جرائم عند عتبة العام الجديد
قراءة اجتماعية وقانونية في البدايات الصغيرة ودلالاتها الكبرى
مع انقضاء العام وولادة عام جديد، تتجه أنظار الناس إلى الأمنيات والاحتفالات وبدايات الأمل، بينما تتهيأ أجهزة الشرطة لاستقبال يوم جديد لا يختلف في طبيعته عن سائر الأيام؛ فالجريمة لا تعترف بالتقويم، ولا تؤجل حضورها احترامًا للأعياد والمناسبات. ففي اللحظة التي تدق فيها الساعة الثانية عشرة معلنة ميلاد العام الجديد، يبدأ رجال النوبتجية في أقسام الشرطة فتح دفاتر القضايا، لتسجيل أول الوقائع التي تكشف، في كثير من الأحيان، عن صورة المجتمع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.
ولئن بدت الجرائم الأولى التي استقبل بها العام الجديد جرائم بسيطة في ظاهرها، فإنها تحمل في باطنها دلالات اجتماعية ونفسية وقانونية عميقة. فالجريمة الصغيرة ليست دائمًا حدثًا صغيرًا، وإنما قد تكون نافذة يطل منها الباحث على اختلالات النفس الإنسانية، وعلى الظروف الاجتماعية التي تصوغ السلوك الإجرامي، وعلى العلاقة الدقيقة بين القانون والإنسان.
افتتاح دفتر العدالة
في قسم عابدين، وما إن أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشرة من منتصف الليل، حتى تناول الملازم أول محمد هاشم، ضابط النوبتجية، قلمه، وافتتح أول صفحة من دفتر القضايا بعبارة تحمل روح تلك المرحلة، فكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم. انصرم عامٌ سلم الله فيه الأمة العربية والجمهورية المصرية من المعتدين الغاصبين،. واليوم يبدأ عام جديد، أرجو الله أن يحقق لمصر وللأمة العربية آمالها، إنه على ما يشاء قدير، وعلى الله فليتوكل المتوكلون."
لم يكن هذا التسجيل مجرد إجراء إداري، بل كان شهادة تاريخية تختلط فيها مشاعر الوطنية بواجب الوظيفة. ففي تلك اللحظة لم يكن الضابط يعلم أن الصفحة التالية ستنتقل من الدعاء إلى تدوين أول جريمة في العام الوليد، وكأن التاريخ يذكرنا بأن الأمن عمل لا يعرف الإجازات، وأن العدالة تبدأ من أول دقيقة في كل عام.
أول بلاغ... حين تكشف الجردة ما أخفته الأيدي
لم تمض سوى ثلاث عشرة دقيقة حتى حضر أول بلاغ رسمي. تقدم الأستاذ محمد فهمي سعيد، المحامي ووكيل إحدى شركات الأدوات الطبية، ليبلغ عن اكتشاف سرقة أثناء جرد المخازن.
وأفاد بأن الشبهة انحصرت في عاملين هما: عبد الحكيم أمين رجب، وشحاتة السيد يوسف. وأثناء التحقيق انهارت مقاومة شحاتة سريعًا، فأقر بأنه لم يباشر السرقة بنفسه، وإنما اقتصر دوره على مراقبة الطريق وتأمين زميله أثناء تنفيذ الجريمة، مقابل خمسة وعشرين جنيهًا حصل عليها مكافأة، في حين بلغت قيمة المسروقات نحو مائتين وخمسين جنيهًا.
قراءة قانونية
يكشف هذا البلاغ عن صورة واضحة لفكرة المساهمة الجنائية؛ فالقانون لا يعاقب اليد التي تمتد إلى المال وحدها، وإنما يساوي بين الفاعل الأصلي والشريك متى كان دوره مؤثرًا في وقوع الجريمة. فالواقف على الباب، والمراقب للطريق، والمخطط، والمحرض، جميعهم يتحملون المسؤولية الجنائية بحسب دورهم.
قراءة نفسية
ومن منظور علم النفس الجنائي، فإن أخطر ما في هذه الواقعة ليس قيمة المسروقات، وإنما ضآلة المقابل الذي قبله الشريك. فحين يقبل إنسان المخاطرة بحريته ومستقبله مقابل مبلغ زهيد، فإن ذلك يكشف عن اضطراب في تقدير العواقب، أو عن ضغوط اقتصادية وأخلاقية أفقدته القدرة على الموازنة بين المكسب والخسارة.
إن الإنسان لا يولد لصًا، وإنما قد تقوده الحاجة، أو الطمع، أو تأثير الرفقة، أو ضعف الضمير إلى خطوة صغيرة يظنها عابرة، فإذا بها تصبح بداية طريق طويل نحو الإجرام.
المعايدة التي انتهت في السجن
أما في قسم الموسكي، فقد كان المشهد أكثر غرابة، حتى بدا أقرب إلى المفارقة الساخرة.
لم يبحث رجال الشرطة عن أول متهم، بل جاءهم بنفسه.
كان الملازم أول فاروق جنيد يحرر مخالفة لأحد الشبان بسبب وجوده في ميدان العتبة في حالة سكر ظاهر، حين فوجئ برجل يدعى حسنين عطوة يدخل المكتب مترنحًا، ثم يجلس على المقعد المقابل للضابط، ويمد يده مصافحًا قائلاً بابتسامة متثاقلة:
"مساء الخير... كل عام وأنتم بخير... الليلة أنس، والفرفشة لازمة، وأنا قررت أن أحضر بنفسي لأعيد عليكم."
لم تدم أجواء الدعابة طويلًا؛ إذ تبدلت حال الرجل فجأة، فنهض صارخًا، وأخذ يلوح بقبضتيه وهو يهتف:
"أنا جدع!"
ثم اندفع محاولًا الاعتداء على أحد رجال الشرطة، قبل أن يسقط مغشيًا عليه من شدة الهياج.
استدعى الضابط سيارة الإسعاف لنقل المغمى عليه ، إلا أن نوبات العنف استمرت بعد استيقاظه ، فلم يجد بدًا من تحرير محضر بالواقعة، وحفظ أمانات المتهم، وإيداعه الحجز. وهكذا أصبح حسنين أول شخص يقيد اسمه في دفتر السجن مع بداية العام الجديد.
الجريمة والانفعال
توضح هذه الواقعة أثر المسكرات في تعطيل مراكز الضبط الذاتي داخل الدماغ. فالخمر لا يخلق العدوانية من العدم، لكنه يرفع القيود التي تكبحها، فيندفع الشخص إلى سلوك لم يكن ليقدم عليه في حال وعيه الكامل.
ولهذا يقرر علماء النفس أن كثيرًا من الجرائم المرتبطة بالكحول ليست جرائم سبقها تخطيط، وإنما هي انفجارات انفعالية لحظية، تنشأ عن فقدان السيطرة على الذات.
إن لحظة سكر قد تستغرق دقائق، لكنها قد تخلّف آثارًا قانونية تمتد سنوات.
سارق... أم مستعير؟
وفي قسم الأزبكية، حرر الملازم أول مختار حسين أول محضر ضد يوسف عبد العال، متهمًا بسرقة دراجة هوائية.
غير أن المتهم أنكر تهمة السرقة، وقال إنه لم يكن ينوي الاستيلاء عليها نهائيًا، وإنما أراد استخدامها لبعض الوقت ليذهب بها إلى كورنيش النيل، ثم يعيدها إلى مكانها.
وكشفت التحقيقات أنه كان تحت تأثير كميات كبيرة من الكحول أفقدته سلامة التفكير، رغم اعتياده على الشرب.
بين النية والفعل
تثير هذه الواقعة مسألة قانونية دقيقة، وهي القصد الجنائي.
فالفرق كبير بين من يستولي على مال بقصد تملكه، وبين من يأخذه للاستعمال المؤقت دون إذن صاحبه. ومع ذلك، فإن مجرد الادعاء بحسن النية لا يكفي لإسقاط المسؤولية، بل يبقى تقدير النية أمرًا تملكه سلطة التحقيق والمحكمة في ضوء ظروف الواقعة وملابساتها.
التحليل النفسي
يكشف هذا السلوك عن ظاهرة يسميها علماء النفس التبرير الذاتي؛ إذ يميل الإنسان، بعد ارتكابه الخطأ، إلى إعادة تفسير أفعاله بصورة تجعله أقل شعورًا بالذنب. فيقنع نفسه بأنه لم يسرق، وإنما "استعار"، ولم يعتدِ، وإنما "دافع عن نفسه"، ولم يكذب، وإنما "جامل".
وهكذا يصبح العقل محاميًا يدافع عن صاحبه أكثر من كونه قاضيًا يحاكمه.
ضحية لا تعرف سبب الاعتداء
وفي قسم الظاهر، انتقل الملازم أول عزيز مسعد إلى مصاب أبلغ عنه الشاويش شبل مرسي.
كان الرجل يعاني إصابة في فخذه اليمنى، وبدا عليه الإعياء. وعندما سئل عن سبب إصابته، أجاب بصعوبة أن شخصًا يدعى أحمد الجبالي باغته بالاعتداء ثم فر هاربًا بمجرد سقوطه أرضًا، مؤكدًا أنه لا يعرف سبب هذا الاعتداء.
وعلى الفور أُبلغت سيارة الإسعاف، التي نقلت المصاب إلى مستشفى الدمرداش لتلقي العلاج.
العنف غير المفسر
من أخطر صور العنف تلك التي تقع بلا دافع ظاهر، لأنها تزرع الخوف في المجتمع أكثر مما تسببه من إصابات.
ويبين علم النفس أن بعض الاعتداءات العشوائية تكون نتيجة تراكمات انفعالية وضغوط نفسية لم تجد منفذًا مشروعًا، فتتحول إلى عدوان تجاه أول شخص يصادفه المعتدي. ولهذا فإن الوقاية من الجريمة لا تبدأ فقط من تشديد العقوبات، وإنما من علاج مسببات الغضب والإحباط والإدمان والعزلة الاجتماعية.
علم النفس والجريمة الصغيرة
قد تبدو هذه الوقائع متفرقة، لكنها تشترك جميعًا في خيط نفسي واحد، هو ضعف السيطرة على الدوافع.
فالسرقة الصغيرة ، والمشاجرة العابرة، والسكر في الطريق العام، والاعتداء المفاجئ، كلها تبدأ من لحظة يختل فيها التوازن بين الرغبة والعقل، وبين الانفعال والضمير.
ويقرر علماء الجريمة أن الإنسان لا ينتقل فجأة إلى الجرائم الكبرى، وإنما يمر غالبًا بسلسلة من التجاوزات الصغيرة التي يعتادها شيئًا فشيئًا. ولذلك فإن مواجهة الجرائم البسيطة ليست ترفًا قانونيًا، بل هي استثمار في أمن المجتمع على المدى الطويل.
المجتمع شريك في الوقاية
لا تتحقق العدالة بالمحاكم وحدها، ولا يتحقق الأمن برجال الشرطة وحدهم، وإنما يبدأ الأمن الحقيقي داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي بيئة العمل، ومن خلال التربية التي تغرس احترام القانون قبل الخوف من العقوبة.
فالطفل الذي يتعلم أن المال العام ليس مباحًا، وأن الكذب ليس وسيلة ذكية، وأن الاعتداء على الآخرين ليس دليلًا على القوة، يصبح أقل استعدادًا للانزلاق إلى الجريمة عندما يكبر.
كما أن مكافحة الإدمان، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي، تمثل جميعها أدوات وقائية لا تقل أهمية عن العقوبات الجنائية.
خاتمة
تكشف أولى جرائم العام الجديد حقيقة ثابتة؛ وهي أن التاريخ لا يبدأ دائمًا بالأحداث الكبرى، بل قد يفتتح صفحاته بوقائع تبدو عادية، لكنها تحمل بين سطورها صورة المجتمع بكل تناقضاته.
فبين سارق أغراه ربح قليل، وسكير ظن أن الفوضى نوع من المرح، ومتهم برر فعله بأنه مجرد استعارة، وضحية لم تعرف سبب الاعتداء عليها، تتجلى الطبيعة الإنسانية في أضعف لحظاتها، حيث تتصارع الحاجة مع الضمير، والانفعال مع العقل، والرغبة مع القانون.
وهكذا تؤكد هذه الوقائع أن الجريمة الصغيرة ليست صغيرة في آثارها؛ فهي إن تُركت دون علاج تربوي ونفسي وقانوني، قد تصبح البذرة الأولى لجرائم أشد خطرًا. لذلك فإن المجتمع الذي ينجح في احتواء الانحرافات البسيطة، وإصلاح أسبابها قبل استفحالها، هو المجتمع الأقدر على حماية أمنه واستقراره، لأن العدالة لا تبدأ من قاعات المحاكم، وإنما تبدأ من بناء الإنسان نفسه، ومن ترسيخ القيم التي تجعل احترام القانون اختيارًا نابعًا من الضمير، قبل أن يكون التزامًا تفرضه سلطة العقاب.
جرائم عند عتبة العام الجديد قراءة اجتماعية وقانونية في البدايات الصغيرة ودلالاتها الكبرى
الناشر :مدونة فكر أديب
-
