المُصَوِّر
دراسةٌ في المعنى الإلهي والجمال الإنساني
مقدمة
ليس الاسمُ في العربية مجرّدَ حروفٍ تُرصُّ في سطر، بل هو بابٌ إلى معنى، ومفتاحٌ إلى رؤية، وممرٌّ إلى عالمٍ من الدلالات يفيض على القلب والعقل معًا. ومن الأسماء التي يشرق بها اللسان العربي، ويتهجّى بها المؤمنُ آيات الجمال والقدرة، اسمُ المُصَوِّر؛ ذلك الاسم الذي يفتح أمام المتأمل أفقًا رحبًا من النظر في الخلق، والتأمل في الصنعة، والتسليم للحكمة الإلهية التي أحكمت كل شيء خلقه، ثم هدت كلَّ موجودٍ إلى صورته التي تلائمه، وهيئته التي تميّزه، ومقداره الذي يعبّر عن سرِّ وجوده.
وليس “المصوِّر” لفظًا واحدًا في دلالته، بل هو نهرٌ تتفرع عنه مجارٍ متعددة: فهو اسم من أسماء الله الحسنى، وهو كذلك من يلتقط الصور في الاستعمال المعاصر، ويأتي وصفًا لكل ما نُقل عن أصله أو زيّن بالصور، فيقال: كتاب مصوَّر، ووثيقة مصوَّرة. غير أن المقام هنا مقامُ الاسم الإلهي الجليل، بما يحمله من معانٍ توحيدية، وروحية، وتربوية، واجتماعية، ونفسية، تجعل الإنسان أكثر تواضعًا أمام عظمة الخلق، وأكثر وعيًا بقيمة الاختلاف، وأكثر خشوعًا أمام الجمال حين يتبدّى له في صورةٍ بشرية، أو مشهد كوني، أو آيةٍ من آيات الله في الأنفس والآفاق.
المعنى اللغوي والاصطلاحي
جذر “صوّر” في العربية يدل على التشكيل، والتقدير، والإبراز على هيئة مخصوصة. يقال: صوّر الشيءَ، أي جعله على صورة، وأبرز هيئته، وأعطاه ملامحه المميزة. والصورة في أصلها ما يتميز به الشيء عن غيره، حتى كأنها العلامة التي تُقرأ بها هويته. ومن هنا كانت “الصورة” في الإنسان ليست مجرد شكلٍ ظاهري، بل هي مجموعة من السمات التي تجمع بين البنية، واللون، والملامح، والقوام، ثم تتجاوز ذلك إلى الخصائص النفسية والعقلية والوجدانية.
أما المصوِّر، إذا أُطلق في حق الله تعالى، فهو الذي خلق الخلق على ما شاء، وهيأ الموجودات بما يناسب وظيفتها وغايتها، وجعل لكل شيء قدْرًا وصورةً وحدًّا وسمتًا. فهو سبحانه لم يخلق خلقًا مبهَمًا، ثم تركه بلا نظام؛ بل أبدعه تقديرًا، وبرأه إظهارًا، وصوره إحكامًا وإتقانًا. فكلُّ هيئةٍ في الكون، من جناح الفراشة إلى قامة الإنسان، ومن تدرج الضوء في الأفق إلى انتظام الأفلاك في السماء، تشهد بأن وراءها ربًا أبدع وأتقن وصوّر.
اسم الله المصوِّر في القرآن الكريم
ورد اسم الله المصوِّر في القرآن الكريم مرةً صريحة في قوله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر: 24.
وهذه الآية الكريمة جاءت في سياقٍ عظيم يختزل أركان التوحيد في مشهدٍ واحد: الخلق، والبرء، والتصوير، ثم ختمت بجملة جامعة: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾، كأنما المعنى أن من استحق هذه الصفات، استحق الكمال المطلق في الأسماء والصفات. والقرآن حين يذكر الاسم لا يذكره لمجرد التلاوة، بل ليوقظ في القلب المعنى، ويصنع في النفس أثره.
وقد ورد فعل “يصور” في مواضع أخرى، منها قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ آل عمران: 6،
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الأعراف: 11،
وقوله سبحانه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ الانفطار: 8.
وهذه النصوص مجتمعة ترسم لوحةً قرآنيةً بالغة الدقة: الله يخلق أولًا، ثم يقدّر، ثم يصوّر، ثم يركّب، ثم يهيئ الإنسان في أطوارٍ متتابعة حتى يخرج إلى الدنيا وقد اكتمل له ما شاء الله له من ملامح وهيئات وأعضاء واستعدادات. وهنا تتجلى الرحمة في أبهى صورها؛ لأن الإنسان يُدعى إلى النظر في نفسه قبل أن ينظر إلى غيره، وإلى التأمل في خلقته قبل أن يشتغل بعيب الآخرين.
الفرق بين الخالق والبارئ والمصوِّر
من دقائق العقيدة أن أسماء الله الحسنى وإن كانت متقاربة المعاني، فإن بينها فروقًا لذيذةً تزيدها جمالًا، وتفتح للذهن باب التذوق. فالخالق هو الذي يقدّر الأشياء ويبدعها على غير مثال سابق. والبارئ هو الذي يُخرج المقدَّر إلى الوجود من غير نقصٍ ولا اضطراب، فكأن البرء فيه معنى الإظهار والتنفيذ والفصل والإبانة. أما المصوِّر فهو الذي يمنح كل مخلوقٍ صورته الخاصة، وهيئته المفردة، ومميزاته التي تجعله على ما هو عليه.
وقد أشار أهل العلم إلى هذا التدرج اللطيف. فالتقدير في معنى الخلق، والإبراز في معنى البرء، والتشكيل والإحكام في معنى التصوير. فليس كلُّ من قدَّر قادرًا على التنفيذ، ولا كل من أبرم أمرًا يستطيع إبرازه في أبهى صورة، لكن الله سبحانه هو الخالق البارئ المصوِّر، جمع الكمالات كلها في فعلٍ واحد، فصار الكون كله شاهدًا على قدرته.
ويحسن هنا استدعاء قول الشاعر:
ولأنتَ تفري ما خلقتَ، وبعضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري
وفي البيت إشارة إلى الفرق بين من يقدِّر وبين من ينجز، وبين من يتخيل وبين من يُحكم الصنع. والله تعالى أحقُّ بالكمال؛ لأنه يخلق فيأتي خلقه محكمًا، ويقدّر فيأتي تقديره شاملًا، ويصوّر فيأتي تصويره بالغ الحسن والاتساق.
أقوال العلماء في معنى المصوِّر
تنوّعت عبارات المفسرين واللغويين، ولكنها التقت في معنى واحد: أن الله سبحانه هو الذي صوّر خلقه كيف شاء، وعلى أي هيئة أراد، من غير مثالٍ احتذاه، ولا رسمٍ سبق إليه.
فقد قال الطبري في معنى الآية ما خلاصته: إنه سبحانه الذي صوّر خلقه كيف شاء، وصرفهم إلى الهيئات التي أرادها. وقال الزجاج: هو الذي يصوّر كل صورةٍ من غير أن يكون قبلها نموذجٌ يُتّبع أو مثالٌ يُقتبس. وذكر ابن كثير أن الخالق البارئ المصوِّر هو الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، على الصفة التي يريد والصورة التي يختار. وأشار الخطابي إلى أن من معانيه أنه أنشأ خلقه على صورٍ مختلفة ليحصل التعارف بينهم؛ إذ لولا اختلاف الصور لتشابه الناس حتى يضيع التمييز، ولتعطلت دلالات الوجوه والسمات.
وهذا المعنى الأخير من ألطف المعاني؛ لأن الاختلاف في الصورة ليس نقصًا، بل هو تدبيرٌ حكيم. فلو كان الناس على صورةٍ واحدة، لما عرف الابن أمه، ولا التقى الصديق بصديقه من بين الجمع، ولا تميزت الشخصيات، ولا ظهرت الحكمة في التنوع. إن اختلاف الألوان، وتباين الوجوه، وتفاوت الطبائع، وتنوع الأصوات، كلها آيات على اسم الله المصوِّر، كما هي آياتٌ على رحمته؛ لأن الكثرة إذا كانت على نظامٍ صارت جمالًا، وإذا كانت على عبثٍ صارت فوضى.
المصوِّر: من جمال الخلق إلى جمال المعنى
حين يتأمل الإنسان في اسم الله المصوِّر، لا يقف عند حدود الجسد، بل يعبر إلى المعنى. فالصورة الظاهرة إنما هي بابٌ إلى الصورة الباطنة. وقد علّمنا القرآن أن القيمة الحقيقية ليست في المظهر وحده، بل في التقوى والعمل والصدق: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13. فالجمال في الإسلام ليس لونًا فحسب، ولا قوامًا فقط، بل هو انسجام الظاهر والباطن، وتحول الهيئة إلى شاهدٍ على صفاء الروح.
ومن هنا نفهم أن الإنسان ليس “جسدًا” فقط، بل هو صورةٌ ومعنى، ظاهرٌ وباطن، خلقٌ وخُلُق. وقد روي في المعنى النبوي: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”؛ فالصورة الحقيقية في ميزان السماء ليست ما يُرى بالعين، بل ما يستقر في القلب ويثمر في السلوك. وهذه الحقيقة تربي النفس على التواضع؛ لأن من أعطاه الله حسن الصورة قد لا يكون أحسنَ من غيره عند الله، ومن حُرم بهاء الشكل قد يفتح الله له من بهاء الروح ما يطغى على كل مظهر.
البعد النفسي لاسم الله المصوِّر
في النفس الإنسانية حاجةٌ عميقة إلى الأمان، وإلى المعنى، وإلى الاطمئنان إلى أن الحياة ليست عبثًا. واسم الله المصوِّر يلبّي هذه الحاجة؛ لأنه يذكّر النفس بأن وجودها ليس صدفة، وأن هيئتها ليست فلتة، وأن اختلافها عن غيرها مقصودٌ بحكمة. كم من إنسانٍ أرهقه مقارنةُ نفسه بالآخرين، فظنّ أن نقصًا في صورته نقصٌ في قيمته، وكم من إنسانٍ كاد أن ينكسر تحت وطأة المظهر، لولا أن هدايته إلى هذا الاسم ردّته إلى مصدر الحقيقة: أنتَ كما شاءك الله، لا كما شاءت المقاييس العابرة.
وهذا المعنى يحرر النفس من أسر المعايير السطحية، ويعلّمها أن كل ما في الإنسان قابلٌ للتزكية، وأن الصورة الأولى ليست النهاية. فالخلق يتغيرون بالتربية، والقلوب تتبدل بالذكر، والوجوه تزداد إشراقًا بالطاعة، والملامح تكتسب نورًا من السجود. وما أجمل قول من قال إن للمعصية ظلمةً في الوجه، وللطاعة نورًا في السمت! فالصورة الإيمانية ليست صورة المرآة وحدها، بل صورة العمل أيضًا.
البعد الاجتماعي: التصوير بين التنوع والوحدة
من حكم اسم الله المصوِّر أن يجعل الناس مختلفين ثم يجمعهم. فالمجتمع لا يقوم على التشابه التام، بل على التنوع المنضبط. ولو تأملنا في بني البشر لرأينا أن الاختلاف في الصور ينعكس على اختلاف الأدوار والطبائع والمواهب؛ فهناك من يبرع في العلم، وآخر في الرحمة، وثالث في القيادة، ورابع في الصبر، وخامس في الفن، وكلُّ ذلك داخلٌ في سنة الله في تنويع العباد.
وهذا يضع على عاتق المجتمع واجبًا أخلاقيًا: ألا يحتقر المختلف، وألا يستهين بالذي لا يشبهه، وألا يحاكم الناس بمعيارٍ واحد. فكما أن الله سبحانه صوّرهم على غير نسقٍ واحد، فإن الحكماء ينبغي لهم أن يتعاملوا معهم بميزانٍ من العدل والرفق. ومن هنا يتولد الوعي الاجتماعي الراشد؛ وعيٌ يرفض العنصرية، ويستنكر السخرية من الخِلقة، ويُعلي قيمة الإنسان بما يحمله من خلقٍ وخدمة ونفع.
وقد نهى الإسلام عن التفاخر بالصورة والهيئة، لأن ذلك بابٌ من أبواب الكبر. وفي الحديث: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. والكبر في جوهره انحرافٌ في النظر إلى النفس؛ إذ يرى الإنسان صورته سببًا للتعالي، مع أن الصورة نفسها هبةٌ من الله، ولو شاء لسلبها في طرفة عين. ومن عرف هذا، لان قلبه، وهدأت نفسه، وأحسن إلى الناس، وأصبح أكثر حلمًا وأوسع صدرًا.
المصوِّر في الأفق الصوفي
أما في الأفق الصوفي، فإن اسم الله المصوِّر يفتح للقلب بابًا إلى الشهود. فالصوفي لا يرى الكون جامدًا، بل يراه مرآةً للجمال الإلهي. وكل صورةٍ في الوجود ليست عنده غاية، بل علامة. إنه ينظر إلى الورد، فيرى فيه أثر التصوير؛ وينظر إلى الماء، فيرى فيه لطف التقدير؛ وينظر إلى وجه الطفل، فيرى فيه سكينة الفطرة؛ وينظر إلى تعاقب الليل والنهار، فيرى فيه حكمة التنويع والستر والكشف.
وفي هذا السياق يرد الشعر الصوفي، حين يجعل الحسن الظاهر سبيلاً إلى الجمال الباطن. قال ابن الفارض في روحه العاشقة، وقال جلال الدين الرومي في إشاراته، إن الظاهر ليس إلا قشرًا لما وراءه، وإن القلب إذا طهر صار قادرًا على قراءة المعاني في الصور. ومهما اختلفت المدارس، فإنها تلتقي عند الحقيقة الكبرى: أن الجمال الحقيقي ليس في الصورة وحدها، بل في النور الذي تسكنه الصورة.
ومن أجمل ما يُستأنس به قول أبي تمام:
وكأنَّما ليلُ الدجى متنسِّجٌ من حسنِ وجهِك أو من استحياءِه
فالبيت، وإن كان في باب المدح، إلا أنه يلامس معنى الصورة الجمالية التي تتجاوز الشكل إلى الإيحاء. فالصورة الشعرية هنا ليست نقلًا للمرئي، بل خلقٌ جديدٌ للمعنى، كما أن التصوير الإلهي خلقٌ جديدٌ للكائن.
بين التصوير الإلهي والتصوير البشري
في عصرنا الحاضر، اتسع معنى “التصوير” حتى صار يطلق على الالتقاط الفوتوغرافي وصناعة الصورة الرقمية. ولا حرج في ذلك من حيث اللغة، لكن ينبغي أن يُحفظ الفرق بين فعل الإنسان المحدود وفعل الله المطلق. فالمصور البشري لا يخلق الصورة من عدم، وإنما يلتقطها من واقعٍ موجود، ويعيد ترتيبها وتقديمها. أما المصوِّر الحقيقي سبحانه فهو الذي أوجد الأصل، وأعطى العين القدرة على الإبصار، والضوء قابلية الانعكاس، والوجه قابلية الظهور، ثم جعل لكل شيءٍ قدْرًا وصورة.
ولذلك كان من حسن الأدب أن يظل الإنسان واعيًا بحدوده. فما يصنعه من صورٍ هو عملٌ فني، أما ما يخلقه الله من صورٍ فهو فعلٌ وجوديٌّ شامل. والفرق بين الأمرين كالفرق بين من يصف البحر في قصيدة، وبين من يخلق البحر نفسه. الأول موهبة، والثاني قدرةٌ ربانية لا يشارك الله فيها أحد.
خاتمة
إن اسم الله المصوِّر ليس لفظًا يُتلى فحسب، بل معنى يُعاش، وتربيةٌ تُستحضر، ورؤيةٌ تُصلح القلب واللسان والسلوك. فمن تأمل هذا الاسم أدرك أن الكون مكتوبٌ بحكمة، وأن الإنسان مصنوعٌ بعناية، وأن الاختلاف آيةٌ من آيات الله، وأن الجمال ليس حكراً على ظاهر الصورة، بل هو متصلٌ بالباطن، والسلوك، والنية، والرحمة.
وإذا كان الله تعالى قد صوّر الإنسان في أحسن تقويم، فإن من شكر هذه النعمة أن يجمّل الإنسانُ باطنه كما يعتني بظاهره، وأن يوقن أن صورته الحقيقية لا تكتمل إلا حين يشرق عليها نور الإيمان، ويزدان قلبها بحسن الخلق، وتسمو روحها بذكر الله. فهناك، عندئذٍ، لا تكون الصورة مجرد هيئة، بل تكون شهادةً على الخلق الحسن، وعلى النفس المطمئنة، وعلى العبد الذي عرف ربَّه في اسمِه المصوِّر، فاستدل بالآثار على المكوِّن، وبالصنعة على الصانع، وبالجمال على الجمال الأعلى الذي لا يزول.
المراجع
القرآن الكريم.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
الزجاج، معاني القرآن وإعرابه.
الخطابي، شأن الدعاء وما نُقل في شرح الأسماء الحسنى.
النووي، الأذكار.
ابن القيم، مدارج السالكين والوابل الصيب.
عبد الحليم محمود، التصوف الإسلامي.
محمد متولي الشعراوي، تفسير الشعراوي.
أبو حامد الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
