حين تُقبل الدنيا… وحين تُدبر
بين زينة الحضور ووحشة الغياب
إذا أقبلت الدنيا على رجلٍ أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته حتى محاسن نفسه .
ليست الدنيا دائمًا مرآةً صادقة، ولا ميزانًا ثابتًا؛ فهي حين تُقبل على إنسانٍ تُلقي حوله من الضوء ما يجعل فضائله أكثر لمعانًا، وتمنحه من البهجة ما يجعل الناس يرون فيه ما قد لا يرونه حين تغيب عنه. وحين تُدبر، تفعل العكس تمامًا؛ فتسحب من المشهد ألوانه، وتطفئ بعض المصابيح، حتى يبدو المرء لنفسه غريبًا، وللآخرين أقلَّ شأنًا مما كان.
ولعل أجمل ما في هذه الحكمة أنها لا تتحدث عن الدنيا بوصفها مالًا وجاهًا فحسب، بل تكشف طبيعة أعمق في الحياة والناس: فالإنسان قد يُرى بعين ما حوله، لا بعين ما فيه. فإذا أحاط به الحظ، حسبوا الحظ فضيلةً فيه، وإذا انصرف عنه، حسبوا انصرافه عيبًا عليه.
حين تفتح الدنيا أبوابها لرجل، لا تأتيه وحدها، بل تأتي ومعها ظلال من الجمال. تبتسم له الوجوه قبل أن تتأمل ملامحه، وتُسمع كلماته بقلوبٍ مستعدة للتصديق، وتُفسَّر زلاته على أنها عفوية، وصمته على أنه حكمة، وجرأته على أنها شجاعة، وحزنه على أنه عمق، وحتى أخطاؤه قد تجد من يكسوها بثوب العذر.
كأن الدنيا، حين تحب أحدًا، لا تكتفي بأن تمنحه النور، بل تستعير له من نور الآخرين.
تمنحه هيبةً من هيبة المكان، ورفعةً من رفعة المقام، وجمالًا من جمال اللحظة. فإذا دخل مجلسًا، سبقه اسمه؛ وإذا تحدث، أنصتت له الآذان؛ وإذا ابتسم، رأى الناس في ابتسامته سرًّا لا يرونه في ابتسامة غيره.
وهكذا قد يصبح الإنسان، في أعين الناس، أكبر من صورته الحقيقية؛ لأن الظروف الجميلة تُحسن رسم الوجوه.
لكن ما أرقّ هذا الضوء، وما أسرع انطفاءه!
فما إن تُدبر الدنيا حتى يتغير كل شيء. الباب الذي كان يُفتح من تلقاء نفسه يصبح موصدًا، والصوت الذي كان يُسمع من بعيد يصبح خافتًا، واليد التي كانت تمتد للسلام تصبح مشغولة، والوجوه التي كانت تتسابق إلى القرب تجد ألف سبب للابتعاد.
وحينها يبدأ الامتحان الحقيقي.
لا امتحان المال، ولا امتحان المكانة، بل امتحان الذات.
هل يعرف الإنسان نفسه حين لا يصفق له أحد ؟ هل يحبها حين لا يمدحها أحد؟
هل يستطيع أن يرى قيمته حين لا تعكسها عيون الآخرين ؟
تلك هي اللحظة التي تسقط فيها الزينة، ويبقى الجوهر.
فالدنيا قد تمنحك قصرًا، لكنها لا تمنحك قلبًا عامرًا. وقد تضع حول اسمك هالةً من المجد، لكنها لا تستطيع أن تزرع في روحك كرامةً لا تهتز. وقد تجمع حولك الناس، لكنها لا تضمن أن يكون بينهم واحدٌ يحبك حين لا تملك شيئًا تمنحه.
لذلك، ليس كل من لمع نجمًا، وليس كل من خفت نوره قد انطفأ.
كم من إنسانٍ ظن الناس أنه عظيم لأن الظروف وضعته في مكان عظيم، وكم من إنسانٍ ظنوا أنه صغير لأن الظروف دفعته إلى زاويةٍ ضيقة! وما بين المكانين تضيع الحقيقة أحيانًا.
فالمعدن لا يُعرف في ضوء الذهب، وإنما يُعرف حين يختفي الذهب.
والشجرة لا تُختبر في الربيع وحده، حين تتزين بالأوراق والزهور، بل تُختبر في الشتاء، حين تعصف الرياح، وتتساقط الأوراق، ويبقى الجذع صامتًا في وجه البرد.
كذلك الإنسان.
قد تكون لك أيامٌ تشبه الربيع؛ تتفتح فيها الأبواب، وتتيسر الطرق، وتأتيك الأخبار الجميلة من حيث لا تحتسب. وقد تكون لك أيامٌ أخرى تشبه خريفًا طويلًا، يتساقط فيه ما كنت تظنه ثابتًا، وتبتعد وجوهٌ كنت تحسبها باقية، وتضيق مساحات الفرح، حتى تشعر أن الدنيا قد أدارت وجهها عنك.
لكن لا تجعل إقبالها غرورًا، ولا تجعل إدبارها انكسارًا.
فالدنيا متقلبة، والإنسان أثبت منها إذا عرف قدر نفسه.
قد تُقبل عليك اليوم فتضع في يدك ما لم تطلب، ثم تدبر غدًا فتأخذ منك ما ظننت أنه لك إلى الأبد. وقد ترفع اسمك في صباح، ثم تمر عليك مساءً كأنها لم تعرفك قط.
هي هكذا.
تمنح لتمنع، وترفع لتخفض، وتجمع لتفرق، وتضحك لتبكي.
وفي هذا التضاد سرّ من أسرارها.
فما من فرحٍ كامل إلا وفي أطرافه خوفٌ من الرحيل، وما من حزنٍ طويل إلا وفي قلبه نافذةٌ صغيرة تنتظر الضوء. الليل والنهار يتعاقبان، والورد يزهر ثم يذبل، والقمر يكتمل ثم يتناقص، والبحر يمد موجته ثم يسحبها.
وكأن الكون كله يهمس للإنسان: لا تتعلق بحالٍ واحد، ولا تظن أن الثبات للمتغير.
إن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان هو أن يعرف نفسه بعيدًا عن تصفيق الناس، وأن يحب روحه دون أن ينتظر شهادةً من أحد.
فإذا أقبلت الدنيا عليه، شكرها دون أن يسكر بزينتها.
وإذا أدبرت عنه، صبر دون أن يكره نفسه.
إذا جاءه المجد، لم ينسَ أيامه البسيطة. وإذا جاءه الفقر، لم ينسَ أن كرامته أغنى من كل مال. وإذا كثر حوله الأصدقاء، عرف أن كثرتهم لا تعني صدقهم. وإذا قلّوا، لم يظن أن وحدته دليل نقص.
فكم من وحيدٍ كان قلبه مدينةً عامرة، وكم من محاطٍ بالناس كان يسكن فراغًا لا ينتهي.
إن قيمة الإنسان ليست فيما يراه الناس حين تكون الدنيا في صفه، بل فيما يبقى منه حين تتراجع الصفوف.
هناك، في العتمة، تظهر ملامحه الحقيقية.
هناك يعرف الإنسان هل كان قويًا أم كانت القوة عاريةً مستعارة. وهل كان كريمًا أم كان الكرم ابن الوفرة. وهل كان واثقًا أم كان تصفيق الآخرين هو الذي يرفع رأسه.
فالثقة التي تحتاج إلى جمهور ليست ثقةً كاملة، والكرامة التي تتبدل بتبدل المعاملة ليست كرامةً راسخة.
ولعل أوجع ما في إدبار الدنيا أنها لا تسلب الإنسان الأشياء فقط، بل قد تجعله يشك في نفسه.
كان بالأمس يرى في عينيه بريقًا، واليوم يبحث عنه فلا يجده. كان يمشي مرفوع الرأس، واليوم يثقل خطوه كأن الطريق صار أطول. كان يضحك بسهولة، واليوم يحتاج إلى سببٍ صغير كي يبتسم.
وهنا ينبغي للإنسان أن ينتبه.
لا تصدق الصورة التي ترسمها لك الأيام القاسية عن نفسك.
فقد تكون متعبًا ، لا ضعيفًا . وقد تكون متأخرًا، لا فاشلًا . وقد تكون وحيدًا ، لا منسيًّا . وقد تكون مكسور الخاطر ، لا مكسور القيمة.
ثمة فرق كبير بين أن تخسر شيئًا وبين أن تخسر نفسك بسببه.
والحياة، مهما قست ، لا تستحق أن تدفعك إلى خسارة نفسك.
إنسانيتك ليست مرتبطة بحسابك، وجمالك ليس رهين مرآة، وقيمتك ليست رقمًا على ورقة، ولا اسمًا في قائمة، ولا مقعدًا في مجلس.
أنت أكبر من ظرفك. وأعمق من يومك. وأبقى من لحظةٍ عابرة.
لذلك، حين تُقبل الدنيا، كن كريمًا مع من حولك؛ لأنك لا تعرف متى تدور الأيام. لا تجعل الرفاهية تعلمك القسوة، ولا تجعل القوة تعلمك الغرور. تذكر أولئك الذين كانوا إلى جانبك قبل أن يلمع اسمك، وأولئك الذين أحبوا قلبك قبل أن تعجبهم صورتك.
وحين تُدبر الدنيا، لا تجعلها تعلمك القسوة على نفسك.
كن رفيقًا بروحك.
فما كل سقوطٍ نهاية، ولا كل تأخرٍ خسارة. بعض الطرق الطويلة تصل بك إلى أماكن لم تكن لتبلغها في الطرق القصيرة. وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت تحميك من غرفٍ لم تكن تليق بقلبك.
وربما كان إدبار الدنيا عنك نوعًا من التنقية؛ فهي حين تأخذ منك الزحام، تكشف لك من يبقى. وحين تُسقط عنك المظاهر، تعرف من يحبك للجوهر. وحين تقل الأشياء حولك، تزداد قدرتك على رؤية الأشياء التي لا تُشترى.
هناك، في قلة الأشياء، قد تجد كثرة المعاني.
قد تكتشف أن فنجان قهوةٍ هادئًا مع شخص تحبه أدفأ من مأدبةٍ كبيرة، وأن كلمة صادقة من قلبٍ أمين أغلى من خطبةٍ طويلة، وأن يدًا تمسك يدك في خوفك أصدق من ألف يدٍ تصفق لك في نجاحك.
وهكذا تعيدك الأيام إلى البساطة. إلى قلبك. إلى نفسك الأولى، قبل أن تعلمك الدنيا كيف تبدو، وقبل أن تنشغل بكيف يراك الآخرون.
إن الحب الحقيقي يشبه هذا المعنى.
فالحبيب الصادق لا يحبك حين تكون في أجمل حالاتك فقط؛ بل يحبك حين يبهت وجهك من التعب، وحين يقل كلامك، وحين تضيق بك الحياة. لا يرى فيك المنصب ولا المال ولا الصورة، بل يرى الإنسان الذي خلف كل ذلك.
الحب الذي يرتبط بإقبال الدنيا يشبه وردةً مزروعة في إناءٍ جميل؛ تزدهر ما دام الماء حاضرًا، ثم تذبل حين ينقطع.
أما الحب الحقيقي، فهو كجذرٍ عميق في الأرض؛ قد تهزه الرياح، وقد يضربه المطر، وقد يمر عليه الشتاء، لكنه لا يترك مكانه.
ولهذا ، لا تبحث عن شخصٍ يراك جميلًا حين تكون الدنيا جميلة فقط.
ابحث عمن يرى جمالك حين تكون متعبًا، وعن قلبٍ يعرف قيمتك حين تنسى أنت قيمتك، وعن روحٍ تقول لك في أيامك الثقيلة:
أنت لست ما حدث لك . ولست ما فقدته . ولست ما يقوله الناس عنك . أنت ما بقي فيك من نور، وما زرعته في غيرك من أثر.
وما أجمل أن يبلغ الإنسان هذه الحكمة دون قسوة !
أن يفهم أن الدنيا ليست عدوًا ، لكنها ليست صديقًا دائمًا أيضًا. إنها طريق؛ مرةً تفرش لك الزهور، ومرةً تترك لك الحجارة. وفي الحالتين، أنت المسافر.
فلا تغتر بالزهور ، ولا تتوقف عند الحجارة.
امضِ.
فوراء كل ليلٍ فجر ، وخلف كل جرحٍ درس، وبعد كل غيابٍ احتمال لقاء، وبعد كل انكسارٍ فرصة لولادة قلبٍ أكثر حكمة وأقل غرورًا.
إذا أقبلت الدنيا عليك، فاجعل قلبك متواضعًا. وإذا أدبرت عنك، فاجعل قلبك ثابتًا. إذا أعطتك، فاشكر. وإذا منعتك، فاصبر. إذا رفعتك، فلا تنسَ من كانوا تحتك. وإذا خفضتك، فلا تنسَ أن لك في داخلك سماءً لا تصل إليها أيدي الناس.
فالدنيا قد تستعير لك محاسن غيرك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك روحًا جميلة إن لم تكن قد بنيتها في داخلك.
وقد تسلب منك بعض محاسنك في عيون الناس، لكنها لا تستطيع أن تسلب منك قيمتك إلا إذا سمحت لها.
وهنا يكمن الفرق بين من يعيش للدنيا، ومن يعيش في الدنيا.
الأول تهزه تصفيقة، وتكسره كلمة، وترفعه نظرة، وتهزمه غفلة. أما الثاني، فقد عرف أن الإنسان أعمق من رأي، وأكبر من ظرف، وأبقى من يوم.
فإذا أقبلت الدنيا، ابتسم لها. وإذا أدبرت، ابتسم في وجهها.
ليس تحديًا لها ، بل ثقةً بأنك لن تجعل تقلبها يتقلب بك.
ستبقى أنت.
بما تعلمته ، وبما أحببته ، وبما سامحت عليه، وبما صبرت من أجله، وبكل يدٍ مددتَها في الظلام، وكل قلبٍ واسيتَه حين لم يكن معك أحد.
تلك هي المحاسن التي لا تستعيرها الدنيا. وتلك هي الثروة التي لا تُنتزع. وتلك هي صورتك الحقيقية، حين يسقط عنك كل بريقٍ عابر، وتبقى روحك وحدها أمام مرآة الزمن.
فلا تجعل إقبال الدنيا عليك أكبر منك، ولا تجعل إدبارها أصغر منك.
كن جميلًا في الحالتين؛ في الربيع والشتاء، في الوصل والهجر، في اليسر والعسر، في الضوء والظل.
فإن أقبلت عليك، فليكن جمالك من داخلك قبل أن يأتيك من حولك.
وإن أدبرت عنك، فليكن نورك في داخلك، حتى إذا أظلم الطريق، كنت أنت الطريق.
فالدنيا قد تعطيك مجدًا مستعارًا، لكنها لا تستطيع أن تهبك مجد الروح؛ وقد تسلبك بريقًا عابرًا، لكنها لا تستطيع أن تطفئ قلبًا عرف قدره.
وحين تعرف قدر نفسك، لا تعود بحاجة إلى أن تُقبل عليك الدنيا كي تشعر أنك جدير بالحياة.
يكفي أن تكون صادقًا مع قلبك، نقيًّا في قصدك، كريمًا في أثرك.
فإن أقبلت الدنيا، زادتك نورًا.
وإن أدبرت، لم تنقصك نورًا.
وحينها فقط ، لا تعود الدنيا هي التي تمنحك جمالك أو تسلبه ؛ بل تصبح أنت، في هدوء روحك، أجمل من إقبالها وأقوى من إدبارها.
