مقبرة الأسرار
قصيدةٌ في حبٍّ يوقظُ الحرب، وفي حربٍ تتجمّلُ بالحبّ
دخلتِ، ولم تدخلي كنساءِ الأرض،
بل دخلتِ كأنَّ العينينِ بابانِ إلى صاعقةٍ تتأنّق،
وكأنَّ القلبَ غرفةٌ صغيرةٌ،
فاجأتْها الريحُ بضحكةٍ،
ثم سرقتْ منها المفتاحَ والنبضَ معًا.
دخلتِ من مُقلتيَّ،
فاستوليتِ على النبعِ قبل أن أقول: هذا مائي،
وأخذتِ من دمعي حقَّه،
فلم تتركي لعيوني سوى وعدٍ مبلّلٍ
وقطرةٍ تتيمَّمُ بالنسيان.
يا امرأةً تمشي على المعنى كما تمشي الغزالةُ على الفجر،
أأنتِ صاعقةٌ تلبسُ الحرير؟
أم عاشقةٌ تتخفّى في هيئةِ برقٍ
كي لا يفضحَها الصباح؟
كنتُ أظنُّ أنني أعرفُ وجهي،
حتى رأيتُكِ،
فعرفتُ أن الوجهَ لا يعرفُ نفسَهُ
إلا حين تقتربُ منه يدُكِ،
وأنَّ العينَ ليست عينًا
حتى تُفتَحَ على فتنتكِ الأولى.
أنتِ لم تمرّي بي،
بل مرَّتْ بي الدنيا كلُّها،
وأنا على عتبةِ دهشتي،
أرتّبُ فوضايَ،
وأجمعُ من قلبي ما تكسّرَ من أسماء.
أنتِ لا تجترحين المعجزةَ بيدٍ واحدة،
بل تجترحينها مرّتين:
مرّةً حين تبتسمين،
ومرّةً حين تصمتين.
ولو أيقظتِ شمسًا تختبئُ تحتَ هدبكِ،
ولو علّقتِ النهارَ على كتفِ الليل،
فلن يكونَ ذلك أكثرَ من تدليلٍ من القدر
لمن يجهلُ كيف يَخذُلُه الجمالُ الكريم.
غير أنّني، منذ أصبحتُ نهرًا،
دارتِ الدنيا على قلبي كما تدورُ النجمةُ في عتمتها،
وألقتْ بي إلى مصبٍّ لا يشبهني،
فصرتُ أرى في الموجِ وجهي،
وفي الزبدِ سيرةَ روحي،
وفي الماءِ مرآةَ ما لا أقدرُ عليه.
أيتها النحلةُ أم العاشقة؟
أيتها الرائحةُ أم الرنّة؟
أيتها الآتيةُ من طنينٍ مزمنٍ في الأذنين
حتى صار الصمتُ عندي موجةً،
وصار الهدوءُ فخًّا من عسلٍ؟
دخلتِ من جهةِ السمعِ،
فتركتِ في داخلي قسوةً رقيقة،
ورمادًا يتذكّرُ أجنحتَه،
ونخيلاً ينهضُ من نومه
كأنَّ القيظَ اعتذرَ أخيرًا للظلّ.
تركتِ روحي رمادًا، نعم،
لكنَّ الرمادَ عندكِ ليس موتًا،
بل بدايةُ لونٍ جديد،
وخرائطُ ثانيةٌ للهبِ حين يهدأ،
ووشوشةُ قلبٍ يجرّبُ أن يكونَ خفيفًا
بعد أن أثقلتهُ الحروبُ الصغيرةُ والكبائرُ،
بعد أن شدّتْهُ إلى الهاوية
أسماءٌ كثيرةٌ،
ووجوهٌ كثيرةٌ،
وخساراتٌ كثيرةٌ
لم تكن تُعلنُ نفسها إلا ضاحكة.
وحلمنا، أنا وأنتِ،
أن نحلمَ بالماءِ فيروّقَ التراب،
وأن تقولَ الحجارةُ: لعلّها ندى،
وأن يصدّقَ الغبارُ أن له أجنحةً
إن غسلتهُ يداكِ.
كان حلمنا بسيطًا كخبز الصباح،
لكنّه رشيقٌ كغيمةٍ تعرفُ طريقها،
وكان يكفيه أن يمرَّ بخاطركِ
حتى يزهرَ في الجهات كلها.
كنتِ تجعلين المستحيلَ أقلَّ تكبّرًا،
وتجعلين الممكنَ أكثر حياءً،
وتُضحكينَ المسافةَ حتى تقترب،
وتُصالحينَ بين الرملِ والماءِ
كأنّكِ خُلقتِ لتكتبي على الأرض
مصالحةً بلاغيةً بين العطشِ والارتواء.
لن تميتيني كما شاءَ الأسى،
ولو نشرتِني في كتابٍ منسوجٍ من الحنين،
ولو رممتِ كسري بصفحاتٍ من ضوء،
ولو قلتِ لي: كنْ كما شئتَ،
فأنا أعرفُ أنَّ في موتِ الأشياءِ حياةً أخرى،
وفي احتراقِ الوردةِ عطرًا أعمق،
وفي انكسارِ الكأسِ رنّةً لا يسمعها إلا القلب.
غير أنّي، منذ أصبحتُ صحراء،
نزعتِ الشمسَ عني من شدّةِ ما أرهقتُها،
وجعلتِ الماءَ في الرملِ غنيًّا،
حتى خُيّلَ للعابرين أن السرابَ حقيقةٌ،
وأنّ الظمأَ صارَ يعرفُ اسمي.
فأغرقي مني سرابًا باليدين،
ولا تخافي؛
فالسرابُ لا يغرقُ إلا في يقينِ العاشق،
والعطشُ لا يهلكُ إلا إذا طالَ به الانتظار.
اغمسي كفَّكِ في خوفي،
وأخرجيه مثلَ خرزةٍ زرقاءَ من عينِ العدم،
ثم اتركيه يلمعُ
كي لا أضلَّ الطريقَ إلى نفسي
حين تتشابهُ الجهات.
أنا لا أطلبُ من حبّكِ أن يشفيني،
بل أن يعلّمني
كيف يبتسمُ الجرحُ
من دون أن يُشهرَ سكينَه.
أأنتِ الصاعقةُ التي تُشبهُ العاشقةَ
حين تخلعُ الضفائرَ عن عنقِ الليل؟
أم أنتِ العاشقةُ التي تتنكّرُ في هيئةِ عاصفةٍ
كي لا يراها الخائفون؟
ما الفرقُ بين البرقِ والعينين
إذا كان كلاهما يفتحُ الظلمةَ على مصراعيها؟
وما الفرقُ بين القبلةِ والنار
إذا كانت كلتاهما
تتركُ في الجلدِ ذاكرةً لا تُنسى؟
أنا متروكٌ بين صورتين:
صورةٍ تُحرقني،
وصورةٍ تُحييني؛
وكلتاهما منكِ،
فكيف أهربُ من يدٍ
تسكنُ في دمي قبل أن تمتدَّ إليه؟
هل دمي صاعقةٌ أم عاشقة؟
هل هو نارٌ أم وردٌ على وشكِ الاشتعال؟
هل أنا ماءٌ يركضُ نحوكِ
أم رملٌ يتذكّرُ البحرَ
ولا يصل؟
ثمةَ حربٌ صغيرةٌ،
أو كبيرةٌ،
لا فرق،
تدورُ في داخلي كما تدورُ السّنونوةُ في بيتٍ مُغلق،
وتضربُ أبوابَ صدري
ثم تضحكُ من دموعِ الخشب.
هكذا أمسيتُ،
لا في الحربِ وحدها،
بل في حربٍ تشبهُ الحربَ
وتفوقُها في الخفاء،
حربِ النظرةِ إذا أطالت،
وحربِ اللمسةِ إذا اختصرت،
وحربِ الاسمِ إذا استقرَّ في الفم
وصارَ أثقلَ من النداء.
أنا الآنَ في انتهاكاتِ قلبي،
في خروقِ المعنى،
في الأثرِ الذي يسبقُ السبب،
في النارِ المعلّقةِ بين ضلعٍ وضلع،
كأنَّ صدري خيمةٌ
نَسِيَتْ أين كانتْ السكينةُ.
من يدري؟
قد يسقطُ فنجانُ روحي على ثوبِ صديقي،
فيظنُّه قهوةً انسكبت،
ولا يدري أنَّ في داخلي
موائدَ كاملةً قد احترقت.
هو يسمعُ اعتذاراتي،
ويضحكُ من ارتباكي،
ولا يسمعُ طبولَ الحربِ في رأسي،
ولا يرى الجمرَ الذي يمرّ على وجهي
كأنَّه شمسٌ متعبةٌ
تبحثُ عن نومٍ قصير.
أضحكُ أحيانًا،
وأحيانًا أعبسُ،
لكنَّ الحربَ تشهدُ عليّ
على كلِّ حال،
لأنها تعيشُ فيّ
وتتزينُ بلونِ نبضي.
أضحكُ كي لا أفضحَ الخراب،
وأعبسُ كي لا أُجاملَ الوجع.
ما أثقلَ هذا الكائنَ الذي أسكنه!
ما أبرعَه في التمثيل،
وما أضعفَه أمام بسمةٍ واحدةٍ منكِ.
إنه جسدي العاربُ من موتٍ إلى موت،
يركضُ،
ثم يتعثّرُ في اسمي،
ثم ينهضُ من جديد
كأنَّ الحياةَ تأخذُهُ إلى درسٍ آخر
في فنِّ النجاة.
وأنا أُواري نحلةً محروقةً بالصاعقة،
أُخفيها في رحيقِ الذاكرة،
وأسمّي احتراقَها نجاة،
لأني أعرفُ أنَّ للنحلِ
صبرًا يشبهُ القداسة،
وأنَّ للعسلِ
حزنًا لا يراهُ إلا من ذاق.
أواريها في كفّي
كما يواري المطرُ أسراره في التراب،
وأسأل:
أهذه نحلةٌ أم قصيدةٌ
أخطأَتْ طريقَها إلى الجناحين؟
أهذه عاشقةٌ أم شرارةٌ
أحبّتْ أن تتأنّقَ حتى الفناء؟
أنا لا أجيدُ تفسيرَ هذا الوهج،
لكنّي أجيدهُ ألمًا،
وأجيدهُ انتظارًا،
وأجيدهُ ارتجافًا
حين يقتربُ منكِ معنى واحد
فيُربكُ المعاني كلها.
لو أجاري جسدي العارب من موتٍ إلى موت،
إلى أين؟
إلى أيِّ جهةٍ أهربُ من نفسي
ونفسي تحملُ مفاتيحي كلَّها؟
ربما ينفعُ النبعُ إلى وجهي،
ربما يكفي أن أضعَ خدي على ماءٍ قديم
حتى أتذكّرَ من أين جاءَ هذا الشحوبُ،
وربما تنتشرُ الصحراءُ في رأسه
فيغدو الفكرُ كثيبًا،
وتغدو الذكرى قافلةً
تبحثُ عن ناقةٍ من المعنى.
وربما يختلطُ الأمرُ عليَّ طولَ الريق،
فلا أفرّقُ بين الندى واللعاب،
ولا بين الدعاء والصرخة،
ولا بين حبٍّ يُنقذُني
وحبٍّ يتركُني
على عتبةِ ارتعاشي.
إنني أصغي إلى الداخل،
إلى ذلك الممرّ الضيق
الذي لا يدخله أحدٌ إلا بوجعِه.
أصغي إلى الحربِ التي تمتدّ
من قلبي إلى صدغي،
من دمي إلى حدسي،
من رغبتي إلى خيبتي،
كأنَّني خرائطُ انقسامٍ
رُسمتْ على جلدٍ واحد.
هناك، في الداخل،
صوتان لا يتصالحان:
صوتٌ يقولُ: اقترب،
وصوتٌ يقولُ: احذر،
وصوتٌ ثالثٌ، ساخِرٌ،
يضحكُ من الاثنين
ويقول: كلاكما على حق،
فالحبُّ جميلٌ
لأنه لا يُقيمُ في مكانٍ واحد.
فهل هو حربٌ ولا موت؟
أم موتٌ يلبسُ ثوبَ حرب؟
أم أنّ الاثنينِ جثتانِ
في غرفةٍ واحدة،
واحدةٌ منهما اسمي،
والأخرى اسمي أيضًا؟
أم أنا الحيُّ الذي يتعبُ من حيوته،
ويعبثُ به هذا الاختبارُ العجيب،
فيخفي في مكانٍ منه
جثتين:
جثةَ الصبرِ إذا طال،
وجثةَ الحلمِ إذا خانهُ الصباح؟
أيُّ رومانسيّةٍ هذه التي تضحكُ من خرابها،
وأيُّ بلاغةٍ هذه التي تُنبتُ وردًا
على فمِ الفاجعة؟
يا أنتِ،
يا امرأةَ الصاعقةِ والعسل،
يا عاشقةَ النبضِ وخصمته،
يا من دخلتِ من العينِ
فأقمتِ في القلبِ بلا استئذان،
أنا لم أعد أطلبُ منكِ نجاةً كاملة،
فأنا أعرفُ أنَّ الكمالَ
كلمةٌ تليقُ بالغيومِ ولا تليقُ بنا.
أنا أطلبُ فقط
أن تتركي في عتمتي نافذةً صغيرة،
وأن تعلّمي ظلي كيف يجلسُ
من غير أن يتوجّسَ من ضوئكِ،
وأن تكوني، مرةً واحدة،
أقلَّ برقًا وأكثرَ مساء،
أقلَّ صاعقةً وأكثرَ يدًا
تربتُ على عذابي
وتقول: مرَّ كلُّ هذا،
ولم يبقَ إلا هذا الندى.
فإن كنتِ نارًا،
فكوني نارًا تحنو،
وإن كنتِ ماءً،
فكوني ماءً يعرفُ الطريقَ إلى عطشي،
وإن كنتِ نحلةً،
فلا تبخلي على قلبي بلسعةٍ
توقظهُ من سباتِ الملامة،
وإن كنتِ عاشقةً،
فكوني عاشقةً بقدرِ ما يليقُ بعابرٍ
نسيَ أن يطلبَ الخلاصَ
فتعلّمَ الحبَّ بدلًا منه.
وأنا، ما بين الجمرِ والندى،
سأبقى رهينَ الجثّتين:
جثةٍ في الخارجِ
تتظاهرُ بالتماسك،
وجثةٍ في الداخلِ
تكتبُ على الهواء
اسمَكِ
ثم تمحوهُ
ثم تكتبهُ من جديد
كي لا ينسى
أنّكِ، وحدكِ،
الزلزالُ الذي يعلّمني
كيف أتنفّسُ
بعد انقضاءِ الانفجار.
