التكوين حين تهون الوظائف أمام كلمة أدبية

التكوين حين تهون الوظائف أمام كلمة أدبية
“كلُّ وظائف الدنيا تهون أمام كلمةٍ أدبيةٍ واحدة.” يوسف جوهر الأدب بوصفه قدرًا إنسانيًا الحياة كالنهر؛ لا تثبت على حال، بل تتبدل مجاريها وتتقلب مياهها بين صفاءٍ وعكر، بين جفافٍ وفيضان. ولا يقتصر هذا التحول على عالم المخترعات والتقنيات، بل يمتد إلى مجالات الإبداع وذائقة الناس فيما يقرؤون ويشاهدون. فالأدب، مثل المجتمع، كائن حيّ يتطور مع الزمن، وتتحول معاييره مع تحولات الإنسان نفسه. حين يعود الكاتب إلى بداياته الأولى، كثيرًا ما يكتشف مفارقة لافتة: ما كان يُعدّ أدبًا جيدًا في زمنٍ مضى قد يبدو متواضعًا بمقاييس الحاضر. ولعل الكاتب حين يقرأ أعماله الأولى يشعر أحيانًا أن بعض الكتّاب المبتدئين اليوم يكتبون بنضجٍ يفوق ما كتبه في مطلع حياته. تلك لحظة وعيٍ نادر، يدرك فيها المبدع أن التكوين الأدبي رحلة طويلة من التعلم والتجربة، لا حدثًا مفاجئًا يولد كاملاً. أولًا: الجذور الأولى بين قوص وطنطا بدأت الرحلة مع الحياة في مدينة قوص عام 1912، تلك المدينة الهادئة الواقعة في جنوب محافظة قنا. غير أن الطفولة لم تكتمل هناك؛ فقد امتزج في تكوين الشخصية شمال الوادي وجنوبه معًا. فبينما ظلت قوص موطن العائلة والذكريات الأولى، كانت طنطا هي المدينة التي تشكلت فيها ملامح الطفولة والتعليم. لم تكن الأسرة من الطبقات الموسرة؛ فلم تمتلك أرضًا أو ثروة كبيرة. وكانت قوص نفسها مدينة هادئة لا تجذب أنظار المسؤولين أو الباحثين عن الآثار، بخلاف المدن المجاورة مثل الأقصر. لذلك كان الانتقال إلى طنطا ضرورة عملية بسبب عمل الأب. ومع ذلك، ظل الجنوب حاضرًا في الذاكرة؛ إذ كانت الأسرة تعود إلى قوص في الصيف، بينما كان كثير من أبناء الطبقات الميسورة يقضون عطلاتهم في الإسكندرية. تلك المفارقة بين الريف والمدينة تركت أثرها العميق في الحس الأدبي لاحقًا. ثانيًا: لحظة اكتشاف الموهبة في المدرسة الابتدائية بطنطا حدث الاكتشاف الأول. كان درس الإنشاء مناسبة عادية لكتابة موضوع مدرسي، لكن معلم اللغة العربية طلب من التلميذ أن يقرأ موضوعه أمام زملائه. بدا الأمر بسيطًا، لكنه كان في الحقيقة لحظة تأسيس. فقد أدرك الفتى أن لديه قدرة خاصة على التعبير. ومنذ ذلك اليوم تغيّر أسلوب الكتابة؛ لم تعد الكلمات تُكتب فقط للحصول على درجة جيدة، بل أصبحت تُكتب وكأن هناك جمهورًا ينتظر سماعها. صار التلميذ يتخيل دائمًا أن المعلم سيطلب منه قراءة ما كتب أمام الفصل. هذا التحول النفسي البسيط صنع فارقًا كبيرًا: فالكاتب الحقيقي يبدأ الكتابة حين يشعر أن كلماته موجهة للآخرين. وقد ساعده تفوقه الدراسي على الحصول على ربع منحة مجانية للتفوق، وهو أمر أسعد والده كثيرًا. والغريب أن تلك المنح لم تكن تمنح للفقراء فقط، بل كان يحصل عليها أيضًا أبناء الأغنياء وأصحاب النفوذ. ثالثًا: دور الأب في التكوين الثقافي كان للأب دور محوري في تشكيل الوعي الأدبي. فقد كان حريصًا على شراء المجلات الثقافية الكبرى لابنه، وعلى رأسها: • مجلة الهلال • مجلة المقتطف وكانت تلك المجلات تمثل آنذاك مدرسة ثقافية كاملة. ففي صفحاتها قرأ الفتى قصص الأديب الكبير محمود تيمور، وبدأ يحلم أن يكتب قصصًا تشبه ما يكتبه. كان توقيع محمود تيمور في المجلة يحمل عبارة: “محمود تيمور – لوزان، سويسرا”. وقد أوحت هذه العبارة للفتى بصورة الكاتب المسافر المثقف، الذي يجمع بين الثقافة الواسعة والحياة الرحبة. ومنذ تلك اللحظة بدأ حب القص ينمو في داخله. رابعًا: بين كراهية النحو وحب الإنشاء لم تكن العلاقة مع اللغة العربية سهلة في البداية. ففي مدرسة طنطا الثانوية كان أحد مدرسي اللغة العربية يدرّس النحو والقواعد بطريقة جافة أثارت نفور الطلاب، حتى أصبحوا يكرهون المادة نفسها. لكن القدر أرسل معلمًا آخر غيّر هذه الصورة. كان هذا المعلم يحتفي بمادة الإنشاء ويشجع ما يكتبه الطالب من موضوعات، ويثني عليها أمام زملائه. وهنا حدث التحول النفسي الكبير: اختفى الحاجز بين الطالب واللغة العربية. فاللغة ليست قواعد فقط، بل أداة للحياة والتعبير. خامسًا: المكتبة… الملاذ الهادئ في طنطا كانت هناك دار كتب أصبحت الملجأ الدائم. لم يكن الفتى يشارك كثيرًا في ألعاب الشارع؛ فقد كان وحيد والديه، وكانت الأسرة تحيطه بشيء من الحذر. لذلك أصبحت الكتب أصدقاءه الحقيقيين. قرأ الروايات المترجمة، ومن بينها: • رواية قصة مدينتين لـ تشارلز ديكنز • ترجمات محمد السباعي وغيرها من الأعمال العالمية. ومن هنا تولدت الفكرة الأولى: لماذا لا أكتب قصة مثل ما أقرأ؟ سادسًا: الميلاد الحقيقي للكاتب كانت القصة الأولى بعنوان “حينما ماتت”. تحكي عن امرأة فقيرة ماتت وهي ترضع طفلها الصغير. وقد نُشرت في الملحق الأدبي لجريدة السياسة الأسبوعية. كان نشر القصة لحظة فارقة؛ فتواريخ الكاتب الكبرى ثلاثة: 1. تاريخ ميلاده. 2. تاريخ زواجه. 3. تاريخ نشر عمله الأول. إنه ميلاد جديد، ميلاد الكاتب. ومن الطريف أن الأستاذ محمد لطفي جمعة نصحه بترك كلية الحقوق والانتقال إلى كلية الآداب، قائلًا له إن ميوله الأدبية واضحة. لكن النصيحة لم تُنفذ، فقد رأى أن المحامي يمكن أن يكون كاتبًا أيضًا. وكان يذهب إلى محكمة الجنايات ليستمع إلى مرافعات كبار المحامين مثل: • الهلباوي • مرقص فهمي • مكرم عبيد وكانت تلك المرافعات تبدو له نصوصًا أدبية بليغة. سابعًا: من المجلات إلى عالم الأدب تدرج النشر من الصحف الصغيرة إلى المجلات الثقافية الكبرى، مثل مجلة الثقافة التي كان يشرف عليها نخبة من المفكرين مثل: • أحمد أمين • محمد فريد أبو حديد وكان الكاتب يتقاضى جنيهًا واحدًا عن كل قصة، وهو مبلغ بسيط لكنه كان مصدر سعادة كبيرة لكاتب في بداية الطريق. بل إن الكاتب صلاح ذهني أرسل له خطاب إعجاب، وهو أمر نادر بين الأدباء، لتبدأ بينهما صداقة طويلة. ثامنًا: ندوة محمود تيمور… مدرسة غير رسمية في القاهرة كان الأديب محمود تيمور يعقد ندوة أدبية كل خميس في مقهى جروبي بشارع عدلي. كانت تلك الندوة تجمع عددًا من الشباب الذين سيصبحون لاحقًا أعلامًا في الأدب، مثل: • نجيب محفوظ • صلاح ذهني • لطفي حسونة • عادل كامل كانت هذه اللقاءات تمثل جامعة أدبية غير رسمية، يتعلم فيها الكاتب من النقاش والحوار. تاسعًا: من الأدب إلى السينما لفتت القصص المنشورة في الصحف انتباه المسؤولين في استوديو مصر، فطلبوا تحويل إحدى القصص إلى فيلم سينمائي. وهكذا كتب قصة فيلم “الزلة الكبرى” للمخرج إبراهيم عمارة. وكان هذا الحدث بداية علاقة طويلة مع السينما، ثم توالت الأعمال مثل: • فيلم أرض الليل • فيلم المتهمة • فيلم هذا جناه أبي غير أن السينما، رغم بريقها، كانت تستهلك الوقت والجهد، وغالبًا ما يُنسب النجاح إلى المخرج لا إلى الكاتب. عاشرًا: الحب… الوجه الإنساني للتكوين لم تكن حياة الكاتب مجرد عمل وإبداع؛ فقد عرف أيضًا الحب العذري. بدأت القصة في جمعية الشبان المسيحيين خلال ما كان يسمى “يوم العائلة”، حيث تتعارف الأسر والضيوف. هناك تعرّف على فتاة أصبحت لاحقًا شريكة حياته. كان اللقاء الأول في كنيسة سانت تيريزا، حيث تعاهدا على أن يكون كل منهما للآخر. وهكذا دخل الحب في التكوين النفسي للكاتب، فانعكس في قصصه التي عُرف أبطالها بقدرٍ عالٍ من الأخلاق والعاطفة الصادقة. خاتمة: انتصار الكلمة تنقّل الكاتب بين وظائف متعددة: المحاماة، والعمل القانوني، والإشراف في الشركات الكبرى. لكنه اكتشف مع الزمن حقيقة بسيطة وعميقة: لغة الأدب تختلف كثيرًا عن لغة الأرقام والقوانين. فالوظائف قد تمنح الاستقرار، لكن الكلمة الأدبية تمنح المعنى. ولهذا ظل يردد يقينًا شخصيًا أصبح شعارًا للحياة: كل وظائف الدنيا تهون أمام كلمة أدبية واحدة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال