإنما النفس التي تتجاوز صغائرها، وتطلب من المعالي ما يليق بإنسانيتها.
ومن الشعر الذي يلامس معنى الرفعة قول الشاعر:
لا تحسبنَّ المجدَ تمرًا أنت آكلُهُ لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا
فالرفعة ليست هدية مجانية. لها ثمن من الصبر والانضباط والمجاهدة.
أما الرفعة عند الله فميزانها مختلف عن ميزان السوق. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13. فليس المال، ولا اللون، ولا النسب، ولا الشهرة هي التي تمنح الإنسان قيمته النهائية.
وقد يكون الإنسان مجهولًا في الأرض، لكنه معروف في السماء بالخير. وقد يكون مشهورًا في الدنيا، لكن شهرته لا تمنحه شيئًا إذا خلا العمل من الإخلاص.
حادي عشر: الرافعة والرافع؛ من المعنى إلى الرمز
ومن الطريف أن «الرافع» في الاستعمال الحديث يطلق على الآلة التي تحمل الأثقال. وهذه الصورة المادية يمكن أن تتحول إلى رمز تربوي جميل.
فالرافعة لا ترفع الحجر لأنها أقوى منه فحسب، وإنما لأنها تستعمل نقطة ارتكاز وقوة مناسبة وآلية صحيحة.
وكذلك الإنسان. لا يستطيع أن يرفع نفسه بالضغط العشوائي. يحتاج إلى ارتكاز: إيمان، وعلم، وعمل، وصبر، وصحبة صالحة، وهدف واضح.
وقد يحمل الإنسان في صدره جبلًا من الهموم، ثم تأتيه كلمة صادقة فترفع عنه شيئًا من الحمل. وقد يحمل طالبٌ خوفًا من المستقبل، فيجد معلمًا يرشده إلى خطة واضحة. وقد تحمل أمٌّ همّ أسرتها، فيأتيها من يساندها دون أن يشعرها بالعجز.
كل هؤلاء «رافعات» بشرية، لكن أثرها لا يستقل عن فضل الله.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ النحل: 53.
ثاني عشر: كيف يكون الإنسان رافعًا؟
يمكن تحويل معنى «الرافع» إلى برنامج عملي في الحياة:
أولًا: ارفع نفسك بالعلم، لا بالجدال. اقرأ، وتعلم، واسأل، واعترف بما لا تعرف.
ثانيًا: ارفع نفسك بالعبادة، فالعبادة تمنح القلب مركزًا ثابتًا وسط اضطراب العالم.
ثالثًا: ارفع غيرك بالكلمة الطيبة. لا تبخل على إنسان يحتاج إلى تشجيع.
رابعًا: ارفع أهلك بالرحمة. فالبيت الذي يكثر فيه النقد ويقل فيه الاحتضان بيتٌ يثقل الأرواح.
خامسًا: ارفع المجتمع بالعمل. لا تنتظر أن يتغير كل شيء حتى تبدأ أنت.
سادسًا: ارفع المظلوم بنصرته، لا بمجرد التعاطف معه.
سابعًا: ارفع الباطل عن نفسك، بأن لا تشارك فيه ولو كان شائعًا.
ثامنًا: ارفع قلبك عن المقارنة. فلكل إنسان رزقه وطريقه وتوقيته.
وتاسعًا: ارفع همتك دون أن ترفع نفسك على الناس. وهذه من أدق المعادلات الأخلاقية.
خاتمة
«الرافع» ليس كلمةً تقف عند حدود المعجم، ولا مفهومًا دينيًّا مجردًا، بل نافذة واسعة على الإنسان والكون والقلب والمجتمع.
الله تعالى يرفع السماوات، ويرفع أهل الإيمان والعلم، ويرفع من يشاء بحكمته، ويجعل للإنسان من أسباب الرفعة أبوابًا كثيرة. لكن الرفعة الكبرى ليست أن يرى الناس اسمك، بل أن يرى الله منك صدقك. ليست أن تقف فوق الآخرين، بل أن تستطيع أن تمد يدك إليهم دون استعلاء. ليست أن تملك منصة عالية، بل أن يكون لك قلب لا يسقط أمام المصلحة ولا ينحني إلا لله.
والإنسان في رحلة الحياة يتعرض للرفع والخفض، للنجاح والانكسار، للقبول والرفض، للفتح والإغلاق. وليس مطلوبًا منه أن يملك كل شيء، وإنما أن يحسن السير فيما يملك.
قد يغلق الله بابًا، فيفتح في الروح نافذة. وقد يخفض الإنسان في أعين قوم، ليرفعه في أعين قوم آخرين. وقد يسقط من مكان ظن أن قيمته معلقة به، ليكتشف أن قيمته أعمق من المكان.
إن أعظم ما يمكن أن يتعلمه المرء من معنى «الرافع» أن الرفعة ليست امتلاك الأعلى، وإنما بلوغ الأعلى في الأخلاق والوعي والإيمان.
فإذا أردت أن تعرف مقدار رفعتك، فلا تنظر إلى عدد الذين يصفقون لك، بل إلى عدد الذين يشعرون بالأمان بقربك. لا تنظر إلى ارتفاع صوتك، بل إلى عمق أثرك. لا تنظر إلى مقدار ما أخذت من الدنيا، بل إلى مقدار ما رفعت من إنسان.
وفي النهاية، يبقى الدعاء الأجمل أن يقول القلب:
يا رب، ارفعنا بك لا بأنفسنا، وارفع أخلاقنا قبل مقاماتنا، وارفع علمنا قبل شهرتنا،
وارفع قلوبنا عن الصغائر، وارفع عن الضعفاء ما أثقلهم، واجعلنا مفاتيح للخير،
واجعل في أيدينا قدرةً على البناء، وفي كلماتنا قدرةً على التضميد، وفي قلوبنا رحمةً لا تستعلي، وفي نفوسنا تواضعًا لا يذل، وفي مسيرتنا نورًا يدلنا عليك.
فليس الرفع أن يصعد الإنسان فوق الناس، بل أن يصعد عن نفسه؛ عن غرورها، وعن خوفها، وعن حقدها، وعن عبوديتها لما سوى الله.
وحينها فقط يصبح الارتفاع رحلةً إلى الداخل، ويصبح التواضع طريقًا إلى العلو، ويصبح الإنسان، بقدر ما يرفع غيره، أهلًا لأن يُرفع.
مراجع مختارة :
1. القرآن الكريم، ولا سيما سور: الرعد، المجادلة، فاطر، يوسف، النساء، آل عمران، الحجرات، الزمر، البقرة، النحل.
2. البخاري، صحيح البخاري، أبواب العلم والأدب والمظالم.
3. مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، وكتاب الذكر والدعاء والتوبة.
4. ابن منظور، لسان العرب، مادة «رفع».
5. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مادة «رفع».
6. الخطابي، شأن الدعاء، في بيان معاني «الخافض الرافع».
7. البيهقي، الأسماء والصفات، وما نقله عن الحليمي في معاني الخفض والرفع.
8. الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، في مباحث الخافض والرافع وآثار المعرفة بأسماء الله في سلوك العبد.
9. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة «رفع».
10. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، في تفسير آيات الرفع الواردة في القرآن.
11. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، في تفسير قوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾.
12. النووي، شرح صحيح مسلم، في شرح حديث: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
13. المتنبي، ديوان المتنبي، في أبيات العزم والمجد وعلو الهمة.
14. الشافعي، ديوان الإمام الشافعي، وما ورد في أدبياته من معاني التواضع والعلم وعلو الهمة.
15. عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، في مباحث الاجتماع والعصبية والعمران ومكانة الإنسان داخل الجماعة.
