الخيانة الزوجية
كان المساء قد انحنى على المدينة ككاهلٍ متعب ، حين جلس الدكتور فوزي المعلوف خلف مكتبه العريض في عيادته الصغيرة.
الضوء الأصفر المنبعث من المصباح الوحيد فوق المكتب كان ينسكب ببطء على الأوراق المبعثرة أمامه ، كأنه ضوء غرفة اعتراف لا غرفة طبيب.
في الخارج ، كانت حركة المدينة تخفت شيئاً فشيئاً , أما في الداخل، فكان صوت واحد فقط يملأ المكان… صوت امرأة تتكلم ببطء.
كانت السيدة صفاء جالسة قبالته. امرأة ممتلئة قليلاً ، في منتصف الثلاثينيات ، ترتدي ثوباً أزرق داكناً فضفاضاً، وتضع حقيبتها على حجرها كما لو كانت درعاً يحميها من شيء لا يُرى.
ومنذ نصف ساعة… وهي تتحدث ببطء . لم تكن تتوقف.
قالت وهي تحدق في نقطة ما فوق كتف الطبيب:
كنت طفلة صغيرة هادئة… أبي كان صارماً جداً مع الجميع… ربما أكثر مما ينبغي . لم يكن يسمح لنا بالخروج كثيراً… أذكر أنني كنت أقف خلف النافذة وأراقب الأطفال وهم يلعبون…
لم يعلق الطبيب. كانت هذه الجمل مألوفة لديه.
طفولة معذبة ، أب صارم ، حرمان عاطفي.
المقدمة التقليدية لآلاف العقد النفسية التي مرت على مكتبه.
لكن ما كان يزعجه ليس القصة… بل الطريقة.
كانت المرأة تسرد كل شيء كل تفصيلة صغيرة كانت ، حتى التافهة منها. لون الستائر الداكنة. صوت ساعة الحائط المرتفع. ، شكل الشجرة في حديقة المنزل ، كل شيء… إلا شيئاً واحداً.
كان يشعر بذلك منذ اللحظة الأولى.
هناك شيء… تتحاشاه عمداً.
شيء يقف خلف هذا السيل من الكلام، مثل ظل ثقيل خلف ستارة شفافة.
مرر الطبيب فزي يده على جبينه.
كان اليوم طويلاً. ثماني جلسات متتالية. اعترافات. دموع. كذب.
وذلك النوع من الصمت الذي يعرفه الأطباء النفسيون جيداً… الصمت الذي يخفي الحقيقة.
نظر إلى الساعة. الرابعة وخمسون دقيقة. لم يبقَ إلا ست دقائق.
لكن المرأة لم تكن تقترب من النهاية. كانت تنتقل الآن إلى مرحلة الشباب.
قالت:
حين بلغت التاسعة عشرة… بدأت أخرج أكثر. كانت أمي تقول إنني جميلة… لكنني لم أكن أصدقها… كنت خجولة جداً…
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة ,.
تعرفت إلى بعض الرجال في الحديقة… لكنها لم تكن مغامرات حقيقية… كانت ..
توقفت لحظة.
ثم قالت بصوت خافت:
كانت بريئة… ربما ساذجة أيضاً .
لاحظ الطبيب الكلمة.
ساذجة.
كتبها في مفكرته.
سكتت المرأة قليلاً. كان الصمت قصيراً، لكنه مختلف.
في تلك اللحظة تحديداً… رفع الطبيب رأسه.
كان قد تعلم عبر سنوات الممارسة أن هناك لحظات معينة يقترب فيها المريض من الحقيقة. لحظات قصيرة… مثل حافة الهاوية.
قال بهدوء:
ثم ماذا؟
رفعت المرأة عينيها إليه.وفي نظرتها شيء من التردد.
ثم قالت:
ثم… تزوجت.
بدأ صوتها يتغير. لم يكن ذلك واضحاً لمن لا ينتبه.
لكن الطبيب لاحظه فوراً. نبرة مرارة خفيفة.
قالت:
كان زوجي… يكبرني كثيراً ، اختاره أبي
توقفت لحظة.ثم أضافت:
أكثر من عشرين عاماً
رفع الدكتور فوزي حاجبه قليلاً.
عشرون عاماً. ليس رقماً صغيراً.
تابعت:
كان رجلاً طيباً… كريماً… يهتم بي كثيراً .
ثم ابتسمت ابتسامة غريبة.
أحياناً كنت أشعر أنه لا يعاملني كزوجة… بل كابنة
كتب الطبيب كلمة جديدة:
الأب.
ثم رسم دائرة على ورقة بيضاء. داخل الدائرة رسم مربعاً. ثم مدّ من ثلاثة أضلاع خطوطاً مستقيمة نحو المركز.
كان يفكر.
لكن عقله لم يبقَ مع المرأة طويلاً.
فجأة… انتقل إلى مكان آخر. إلى منزله.
إلى هدى . زوجته. ظهرت صورتها في ذهنه واضحة. شابة… مشرقة… ممتلئة بالحياة. كانت أصغر منه بأكثر من عشرين عاماً.
تماماً… مثل السيدة صفاء.
شعر بشيء يشبه الوخز في صدره.
في الأسابيع الأخيرة… كانت هدى غريبة قليلاً. شديدة الاهتمام بالفنون. تزور المعارض. تقف طويلاً أمام التماثيل. كانت تقول إنها تحب فن الخلق.
ربما… فكر الدكتور فوزي . ربما لأنها لم تنجب.
نعم. لا بد أن ذلك هو السبب. تحولت غريزة الأمومة لديها إلى حب للفن.
تفسير منطقي. علمي. ومع ذلك… مرّ اسم في ذهنه.
أحمد . النحات الشاب الذي كانت تزور مرسمه أحياناً.
هز الطبيب رأسه بسرعة.
لا.هذا سخيف. هدى ليست من هذا النوع.
عاد صوته إلى الغرفة.
صوت السيدة صفاء .
ولهذا السبب كنت دائماً أتعاطف مع جارتي مها
رفع الطبيب رأسه.
مها .. أومأت. نعم… قصة خيانتها لزوجها
ثم قالت بنبرة حماس غير متوقعة:
الجميع يدينها… لكنني أعتقد أنهم ظالمون
صمت الطبيب.
تابعت:
هل يمكن أن نسمي ذلك خيانة؟
ثم نظرت إليه مباشرة.
إذا كانت الظروف نفسها هي التي دفعتها؟
تصلب الطبيب قليلاً.
قالت:
زوجي منسي يقول الشيء نفسه
ثم تنهدت.
لكنني لا أعتقد أن الأسباب التي تدفع المرأة إلى مثل هذا الفعل… تكون دائماً حقيرة… أو مخجلة… أو تستحق العار.
في تلك اللحظة… انحنى الطبيب بسرعة إلى دفتره. وكتب ثلاث كلمات:
حقيرة ، مخجلة ، العار
كان عقله يعمل الآن بسرعة.
الدائرة. المربع.الخطوط الثلاثة. الضلع الناقص. كل شيء يشير إلى شيء واحد. " خيانة " .
لكن المرأة لا تعترف. بل تدافع عن فكرة الخيانة نفسها. هذا دفاع إسقاطي واضح.
رفع رأسه ببطء.
كان على وشك دفعها إلى الاعتراف.
لكن… قبل أن يتكلم… رن جرس الساعة. الخامسة.
قال الطبيب بلهجة رسمية:
انتهى الوقت.
بدت المرأة كأنها استيقظت من حلم. وقفت ببطء. دخلت الممرضة. وأخذتها إلى الخارج.
بقي الطبيب وحده.
لحظة صمت.
ثم قالت الممرضة قبل أن تغلق الباب:
زوجة الدكتور فوزي تنتظرك في الخارج يا سيدي.
رفع رأسه.
أدخلِيها.
فتح الباب. ودخلت هدى . كانت ترتدي معطفاً أزرق فاتحاً.
شعرها الأشقر ينسدل على كتفيها. وكان في وجهها ذلك الإشراق الذي جعله يقع في حبها منذ سنوات.
ما إن رأته حتى قالت بقلق:
يا عزيزي… تبدو مرهقاً جداً
حاول أن يبتسم. لكن الابتسامة خرجت باهتة.
قال:
كان يوماً طويلاً.»
جلست أمامه.
ثم سألت:
هل كانت تلك المرأة نفسها؟
«نعم… السيدة صفاء
ابتسمت هدى .
عقدة أوديب !
قال:
تقريباً… لكن الأمر أكثر تعقيداً.
ثم أضاف:
أعتقد أنها ارتكبت خطيئة… لكنها لا تريد الاعتراف.
رفعت هدى حاجبيها.
خيانة زوجية؟
قال ببطء:
أظن ذلك .
وهل قالت ذلك؟
ليس مباشرة.
ابتسمت هدى ابتسامة خفيفة.
ربما تتوهم.
هز رأسه.
لا… أنا متأكد
قالت هدى فجأة:
ولماذا يهمك الأمر إلى هذا الحد؟
تفاجأ بالسؤال.
إنه عملي.
قالت بهدوء:
إذا كانت خائنة… ربما كان لديها سبب
نظر إليها.
سبب؟
قالت:
نعم… أحياناً تكون الظروف أقسى من القواعد.
ثم أضافت:
جارتها ، مثلاً
قاطعها:
هذا تبرير
ابتسمت هدى .
أم فهم؟
ثم مالت قليلاً للأمام. وقالت بصوت أعمق:
أنتم الرجال تحكمون بسرعة… إذا أخطأت امرأة… تصبح مذنبة فوراً ، لكنكم لا تسألون: لماذا ?
سكت الطبيب.
تابعت:
ربما كانت الدوافع…
ثم قالت الكلمات ببطء:
ليست حقيرة… ولا مخجلة… ولا تستحق العار
في تلك اللحظة… شعر الطبيب بشيء غريب.
كأن الغرفة ضاقت فجأة. عاد عقله… دون أن يشعر… إلى المفكرة أمامه. إلى الكلمات الثلاث.
حقيرة. مخجلة. العار. إلى الدائرة. إلى المربع. إلى الخطوط. إلى الضلع الناقص.
مد يده إلى القلم. ورسم الخط الرابع. التقت الخطوط الأربع في المركز. اكتمل الشكل.
ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة.
لقد حلّ اللغز.
السيدة صفاء خائنة. لا شك في ذلك. ولم يبقَ إلا أن يجعلها تعترف. رفع رأسه… ليقول ذلك.
لكن… حين رفع عينيه… توقف. تجمد.
لأن المرأة التي كانت أمامه… لم تكن السيدة صفاء . كانت هدى . زوجته.
في تلك اللحظة… تحطم شيء داخله. مثل مرآة سقطت فجأة.
كل الكلمات… كل التحليلات… كل الدفاع الحار عن الخيانة… كل تلك الجمل… لم تكن مجرد أفكار. كانت… اعترافاً. صامتاً. بطيئاً. لكن واضحاً.
لم يقل شيئاً. خفض رأسه ببطء. لم يعد الطبيب الذي يحلل. ولا الزوج الذي يسأل. كان فقط… رجلًا متعباً. أغمض عينيه. لأنه لم يرد أن يرى. لم يرد أن يلتقي بعينيها. عيني المرأة التي… كانت زوجته.
