حينَ ودَّعتُ الديار... أزهرتْ في القلبِ ألفُ دار

حينَ ودَّعتُ الديار... أزهرتْ في القلبِ ألفُ دار
أقولُ لحبيبتي ، والدَّمعُ ينسابُ هادئًا على وجنتي كأنَّه جدولٌ صغيرٌ يعرفُ طريقَه إلى البحر: رويدكِ... لا تُثقلي الرحيلَ بالنواح، ولا تُحمِّلي القلبَ ما لا يطيق، فإنَّ الفراقَ بابٌ، وربَّ بابٍ يقودُ إلى اللقاء، وإنَّ الغيابَ ليلٌ، وربَّ ليلٍ يُولدُ منه فجرٌ لا يغيب. ذريني أمضي... فالطريقُ وإن طال، يحملُ في آخره وعدًا جميلًا، والسفرُ وإن أتعبَ الأقدام، يُنعشُ الأرواح، وما خُلقتِ النجومُ لتبقى معلَّقةً في السماءِ عبثًا، بل لتدلَّ الحائرين على الجهات، وتُعلِّم القلوب أنَّ النورَ لا يخونُ السائرين. إنَّ السائرَ نحو حلمه، وإن تعثَّر، يصل، وإن تعب، ينهض، وإن بكى، يبتسم. أمَّا الذي ركنَ إلى الراحة، فقد نامت أحلامُه قبل أن تستيقظ، وماتت أمانيه قبل أن تولد. فالنجاحُ صبرٌ وثبات، والبوارُ كسلٌ وموات، وبينهما فرقٌ كالضياءِ والظلام، وكالفجرِ والختام. وفي قلبِ الليل، حين سكنتِ الأصوات، وغفتِ العيون، وراحتِ الرياحُ ترتِّلُ أنشودتها بين الصخور، رأيتُ نورًا يلوحُ من بعيد. كان ضوءًا لا يشبهُ الأضواء، كأنَّ الليلَ خلعَ عباءتَه السوداء، وارتدى ثوبًا من الفجر، فصار الظلامُ ضياء، وصار اليأسُ رجاء، وصار البعدُ لقاء. تقدَّمتُ نحوه، وكان القلبُ يسبقُ الخُطى، حتى شعرتُ أنَّ النجومَ تبتسم، وأنَّ السماءَ تفتحُ أبوابها للدعاءِ، وأنَّ النسيمَ يحملُ إليَّ سلامًا من أرضٍ أحببتُها، ومن وطنٍ ما غابَ عن القلبِ يومًا، وإن غابَ عن العينِ أعوامًا. ثم لمعَ برقٌ من صنعاء، فارتجفَ القلبُ شوقًا، ولامستْ روحي رائحةُ المطر، ورأيتُ في ذلك الوميضِ صورةَ البيوت، وأبوابَ الطين، ونوافذَ الحب، وأشجارَ البن، وأغنياتِ المساءِ، وأصواتَ الأمهاتِ وهنَّ يدعون لأبنائهنَّ بالسلامة. يا لصنعاء... كم تحملينَ في الحنينِ من حكاية، وفي الحكايةِ من حياة، وفي الحياةِ من محبة. كلُّ حجرٍ فيكِ قصيدة، وكلُّ زقاقٍ ذاكرة، وكلُّ نافذةٍ تبتسمُ للقمر، وكلُّ بابٍ يعرفُ اسمَ العائدين. هناك... تعلمتُ أنَّ الحبَّ ليس كلمة، بل موقف، وليس وعدًا، بل وفاء، وليس لقاءً دائمًا، بل قلبٌ يبقى وفيًّا وإن باعدتْ بينه وبين أحبته المسافات. وكيفَ أُقيمُ في صحراءٍ موحشة، وأجعلُ الوحشةَ رفيقة، والوحدةَ أنيسة، والحياتِ جيرانًا، والتنينَ مؤنسًا؟ إنَّ القلبَ خُلقَ ليألف، لا ليخاف، وليحب، لا ليجفو، وليزهر، لا ليذبل. لقد تعبتُ من صحبةِ الخوف، ومن مجالسةِ القلق، ومن مصافحةِ الصمت. أريدُ وجهًا يبتسم، وصوتًا يطمئن، وقلبًا إذا اقتربتُ منه، شعرتُ أنَّ الدنيا كلها تبتسم. وحينُ يشرقُ ذلك الضوء، تذوبُ في حضرته الظلمات، وتتراجعُ الأشباح، وتنكسرُ قيودُ الخوف، حتى أكادُ أنسى يميني من يساري، لا ضياعًا، بل دهشةً، ولا ضعفًا، بل انبهارًا، فما أعظمَ نورًا يجعلُ القلبَ ينسى كلَّ ما سواه. ذلك النورُ ليس شمسًا فقط، ولا قمرًا فقط، بل هو نورُ المحبة، ونورُ الإيمان، ونورُ الأمل، ونورُ الإنسان حين يصدقُ مع نفسه، ويصافحُ السماءَ بقلبٍ نقي. وفي داخلي سرٌّ كبير، سرٌّ لا يُوزنُ بالميزان، ولا يُقاسُ بالكلام. سرٌّ إذا نطقتُ به، أزهرتْ الحروف، وإذا كتمتُه، بكى الصمت. سرٌّ لا يعرفه إلا القلب، ولا يقرؤه إلا المحبون. أنكروه... لأنَّهم لم يعرفوا لغةَ الأرواح، وأرادوا أن يقيسوا المحبةَ بالأرقام، والشوقَ بالمسافات، والأحلامَ بالحدود. فضربوا كفًّا بكف، ودقُّوا الرؤوسَ على الجدران، وظنوا أنَّ الحقيقةَ تُحجَب، وأنَّ الشمسَ يُطفئها الغبار. لكنَّ الحبَّ يبقى، والنورَ يبقى، والوطنَ يبقى، والذكرى تبقى. فما ضاعَ قلبٌ عرفَ طريقَ الوفاءِ، ولا تاهَ عاشقٌ جعلَ الأملَ دليلَه، ولا خابَ مسافرٌ حملَ وطنَه بين ضلوعه، وجعلَ الدعاءَ زادَه، والإيمانَ رفيقَه، والحبَّ رايتَه. يا جارتي... إن مررتِ يومًا ببابِ دارنا، فسلِّمي على الجدران، فإنَّها تحفظُ صوتي. وسلِّمي على النوافذ، فإنَّها تعرفُ انتظاري. وسلِّمي على الأشجار، فإنَّها شهدتْ طفولتي. وسلِّمي على الطريق، فإنَّه ما زال يحتفظُ بأثرِ خطاي. وقولي للديار: إنَّ الغائبَ لم ينسَ، وإنَّ البعيدَ ما خان، وإنَّ القلبَ ما زالَ يزرعُ في كلِّ صباحٍ وردةً من رجاء، وفي كلِّ مساءٍ نجمةً من وفاء. فإذا كتبَ اللهُ اللقاء، عدتُ إليكم كما يعودُ المطرُ إلى الأرضِ العطشى، وكما يعودُ الطيرُ إلى عشِّه، وكما يعودُ النهرُ إلى البحر. أعودُ بقلبٍ أكثرَ حبًّا، وروحٍ أكثرَ صفاء، وحلمٍ أكثرَ إشراقًا، لأقولَ للزمان: إنَّ المحبةَ لا تموت، وإنَّ الوفاءَ لا يشيخ، وإنَّ الديارَ تسكنُ القلبَ قبل أن يسكنَها الإنسان. وهكذا أمضي... بينَ شوقٍ وصبر، وبينَ غيابٍ وانتظار، وبينَ دمعٍ وابتسام، أُردِّدُ في سري: ما دامَ في القلبِ حبٌّ، فلن يضيعَ الطريق، وما دامَ في السماءِ نجمٌ، فلن ينطفئَ الرجاء، وما دامَ للوطنِ نبضٌ في الروح، فسيبقى اللقاءُ وعدًا جميلًا، ويبقى الحبُّ أجملَ أسرارِ الحياة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال