بين الجسد والمقدّس
البغايا المقدّسات:
الأسطورة، الطقس، والسلطة الرمزية للجنس في الحضارات القديمة
مقدمة: حين يصير الجسد لغةً للسماء
لم يكن الجسد، في المخيال الديني القديم، مادةً صامتة أو موضوع شبهة، بل كان وسيطًا كونيًا، لغةً تُخاطَب بها الآلهة، وجسرًا بين الأرض والسماء. في هذا السياق، تظهر ظاهرة ما عُرف اصطلاحًا بـ «البغاء المقدّس» لا بوصفها انحرافًا أخلاقيًا، بل باعتبارها طقسًا رمزيًا للخصوبة، واستراتيجية كونية لاستمرار الحياة.
غير أن هذا المفهوم، الذي ظلّ قرونًا يُقدَّم كحقيقة تاريخية، صار اليوم موضوع نزاع إبستمولوجي حاد بين السرديات الكلاسيكية والقراءات النقدية المعاصرة.
الفصل الأول:– من «الدعارة» إلى «الجنس المقدّس»
1. إشكالية المصطلح
يفضّل عدد متزايد من الباحثين مصطلحات مثل:
• الجنس المقدّس
• الطقوس الجنسية الدينية
• الزواج المقدّس (Hieros Gamos)
وذلك لأن كلمة «الدعارة» محمّلة بإسقاطات أخلاقية حديثة لا تنتمي إلى البنية الرمزية للعالم القديم.
2. تعريف ستيفاني بودين
تعرّف بودين البغاء المقدّس بأنه:
«بيع الجسد لأغراض جنسية بحيث يعود جزء من المقابل المادي إلى الإله أو المعبد».
وتقسّمه إلى:
1. طقس يُمارس مرة واحدة في العمر (بيع العذرية).
2. بغايا محترفات مملوكات للمعبد.
3. طقوس مؤقتة مرتبطة بالزواج أو الخصوبة.
الفصل الثاني: الأسطورة بوصفها مسرحًا – الجسد، الإلهة، والملك
1. سومر: إنانا، دوموزي، ودراما الخصب
في سومر، لا يظهر الجنس كفعل لذّة، بل كـ مشهد كوني:
• إنانا (عشتار لاحقًا): إلهة الحب والحرب والخصوبة.
• دوموزي: الإله–الملك–العاشق.
التراتيل السومرية تصف حوارًا داخليًا شاعريًا بين الإلهة وحبيبها، حيث يتحول الجسد إلى استعارة للزراعة، والمطر، والبذار.
«تعالَ، أيها الراعي، اجعل الأرض تُنبت باسمي…»
لكن الدراسات الحديثة تشكك في حدوث جماع فعلي، وترى الطقس تمثيلاً رمزيًا لشرعية الملك لا أكثر.
الفصل الثالث: بابل وهيرودوت – السرد بين الوصف والاتهام
يقدّم هيرودوت وصفًا شهيرًا لطقس يُجبر فيه النساء على ممارسة الجنس في معبد عشتار.
غير أن هذا النص يُقرأ اليوم بوصفه:
• خطابًا إثنوغرافيًا مشوبًا بالغرابة.
• أو أداة بلاغية لتشييء «الآخر الشرقي».
حوار خارجي ضمني
• هيرودوت: يصف، يُعمّم، يُدهش.
• المؤرخ المعاصر: يسأل: من يتكلم؟ ولمصلحة من؟
الفصل الرابع: الجسد المؤنث والسلطة – تحليل نفسي اجتماعي
من منظور نفسي–اجتماعي:
• كانت «البغي المقدّسة» امرأة ذات سلطة رمزية.
• جسدها ليس مِلكًا لرجل، بل مِلكًا للآلهة.
• تمارس الجنس لا بدافع الخضوع، بل كوظيفة كونية.
هنا ينقلب المعنى:
الجسد لا يُدنّس، بل يُقدَّس عبر الممارسة.
الفصل الخامس: المقارنة الحضارية – وحدة الرمز واختلاف التأويل
1. اليونان: أفروديت وكورنث
• معابد أفروديت ضمّت مئات الهيرودوليس.
• الجنس كان يُقدَّم كـ عبادة حسّية.
• الهيتيرات مثقفات، فنانات، وسيطات ثقافيات.
2. مصر القديمة
• حضور كثيف لرموز الخصوبة.
• غياب دليل قاطع على دعارة معابد صريحة.
• الجسد جزء من نظام كوني متناغم.
3. فينيقيا وقبرص
• عشتار/تانيت.
• غرف معابد مهيّأة للطقوس.
• إدراج البغايا ضمن الاقتصاد المعبدي.
4. الهند (الديفاداسيأ
• من وسيطة روحية إلى ضحية نظام طبقي.
• انتقال الطقس من المقدّس إلى الاستغلال.
الفصل السادس: التناخ، المسيحية، وانقلاب المعنى
في النصوص التوراتية:
• زوناه: عاهرة دنيوية.
• قديشة: امرأة «مكرّسة».
هذا الالتباس اللغوي يعكس صراعًا دلاليًا:
• بين ذاكرة طقسية قديمة.
• ونظام توحيدي أبوي يُعيد تأويل الجسد بوصفه خطرًا أخلاقيًا.
الفصل السابع: التفكيك المعاصر – أسطورة أم حقيقة؟
1. النقد الأكاديمي الحديث
• ستيفاني بودين، أسانتي، أرنوغوليا:
o «البغاء المقدّس خرافة بحثية».
o نتاج ترجمات خاطئة أو إسقاطات أيديولوجية.
2. الدفاع الرمزي
• نانسي كوالز-كوربيت:
o العاهرة المقدسة = أيقونة الأنوثة الروحية.
• الحركات الوثنية الجديدة:
o الجنس كطقس شفاء وتحرر.
خاتمة: الجسد كأرشيف للروح
سواء وُجد البغاء المقدّس كحقيقة تاريخية أم كأسطورة، فإن الأهم هو وظيفته الرمزية.
لقد مثّل محاولة الإنسان الأولى لـ:
• فهم الخصوبة.
• ترويض الخوف من الفناء.
• تحويل اللذة إلى صلاة.
ومع صعود التوحيد والسلطة الأبوية، أُقصي الجسد من المقدّس، فخسر الإنسان إحدى لغاته الأولى في مخاطبة الكون.
مراجع مختارة
1. Frazer, J. G. The Golden Bough.
2. Budin, S. The Myth of Sacred Prostitution in Antiquity.
3. Kramer, S. N. History Begins at Sumer.
4. Assante, J. Ancient Mesopotamian Sexuality.
5. Herodotus, Histories.
6. Qualls-Corbett, N. The Sacred Prostitute.
7. Eliade, M. The Sacred and the Profane.
8. Murray, S. W. Homosexuality in the Ancient World.
بين الجسد والمقدّس البغايا المقدّسات: الأسطورة، الطقس، والسلطة الرمزية للجنس في الحضارات القديمة
الناشر :مدونة فكر أديب
-
