الأفعال المتعدية إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر
تتميّز اللغة العربية بدقّة نظامها النحوي، فهي لا تكتفي بأن تمنح الكلمة موقعًا في الجملة، بل تجعل لكل فعل طاقته الخاصة في التعدية، ولكل معنى طريقته في بناء الكلام. ومن دقائق هذا النظام باب الأفعال المتعدية إلى مفعولين، وهو باب يلتقي فيه الفعل بالمفعول في بناء دلالي متين، إذ لا يكتمل معنى بعض الأفعال إلا بذكر شيئين يقع عليهما أثر الفعل.
وتنقسم الأفعال التي تنصب مفعولين إلى قسمين كبيرين: أفعال يكون مفعولاها في الأصل مبتدأً وخبرًا، مثل: ظنَّ الطالبُ الدرسَ سهلًا؛ وأفعال لا يكون مفعولاها في الأصل مبتدأً وخبرًا، مثل: أعطى الأبُ ابنَه هديةً. والفرق بين القسمين دقيق، لكنه يسهل فهمه إذا تأملنا الجملة قبل دخول الفعل عليها.
ويهدف هذا البحث إلى توضيح القسم الثاني، وبيان مفهومه، وأشهر أفعاله، وطريقة إعرابه، مع الاستعانة بأمثلة واضحة وشواهد من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي، حتى تتحول القاعدة من تعريف جاف إلى صورة حية يسهل إدراكها وتذكرها.
أولًا: مفهوم الأفعال المتعدية إلى مفعولين
الأفعال المتعدية إلى مفعولين، التي ليس أصلهما المبتدأ والخبر، هي أفعال تحتاج في تمام معناها إلى مفعولين، لكن هذين المفعولين لا يكونان معًا جملة اسمية مفيدة إذا حذفنا الفعل والفاعل.
ومن أشهر هذه الأفعال:
أعطى، ومنح، ووهب، وكسا، وألبس، وسأل، ومنع.
فنقول: أعطى الغنيُّ الفقيرَ مالًا.
فالفعل أعطى يحتاج إلى شخصٍ وقع عليه العطاء، وإلى شيءٍ وقع عليه العطاء؛ فـالفقيرَ هو الذي أُعطي، ومالًا هو الشيء الذي أُعطي.
ولو حذفنا الفعل والفاعل، بقيت: الفقيرُ مالٌ.
وهذه ليست جملة اسمية صحيحة المعنى؛ لأن الفقير ليس مالًا، والمال ليس خبرًا عنه. ومن هنا نعرف أن المفعولين ليس أصلهما مبتدأً وخبرًا.
وهذا هو المفتاح الأساسي لفهم الباب: إذا حذفنا الفعل والفاعل، ولم نستطع أن نجعل المفعولين مبتدأً وخبرًا، فالفعل من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
ثانيًا: الفرق بين هذا الباب وظنَّ وأخواتها
يختلط هذا الباب أحيانًا بباب آخر، هو باب ظنَّ وأخواتها؛ لأن كليهما يتعدى إلى مفعولين. غير أن الفرق بينهما واضح إذا رجعنا إلى أصل الجملة.
نقول: ظننتُ الطالبَ مجتهدًا.
فإذا حذفنا الفعل والفاعل، بقي: الطالبُ مجتهدٌ.
وهذه جملة اسمية مفيدة، تتكون من مبتدأ وخبر. لذلك نقول إن مفعولي ظن أصلهما المبتدأ والخبر.
أما إذا قلنا: منحتُ الطالبَ جائزةً.
فإذا حذفنا الفعل والفاعل بقي: الطالبُ جائزةٌ.
وهذه ليست جملة صحيحة المعنى؛ فالطالب ليس جائزة، والجائزة ليست خبرًا عن الطالب. لذلك فمفعولا منح ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
إذن يمكن تلخيص الفرق في قاعدة سهلة:
مفعولا ظنَّ وأخواتها يمكن أن يكونا في الأصل مبتدأً وخبرًا، أما مفعولا أعطى وأخواتها فلا يكونان كذلك.
وهذه الطريقة في المقارنة تساعد الطالب على اكتشاف القاعدة بنفسه، بدل أن يحفظها حفظًا مجردًا.
ثالثًا: أشهر الأفعال المتعدية إلى مفعولين
1 - أعطى
يُعدّ أعطى من أشهر أفعال هذا الباب، وهو يدل على نقل شيء أو منحه لشخص.
نقول: أعطى الأبُ ابنَه كتابًا.
الإعراب:
• أعطى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدّر على الألف للتعذر.
• الأب: فاعل مرفوع بالضمة.
• ابنَه: مفعول به أول منصوب، وهو مضاف، والهاء ضمير في محل جر مضاف إليه.
• كتابًا: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
فالفعل هنا يصور يدًا تمتد بالعطاء، وشخصًا يتلقى، وشيئًا يصل إليه.
ومن استعمالاته قولنا:
أعطى المعلمُ الطالبَ نصيحةً.
فالطالب مفعول أول، والنصيحة مفعول ثانٍ.
2 - منح
يأتي منح بمعنى أعطى، ولذلك ينصب مفعولين.
نقول: منح المعلمُ المتفوقَ جائزةً.
الإعراب:
• منح: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
• المعلم: فاعل مرفوع بالضمة.
• المتفوق: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
• جائزة: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
ولو حذفنا الفعل والفاعل، لقلنا: المتفوقُ جائزةٌ،
وهي جملة لا تؤدي المعنى المقصود؛ لأن المتفوق ليس جائزة.
ومن الأمثلة الأدبية: منح اللهُ الطبيعةَ نضرةً وبهاءً.
فـالطبيعةَ مفعول أول، ونضرةً مفعول ثانٍ، وبهاءً معطوف على المفعول الثاني.
3 - وهب
الفعل وهب قريب في معناه من أعطى ومنح، ويأتي متعديًا إلى مفعولين.
نقول: وهب القائدُ الجنديَّ مكافأةً.
فـالجنديَّ مفعول به أول، ومكافأةً مفعول به ثانٍ.
ونقول أيضًا: وهب اللهُ الإنسانَ عقلًا.
فالإنسان مفعول أول، وعقلًا مفعول ثانٍ.
وفي هذا الفعل معنى جميل يتجاوز مجرد العطاء؛ فالهبة عطاء يحمل في داخله معنى الفضل والكرم، وكأن الشيء الممنوح يجيء إلى صاحبه بلا ثقل، مثل نسمة تهبط على قلب عطشان.
4 - كسا
من الأفعال التي تنصب مفعولين كسا، عندما يكون معناها: ألبس أو غطّى شيئًا بشيء.
نقول: كسا الشتاءُ الأرضَ ثوبًا أبيضَ.
فـالأرضَ مفعول به أول، وثوبًا مفعول به ثانٍ.
ومن أجمل الشواهد القرآنية قول الله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ المؤمنون: 14.
فـالعظام مفعول به أول، ولحمًا مفعول به ثانٍ؛ لأن معنى كسونا هنا: ألبسنا العظام لحمًا، وجعلنا اللحم غطاءً لها. وقد جاء هذا التركيب في سياق بديع يصور مراحل الخلق تصويرًا متدرجًا، حتى تبدو الألفاظ كأنها تتحرك أمام العين من مرحلة إلى مرحلة.
ويجب التنبيه إلى أن كسا قد يأتي بمعنى غطّى، فيتعدى إلى مفعول واحد بحسب السياق. ومن ذلك قول امرئ القيس:
وأركبُ في الروعِ خيفانةً كسا وجهَها سَعَفٌ منتشرُ
فالفعل كسا هنا بمعنى غطّى، ووجهها مفعول به، أما سعف فهو الفاعل. وقد ورد البيت منسوبًا إلى امرئ القيس في كتب اللغة.
وهذا المثال مهم؛ لأنه يعلّمنا أن الحكم النحوي لا يتعلق بالفعل وحده، بل بالمعنى الذي يؤديه في السياق.
5 - ألبس
الفعل ألبس يدل على جعل شخص يرتدي شيئًا، ويتعدى إلى مفعولين.
نقول: ألبستِ الأمُّ طفلَها ثوبًا جديدًا.
فـطفلها مفعول به أول، وثوبًا مفعول به ثانٍ.
ولو حذفنا الفعل والفاعل، بقي: الطفلُ ثوبٌ،
وهو تركيب غير مفيد، مما يدل على أن المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
ويمكن أن نقول في أسلوب أدبي: ألبس الربيعُ الحقولَ ثوبًا أخضرَ.
فالربيع لا يلبس الحقول لباسًا حقيقيًا، وإنما الصورة البلاغية جعلت الخضرة ثوبًا يكسو الأرض، فجاء النحو خادمًا للصورة، وجاءت الصورة كاشفة عن جمال اللغة.
6 0 سأل
يأتي سأل متعديًا إلى مفعولين عندما يكون بمعنى طلب، فنقول: سأل المؤمنُ اللهَ المغفرةَ.
فـاللهَ مفعول به أول ، والمغفرةَ مفعول به ثانٍ.
ومن الشواهد القرآنية قول الله تعالى على لسان نوح عليه السلام:
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ هود: 29.
فـكم في أسألكم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، ومالًا مفعول به ثانٍ؛ لأن المعنى: لا أطلب منكم مالًا على تبليغ الرسالة. وقد بيّن المفسرون أن نوحًا عليه السلام ينفي عن دعوته طلب الأجر الدنيوي، ويجعل أجره على الله.
ومن الشواهد النبوية حديث أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«من سأل اللهَ الجنةَ ثلاث مرات...»
فالحديث شاهد واضح على استعمال سأل بمعنى طلب، إذ طلب العبد الجنة من الله تعالى. والحديث صحيح، ورُوي في الترمذي والنسائي وابن ماجه.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن سأل لا يكون متعديًا إلى مفعولين دائمًا؛ فقد يأتي بمعنى الاستفسار، وحينئذ تختلف تعديته.
فنقول: سأل الطالبُ المعلمَ السؤالَ.
إذا كان المقصود: طلب منه الإجابة أو طلب منه السؤال، جاز أن يتعدى إلى مفعولين بحسب المعنى.
أما إذا قلنا: سأل الطالبُ عن الدرسِ.
فـعن الدرس جار ومجرور، وليس مفعولًا به ثانيًا.
إذن القاعدة هنا مرتبطة بالمعنى: سأل بمعنى طلب قد ينصب مفعولين، أما سأل بمعنى استفسر فيتعدى غالبًا بحرف الجر.
7 - منع
الفعل منع من الأفعال التي قد تنصب مفعولين، ويكون معناه الحيلولة بين شخص وشيء.
نقول: منع المعلمُ الطالبَ الكلامَ.
فـالطالب مفعول به أول، والكلام مفعول به ثانٍ.
ولو حذفنا الفعل والفاعل، بقي: الطالبُ الكلامُ،
وهذا لا يصح أن يكون جملة اسمية ذات معنى؛ ومن هنا نعرف أن المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
ومن أمثلته: منع الحارسُ الزائرَ الدخولَ.
فالزائر هو الذي وقع عليه المنع، والدخول هو الشيء الذي مُنع منه.
رابعًا: قاعدة الاختبار السريع
يمكن للطالب أن يتعامل مع هذا الباب من خلال اختبار بسيط من ثلاث خطوات:
الخطوة الأولى: حدّد الفعل.
الخطوة الثانية: اسأل: هل يحتاج الفعل إلى مفعولين حتى يتم معناه؟
الخطوة الثالثة: احذف الفعل والفاعل، وانظر إلى المفعولين: هل يمكن أن يكون الأول مبتدأ والثاني خبرًا؟
فإذا قلنا: أعطى الأبُ الطفلَ لعبةً.
وبعد حذف الفعل والفاعل: الطفلُ لعبةٌ.
لا يصح المعنى، إذن الفعل من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
أما: ظننتُ الطفلَ سعيدًا.
فبعد الحذف: الطفلُ سعيدٌ.
وهذه جملة اسمية صحيحة؛ ولذلك فمفعولا ظن أصلهما المبتدأ والخبر.
وهكذا تتحول القاعدة من معلومة محفوظة إلى ميزان صغير يستطيع الطالب أن يحمله معه في أثناء الإعراب.
خامسًا: نموذج إعراب تطبيقي
قال الطالب: منحتُ الرجلَ مالًا.
الإعراب:
• منحتُ: منح فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل.
• التاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
• الرجل: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
• مالًا: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
ومن أمثلة الإعراب: منح اللهُ الطبيعةَ نضرةً وبهاءً.
• منح: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
• الله: لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
• الطبيعة: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
• نضرة: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
• الواو: حرف عطف.
• بهاء: اسم معطوف على نضرة منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
ومثال آخر: ألبست الأمُّ طفلَها ثوبًا.
• ألبست: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث الساكنة.
• الأم: فاعل مرفوع بالضمة.
• طفلها: مفعول به أول منصوب، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
• ثوبًا: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
ومثال: وهب الأبُ ابنَه نصيحةً.
• وهب: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
• الأب: فاعل مرفوع.
• ابنه: مفعول به أول منصوب، وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
• نصيحة: مفعول به ثانٍ منصوب.
سادسًا: تنبيه مهم حول تعدية الفعل بحسب المعنى
ليس من الصواب أن نحفظ الفعل ثم نحكم عليه حكمًا واحدًا في كل موضع؛ لأن العربية لغة السياق والمعنى. فقد يتغير عدد المفاعيل بتغير دلالة الفعل.
فالفعل كسا مثلًا قد يأتي متعديًا إلى مفعولين بمعنى ألبس: كسا الأبُ طفلَه ثوبًا.
وقد يأتي متعديًا إلى مفعول واحد بمعنى غطّى: كسا الثلجُ الجبلَ.
وكذلك سأل قد ينصب مفعولين إذا كان بمعنى طلب: سأل الطالبُ المعلمَ جوابًا.
وقد يتعدى بحرف الجر إذا كان بمعنى استفسر: سأل الطالبُ عن الدرسِ.
وهذا يدل على أن النحو ليس مجموعة قوالب جامدة، وإنما هو علم يكشف العلاقة بين اللفظ والمعنى. فالكلمة قد تبدو واحدة، لكن معناها حين يتغير تتغير معه وظيفتها النحوية.
سابعًا: شاهد من القرآن الكريم
يظل القرآن الكريم من أصفى الشواهد العربية وأقواها، وفيه تظهر دقة التعدية ووضوح العلاقة بين الفعل والمفعولين.
ومن أبرز الشواهد قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ المؤمنون: 14.
فالفعل كسا هنا من الأفعال التي نصبت مفعولين:
• العظام: مفعول به أول.
• لحمًا: مفعول به ثانٍ.
وفي هذا التركيب تتجلى دقة التعبير؛ فالفعل كسا يحمل صورة اللباس والستر، وكأن اللحم ثوب يحيط بالعظام ويكسوها. وقد فسّر أهل اللغة والتفسير كسونا بمعنى ألبسنا وجعلنا اللحم غطاءً للعظام.
ومن الشواهد كذلك: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ هود: 29.
فالضمير في أسألكم هو المفعول الأول، ومالًا هو المفعول الثاني، لأن سأل هنا بمعنى طلب.
وهكذا نرى أن القاعدة النحوية ليست منفصلة عن جمال النص، بل تكشف لنا شيئًا من هندسته الداخلية، وتبين كيف يربط الفعل بين المعنى ومن يقع عليه الفعل وما يقع عليه.
ثامنًا: شاهد من الحديث النبوي
ومن الحديث النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من سأل اللهَ الجنةَ ثلاث مرات...»
ففي تركيب سأل الله الجنة يظهر الفعل سأل متعديًا إلى مفعولين:
• الله: مفعول به أول.
• الجنة: مفعول به ثانٍ.
وقد ورد الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ورُوي في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه، وحُكم عليه بالصحة في مصادر الحديث المشار إليها.
وفي هذا الشاهد يتلاقى النحو مع المعنى الروحي؛ فالسؤال هنا ليس سؤال معرفة واستفسار، وإنما هو طلب ورجاء، ولذلك اتسع الفعل لمفعولين: مطلوبٌ منه الطلب، ومطلوبٌ هو الشيء نفسه.
تاسعًا: شاهد من الشعر العربي
قال امرؤ القيس:
وأركبُ في الروعِ خيفانةً كسا وجهَها سَعَفٌ منتشرُ
وفي هذا البيت جاء كسا بمعنى غطّى، فتعدى إلى مفعول واحد، وهو وجهها، أما سعف فهو الفاعل، ومنتشر صفة له. وقد أوردت كتب اللغة البيت شاهدًا على معنى الخيفانة وعلى استعمال كسا في معنى التغطية.
وهذا الشاهد له قيمة تعليمية خاصة؛ لأنه يثبت أن الفعل الواحد قد يتغير حكمه بحسب دلالته. فلا يصح أن نقول: إن كسا ينصب مفعولين في كل استعمال، بل نقول: كسا إذا جاء بمعنى ألبس تعدى إلى مفعولين، وإذا جاء بمعنى غطّى جاز أن يتعدى إلى مفعول واحد.
وفي هذا مرونة العربية وثراؤها؛ فهي لا تحبس اللفظ في قفص واحد، بل تفتح له أبوابًا متعددة بحسب المقام.
عاشرًا: أمثلة تطبيقية متنوعة
يمكن تدريب الطالب على القاعدة من خلال الأمثلة الآتية:
أعطى الطبيبُ المريضَ دواءً.
المريض: مفعول به أول.
دواءً: مفعول به ثانٍ.
منح المديرُ الموظفَ مكافأةً.
الموظف: مفعول به أول.
مكافأة: مفعول به ثانٍ.
وهب اللهُ الإنسانَ عقلًا.
الإنسان: مفعول به أول.
عقلًا: مفعول به ثانٍ.
كسا الربيعُ الأرضَ خضرةً.
الأرض: مفعول به أول.
خضرة: مفعول به ثانٍ.
ألبست الأمُّ ابنتَها ثوبًا جميلًا.
ابنتها: مفعول به أول.
ثوبًا: مفعول به ثانٍ.
سأل المؤمنُ ربَّه الرحمةَ.
ربه: مفعول به أول.
الرحمة: مفعول به ثانٍ.
منع الحارسُ الزائرَ الدخولَ.
الزائر: مفعول به أول.
الدخول: مفعول به ثانٍ.
وعند حذف الفعل والفاعل من هذه الجمل لا تتكون جملة اسمية صحيحة من المفعولين، وهذه علامة جامعة تساعد على تثبيت القاعدة.
حادي عشر: ملاحظة حول أفعال أخرى
لا تنحصر الأفعال الواردة في كتب النحو في الأفعال السبعة المذكورة، فقد تلحق بها أفعال أخرى بحسب استعمالها وتعديتها، ومن ذلك رزق في بعض الاستعمالات:
رزق اللهُ الفقيرَ مالًا.
فالفقير مفعول به أول، ومالًا مفعول به ثانٍ.
كما تتنوع الأفعال التي تتعدى إلى أكثر من مفعول في العربية بحسب معناها واستعمالها، ولذلك ينبغي للطالب أن يجمع بين حفظ أشهر الأفعال وفهم دلالة الفعل في السياق. فالحفظ وحده قد يقود إلى الخطأ، أما الفهم فيجعل الإعراب نتيجة طبيعية للمعنى.
خاتمة
يتضح مما سبق أن الأفعال المتعدية إلى مفعولين، التي ليس أصلهما المبتدأ والخبر، باب مهم من أبواب النحو العربي، يقوم على فهم العلاقة بين الفعل وما يقع عليه أثره. ومن أشهر هذه الأفعال: أعطى، ومنح، ووهب، وكسا، وألبس، وسأل، ومنع.
والعلامة الأوضح للتمييز بينها وبين ظن وأخواتها هي أن المفعولين بعد هذه الأفعال لا يمكن أن يكونا في الأصل مبتدأً وخبرًا. فإذا حذفنا الفعل والفاعل، لم نجد بينهما جملة اسمية مفيدة، كما في: أعطى الأبُ الطفلَ كتابًا؛ إذ لا يصح أن نقول: الطفل كتاب.
وقد كشفت الشواهد القرآنية والحديثية والشعرية أن النحو ليس علمًا بعيدًا عن جمال الأدب، بل هو الهيكل الخفي الذي يحمل جمال العبارة. ففي قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ يظهر الفعل في صورة لباس يحيط بالعظام، وفي قوله تعالى: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ تتجلى دقة التعدية ودقة المعنى، وفي الشعر تتسع الدلالة بحسب السياق.
ومن هنا فإن أفضل سبيل إلى إتقان هذه القاعدة هو الجمع بين الفهم والإعراب والتطبيق والشاهد. فحين يفهم الطالب المعنى، يرى المفعولين بعين البصيرة قبل أن يضع عليهما علامة الإعراب؛ وحين يقرأ الشاهد في القرآن والحديث والشعر، يشعر أن القاعدة لم تعد سطرًا في كتاب، بل صارت جزءًا من نسيج العربية الحي.
إن النحو في جوهره ليس أثقالًا من المصطلحات، وإنما هو ميزان خفي يحفظ للكلمة مكانها، وللجملة توازنها، وللمعنى طريقه. وكلما اقترب الدارس من هذا الميزان، بدا له لسان العرب أكثر صفاءً، وأشد إحكامًا، وأوسع جمالًا.
المراجع
1. القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية 14، وسورة هود، الآية 29.
2. ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك،
3. عباس حسن، النحو الوافي، دار المعارف.
4. مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، المكتبة العصرية.
5. ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك،
6. ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
7. نشوان بن سعيد الحميري، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، في مادة «خيف».
8. الترمذي، سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث سؤال الجنة.
9. النسائي، سنن النسائي، في الأحاديث الواردة في سؤال الجنة والاستعاذة من النار.
10. ابن ماجه، سنن ابن ماجه، في أبواب الزهد والفضائل.
11. امرؤ القيس، ديوانه، ومن شواهده: «وأركب في الروع خيفانةً / كسا وجهها سعف منتشر».
