اسم الله الوهَّاب
تجليات العطاء الإلهي وأثر الإيمان به في بناء الإنسان والمجتمع
المقدمة
يقف الإنسان في رحلته مع الحياة أمام حقيقة كبرى، وهي أن كل ما يملكه ليس إلا هبة من الله تعالى؛ فالحياة نفسها هبة، والعقل هبة، والإيمان هبة، والصحة هبة، والأمن هبة، والطمأنينة هبة، بل حتى القدرة على الشكر نعمة تحتاج إلى شكر آخر. ومن هنا يتجلى اسم الله الوهَّاب، ذلك الاسم الذي يفتح أمام القلب أبواب الرجاء، ويزرع في النفس يقيناً لا يتزعزع بأن خزائن الله لا تنفد، وأن عطاياه لا تحدها حدود، ولا يمنعها مانع.
ويُعد اسم الوهَّاب من الأسماء الحسنى التي تجمع بين معاني الرحمة والجود والكرم والإحسان، فهو سبحانه يمنح قبل السؤال، ويعطي فوق الأمل، ويكرم دون انتظار مقابل، ويغدق نعمه على المؤمن والكافر، والبار والفاجر، والطائع والعاصي، ثم يخص أولياءه بهبات أعظم، هي هبات الهداية والإيمان والسكينة والرضوان.
إن التأمل في هذا الاسم لا يقتصر على الجانب العقدي فحسب، بل يمتد ليصوغ شخصية الإنسان نفسياً واجتماعياً وتربوياً؛ فالمؤمن باسم الله الوهَّاب يعيش مطمئن القلب، واسع الأمل، كريم النفس، محباً للعطاء، مؤمناً بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن الكرم الإلهي لا ينفد مهما عظمت الحاجات وتكاثرت الأمنيات.
أولاً: معنى اسم الله الوهَّاب
الوهَّاب صيغة مبالغة من الفعل "وَهَبَ"، وهي تدل على كثرة العطاء ودوامه واتساعه. والهِبة هي العطية المجردة التي لا يُراد بها عوض ولا مقابل، ولذلك كانت أسمى صور الإحسان.
فالوهَّاب هو الذي يفيض على خلقه بالنعم الظاهرة والباطنة، ويمنحهم ما يحتاجون إليه تفضلاً ورحمة، لا استحقاقاً منهم، ولا انتظاراً لمكافأة.
قال الإمام الخطابي:
"الوهَّاب هو الذي يجود بالعطاء عن ظهر يد من غير استفادة."
وقال الإمام الطبري:
"هو المعطي عباده التوفيق والسداد والثبات على الدين."
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
وكذلك الوهَّاب من أسمائه فانظر مواهبه مدى الأزمان
أهل السماوات العلا والأرض عن تلك المواهب ليس ينفكان
ويتميز مفهوم الهبة عن الرزق؛ فالرزق قد يكون جزاءً للأسباب التي يسعى إليها الإنسان، أما الهبة فهي فضل محض، يختص الله بها من يشاء، ولذلك كانت أعظم الهبات هي هبة الإيمان، وهبة الهداية، وهبة محبة الله لعبده.
ثانياً: اسم الله الوهَّاب في القرآن الكريم
ورد اسم الوهَّاب في القرآن الكريم ثلاث مرات، وكل موضع منها يرسم جانباً من جوانب الكرم الإلهي.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ آل عمران: 8 .
وهذا الدعاء يعلم المؤمن أن أعظم الهبات ليست المال ولا الجاه، وإنما ثبات القلب على الحق، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
وقال سبحانه: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ ص: 9
فالرحمة كلها بيده، والعطاء كله عنده، وليس لأحد سلطان على خزائن الله.
وقال تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ص: 35
وقد بدأ سليمان بطلب المغفرة قبل طلب الملك، لأن سلامة القلب أعظم من ملك الدنيا، ولأن الهبات الإلهية تبدأ بإصلاح الباطن قبل إعمار الظاهر.
ثالثاً: تجليات اسم الله الوهَّاب في الكون
حين يفتح الإنسان عينيه على هذا الكون، يدرك أن كل شيء فيه يسبح باسم الوهَّاب.
فالشمس التي تشرق كل صباح لا تطلب ثمناً لنورها، والمطر لا يفرق بين أرض المؤمن والكافر، والهواء يدخل صدور الجميع دون حساب، والأرض تحمل الناس جميعاً دون تمييز.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ النحل: 53
وقال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الأعراف: 156
إن هذه الآيات تغرس في النفس شعوراً عميقاً بأن الإنسان يعيش في بحر لا ينتهي من الهبات، حتى إنه قد يعتاد النعمة فيغفل عن المنعم.
وقد قال بعض العارفين:
"لو كشف الله للعبد عدد نعمه لعجز عن عدّ أنفاسه."
رابعاً: الإحسان الإلهي العام والإحسان الخاص
يتجلى اسم الله الوهَّاب في نوعين من الإحسان.
1. الإحسان العام
وهو الذي يشمل جميع الخلق دون استثناء.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
فكل إنسان يتنفس ، ويأكل، ويشرب، ويعيش، ويتمتع بألوان النعم، إنما يعيش على موائد الوهَّاب.
2. الإحسان الخاص
وهو أعظم من الأول، لأنه يتعلق بهبات الهداية والتوفيق.
قال تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقال سليمان عليه السلام: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
فهذه الرحمة الخاصة هي التي تمنح الإنسان نور البصيرة، وصفاء القلب، ولذة الطاعة، والثبات عند الفتن.
خامساً: جود الله المطلق
الجود صفة من صفات الله العظيمة، والوهَّاب هو المتصف بأعلى درجات الجود.
وجوده سبحانه نوعان:
• جود عام يفيض على جميع الكائنات.
• وجود خاص يختص به من سأله وأقبل عليه.
وقد قال رسول الله ﷺ:
"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار." (متفق عليه).
وفي الحديث القدسي:
"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر." (رواه مسلم).
إن خزائن الله لا تعرف النقص، لأن عطاء المخلوق محدود، أما عطاء الخالق فلا تحده حدود.
سادساً: الآثار النفسية للإيمان باسم الله الوهَّاب
الإيمان بهذا الاسم يبعث في النفس طاقة إيجابية عظيمة.
فهو يزرع:
• التفاؤل عند اليأس.
• والأمل عند الشدة.
• والطمأنينة عند الخوف.
• والرضا عند الفقد.
• والثقة عند تعقد الأسباب.
فالمؤمن يعلم أن الوهَّاب قادر على أن يهبه بعد الحرمان، ويغنيه بعد الفقر، ويشفيه بعد المرض، ويؤنس وحدته، ويبدل حزنه فرحاً.
وقد كان يعقوب عليه السلام يعيش هذا اليقين وهو يقول:
﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾.
ولذلك فإن الإيمان بالوهَّاب يحارب القلق والاكتئاب واليأس؛ لأن القلب المعلق بالله لا يعرف القنوط.
سابعاً: الآثار الاجتماعية للإيمان باسم الوهَّاب
إذا امتلأ القلب بمعرفة الوهَّاب أصبح صاحبه كريماً؛ لأن من عرف كرم الله استحيا أن يكون بخيلاً.
وقد قال النبي ﷺ:
"اليد العليا خير من اليد السفلى." (متفق عليه).
وقال ﷺ:
"خير الناس أنفعهم للناس."
فالمجتمع الذي يتخلق أفراده بمعاني اسم الوهَّاب تنتشر فيه الصدقات، وتكثر المبادرات، ويضعف الحسد، وتزول الأحقاد، ويصبح العطاء أسلوب حياة.
فالوالد يمنح أبناءه الحنان، والمعلم يهدي العلم، والطبيب يهدي الصحة، والغني يهدي المال، والعالم يهدي الحكمة، وكلهم يقتبسون من نور اسم الله الوهَّاب.
ثامناً: التأمل الصوفي في اسم الله الوهَّاب
إذا سكن هذا الاسم القلب، رأى الإنسان الوجود كله هبات متتابعة.
فيرى في طلوع الفجر هبة، وفي ابتسامة طفل هبة، وفي دمعة توبة هبة، وفي سجدة خاشعة هبة، وفي صديق صالح هبة، وفي دعوة أم هبة، وفي نسمة الفجر هبة، وفي مغفرة الذنوب أعظم الهبات.
قال أبو العتاهية:
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
وقال الإمام الشافعي:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
فالعارفون بالله لا يقيسون العطاء بكثرة المال، وإنما يقيسونه بالقرب من الله، لأن القرب أعظم المواهب.
تاسعاً: كيف نتعبد لله باسمه الوهَّاب؟
يتحقق التعبد بهذا الاسم من خلال:
• الإكثار من دعائه باسمه: "يا وهَّاب، هب لي من لدنك رحمة."
• دوام الشكر على النعم.
• عدم اليأس مهما اشتدت الأزمات.
• كثرة الصدقة والعطاء.
• الإحسان إلى الناس.
• اليقين بأن الفرج يأتي من خزائن الله وحده.
• سؤال الله أعظم الهبات، وهي الهداية والثبات وحسن الخاتمة.
خاتمة
يبقى اسم الله الوهَّاب من أكثر الأسماء الإلهية بثاً للأمل في القلوب؛ فهو يعلّم الإنسان أن الفضل كله من الله، وأن أبواب السماء لا تغلق أمام الداعين، وأن خزائن الرحمن لا تنقصها كثرة العطاء. وكلما ازداد العبد معرفة بهذا الاسم، ازداد تواضعاً وشكراً وسخاءً، وأصبح قلبه أكثر رحمة بالخلق، لأنه يتخلق بما يستطيع من آثار صفات ربه، فيمنح ولا يمنّ، ويحسن ولا ينتظر مقابلاً، ويعفو ولا يطلب جزاءً.
إن المؤمن حين يوقن أن الله هو الوهَّاب، يعيش حياة مطمئنة؛ فلا يخشى الفقر، ولا ييأس من الفرج، ولا يقنط من الرحمة، بل يردد مع أنبياء الله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، فتغدو هذه الكلمات نوراً يبدد ظلمات الخوف، ويجعل القلب معلقاً بخالق السماوات والأرض، الذي بيده خزائن كل شيء، والذي إذا أعطى أدهش، وإذا وهب أغنى، وإذا رحم وسعت رحمته كل شيء.
المراجع
1. القرآن الكريم.
2. صحيح البخاري.
3. صحيح مسلم.
4. الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
5. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
6. الخطابي، شأن الدعاء.
7. ابن القيم، النونية.
8. ابن القيم، مدارج السالكين.
9. الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
10. السعدي، تيسير الكريم الرحمن.
11. البيهقي، الأسماء والصفات.
12. ابن تيمية، مجموع الفتاوى (مواضع أسماء الله وصفاته).
