بقايا عطرها
لعطركِ في أرجاءِ هذا المدى بقايا تُداعبُ قلبي الحيرانْ
وفي كلِّ ركنٍ من البيتِ لي حكايا تُطلُّ من الشُّبّاكِ الآنْ
على الطاولةِ الصامتةِ التي حفظتْ سرَّنا، وصمتَ المكانْ
وعند الزجاجِ الذي كان يومًا يرى خطونا، ثم غاب الزمانْ
بقايا عطرِكِ ما زالت هنا تُفتِّشُ عنكِ بليلٍ حزينْ
وتسألُ عن خطوكِ الناعمِ وعن ضحكةٍ ضاعتِ بين السنينْ
هنا كأسُ شايٍ تركناهُ يومًا كأنَّ يديكِ بهِ ما تزالْ
وهذا المقعدُ الخالي أمامي يُحدِّثُ قلبي حديثَ المحالْ
وهذي الستائرُ، حينَ تهبُّ رياحُ المساءِ، تُثيرُ الحنينْ
كأنَّ أصابعَكِ الدافئاتِ تمرُّ عليها بلمسٍ أمينْ
أشمُّ المكانَ، فأبصرُ وجهًا من الذكرى يجيءُ ولا يستكينْ
وأسمعُ في الصمتِ همسَ الخطى فتوقظُ في الروحِ عهدَ السنينْ
كأنَّ الزمانَ الذي قد تولّى يعودُ على مهلٍ في المساءْ
ويفتحُ بابَ الحكايا القديمةِ فأدخلُ وحدي إلى ما مضىْ
وأمشي على دربِنا الأولِ والليلُ حولي كثيفُ الدخانْ
فألقى ظلالَكِ بينَ الظلالِ وألقى عيونَكِ خلفَ الجدرانْ
يا من تركتِ على راحتيَّ عطورَ الربيعِ ودفءَ الأمانْ
تركتِ الزهورَ على نافذاتي وتركتِ في القلبِ بحرَ الحنانْ
غرستِ الكاردينيا بيديكِ فأزهرتِ الدارَ بعدَ الجفافْ
وكانتْ إذا لامسَتها يداكِ تضوعُ مثلَ ابتسامِ الصباحْ
وكنتِ تسقينها من يديكِ فتكبرُ في صمتِها كالأغاني
وأنا أراقبُها في ابتهاجٍ كطفلٍ رأى حلمَهُ في الأماني
فيا زهرةً من بقايا يديكِ أما زلتِ تحفظينَ الحنانْ؟
أما زلتِ تذكرينَ المساءَ وذاك المقعدَ تحتَ الشجرْ؟
أما زلتِ تذكرينَ الحكايا التي كان يجمعُنا بها المكانْ
وذاك الكلامَ الصغيرَ الذي كان أكبرَ من كلِّ هذا الزمانْ
أنا الآنَ وحدي، ولكنَّ قلبي يُقيمُ معكِ رغمَ الرحيلْ
فما غابَ وجهُكِ عن ناظريَّ وإن طالَ دربُ النوى والمَحيلْ
أنا مهزومةٌ في ميدانِ الشوقِ لا سيفَ عندي ولا منجنيقْ
سوى دمعةٍ فوقَ خدِّي تسيلُ وسرٍّ من الحبِّ لا يستفيقْ
أجثو على رحى الأرضِ وحدي وأشمُّ عبيرَ السنينْ
وأصغي إلى نبضِ ترابٍ قديمٍ يخبِّئُ تحتَ الثرى عاشقينْ
فيا تُربَ أيامِنا، كنْ رفيقًا بسرٍّ دفنّاهُ بينَ الحنينْ
ويا ليلُ، لا تفضحِ القلبَ إنّي أخافُ افتضاحَ الأسى والأنينْ
فإن مرَّ طيفُكِ يومًا ببابي فلا توقظي وجعَ الانتظارْ
دعيني أراهُ ولو لحظةً كضوءٍ يمرُّ على الانكسارْ
فما بينَنا غيرُ عطرٍ قديمٍ وبعضُ الرسائلِ وبعضُ الصورْ
ولكنَّ هذا القليلَ بقلبي يساوي من العمرِ ألفَ عمرْ
بقايا عطركِ، يا فتنةَ الروحِ تشُدُّ خطايَ إلى الرحيلْ
وتدفعني نحوَ بحرٍ بعيدٍ وأرجعُ منها بقلبٍ عليلْ
أتأرجحُ الآنَ فوقَ إيقاعِ المطرِ المسترسلِ فوقَ السطوحْ
كأنَّ الغمامَ يبكي علينا ويغسلُ وجهَ الطريقِ الجريحْ
قطراتُهُ تنقرُ النافذةَ نقرَ الحبيبِ على بابِ حبيبْ
وأنا خلفَها أرقبُ ليلًا طويلَ الخطى، شاحبَ المستجيبْ
فيا مطرَ الليلِ، رفقًا بقلبي فإنَّ جراحي بغيرِ المطرْ
وإنّي أخافُ إذا زادَ وقعُكِ أن يستفيقَ الحنينُ الأشرْ
ولكنَّ قلبي يحبُّ المطرَ لأنَّ بهِ رائحةَ الترابْ
وفيه من الذكرى شيءٌ خفيٌّ يعيدُ ابتداءَ الحكايا الغيابْ
كأنَّ السماءَ إذا أمطرتْ تُعيدُ إلينا الذي قد مضىْ
وكأنَّ السحابَ إذا ما انحنى يقبِّلُ أرضَ الهوى والوفاْ
يتودَّدُ الحلمُ للمحيطِ خجولًا كطفلٍ يخافُ اقترابَ العيونْ
ويحملُ في كفِّهِ أمنياتٍ ويخفي وراءَ ابتسامتهِ ألفَ لونْ
وأمضي إلى البحرِ، لا كي أراكِ ولكنْ لأغسلَ عني الكلامْ
وأستودعَ الموجَ سرَّي القديمَ وأتركَ في قاعهِ كلَّ عامْ
ألوذُ بالصخرِ والرذاذِ إذا ضاقَ صدري من الذكرياتْ
وأطلبُ من ملحِ هذا المحيطِ طهارةَ روحي من الأمنياتْ
أريدُ النجاةَ من لغةٍ تكتبُ اسمَكِ في كلِّ سطرْ
فكيفَ أفرُّ من الحرفِ إن كان كلُّ حروفي بقايا عطرْ؟
أعوذُ من لغةٍ كلما قلتُ سأشفى، أعادتْ جراحي الكلامْ
ومن كلمةٍ كلما حاولتُ نسيانَكِ، أشعلتْ فيَّ الغرامْ
أقولُ: انتهى، فيعودُ ابتداءٌ وأقولُ: غفوتُ، فيصحو السهادْ
وأغلقُ بابي على ذكرياتٍ فتدخلُ من نافذاتي كالميلادْ
أحاولُ أن أنفضَ الرمادَ عن معطفي، عن يدي، عن خطايْ
فيلتصقُ الرمادُ بقلبي كأنَّ بقاياكِ بعضُ البقاءْ
وأغسلُ وجهي بماءِ الصباحِ وأفتحُ للضوءِ بابَ النهارْ
فأبصرُ ظلَّكِ في المرآةِ فأعرفُ أنَّي أسيرُ الديارْ
أرتِّبُ أشيائيَ القديمةَ وأطوي ثيابَ الحكايةِ طيًّا
ولكنَّ عطركِ بينَ الثيابِ يعودُ إليَّ حنونًا شجيًّا
وأفتحُ صندوقَنا الخشبيَّ فألقى رسائلَ حبٍّ صغارْ
بها من خطاكِ ارتجافُ الحروفِ وبينَ السطورِ بقايا نهارْ
رسالةُ عيدٍ، وصورةُ شتاءٍ وتذكرةٌ من سفرٍ بعيدْ
وتلكَ القصاصةُ فيها كتبتِ: "سأبقى"، فكيفَ غدا الوعدُ بيدْ؟
أمرُّ عليها كمن يلمسُ الجمرَ أخشى احتراقَ الأصابعِ والروحْ
وأضحكُ من فرطِ حزني قليلًا وأبكي لأنَّ ابتسامتي جرحْ
فيا ليتَ وعدَ الحبيبِ إذا قالَ يبقى كما قيلَ لا يتغيّرْ
ويا ليتَ قلبَ المحبِّ إذا أحبَّ يُعطى من الحبِّ ما لا يَخسرْ
ولكنَّ دنيا الهوى غامضةٌ تُقرِّبُ حينًا وتقصي أحيانْ
وتمنحُنا وردةً في الصباحِ وتزرعُ في الليلِ شوكَ الحرمانْ
وفي الحبِّ ضدّانِ يسكنُ بعضُهما ففي الوصلِ نارٌ، وفي البعدِ نارْ
وفي الضحكِ دمعٌ، وفي الدمعِ ضحكٌ وفي القربِ شوقٌ، وفي البعدِ دارْ
أحبُّكِ رغمَ المسافاتِ بيني وبينَكِ، رغمَ اختلافِ الطريقْ
فما الحبُّ دربًا منيعَ الحواجزِ ولا العشقُ يعرفُ معنى الغريقْ
إذا غبتِ عني، حضرتِ بقلبي وإن حضرتِ، زادَ بي الافتتانْ
كأنَّ حضورَكِ بعضُ الغيابِ وكأنَّ غيابَكِ بعضُ الأمانْ
أفتِّشُ عنكِ بوجهِ الصباحِ وفي آخرِ الليلِ بينَ النجومْ
وفي صوتِ طفلٍ يمرُّ قريبًا وفي ضحكةِ الوردِ بعدَ الغيومْ
وأسمعُ صوتَ فيروزَ بعيدًا يجيءُ من الليلِ مثلَ الدعاءْ
فيوقظُ في القلبِ صبحًا قديمًا ويفتحُ نافذةً للضياءْ
فأجلسُ وحدي، وأصغي طويلًا إلى نغمةٍ من زمنٍ مستكينْ
وأشعرُ أنَّ الأغاني القديمةَ تخبِّئُ أسماءَنا في الحنينْ
وأرنو إلى مركبٍ قديمٍ مهملٍ فوقَ شاطئِ النسيانْ
تآكلَ خشبُهُ من انتظارٍ وأضناهُ صمتُ البحارِ العِظامْ
كأنَّهُ يشبهُ القلبَ عندي إذا طالَ فيهِ انتظارُ الحبيبْ
يقفُ على الشاطئِ لا هو يمضي ولا هو يرضى بحكمِ الغيابْ
فأقولُ: يا مركبَ الأمسِ، خذني إلى حيثُ كانَ لنا من وطنْ
إلى أولِ البحرِ، أولِ حبٍّ وأولِ وعدٍ وأولِ سكنْ
ولكنَّ موجَ الزمانِ عنيدٌ يبدِّدُ آثارَنا في الرمالْ
فكلُّ طريقٍ مشيناهُ يومًا تُغطِّيهِ ريحُ الليالي الطوالْ
وأجمعُ ضفافَ طفولتي على مشارفِ بحرٍ غاضبْ
وأحملُ أحلامَ عمري الصغيرةَ كطيرٍ جريحٍ إلى شاطئٍ هاربْ
أرى طفلةً في زوايا المرايا تلوِّحُ لي ثم تمضي بعيدْ
كأنَّ الطفولةَ كانتْ وعدًا جميلاً، ولكنَّهُ لا يعيدْ
أقولُ لها: هل رأيتِ الحبيبةَ؟ فتصمتُ، ثم تشيرُ للبحرْ
فأعرفُ أنَّ الجوابَ غيابٌ وأنَّ السؤالَ طويلُ الأثرْ
وأعودُ من البحرِ أكثرَ شوقًا وأقلُّ يقينًا، وأشدُّ انكسارْ
فبعضُ الأماكنِ لا تشفي القلبَ ولكنَّها توقظُ الانتظارْ
أغفو، وأغفو، ثم أستفيقُ على رعشةٍ في ضلوعي تقولْ
كأنَّ يديكِ تمرُّانِ فوقي وكأنَّكِ الآنَ عندي تطولْ
وأفتحُ عينيَّ فلا شيء حولي سوى ليلِ بيتٍ وريحٍ تدورْ
وساعةِ حائطِنا العتيقةِ تعدُّ الثواني، وتحصي العبورْ
وأمدُّ يدي نحوَ المكانِ الذي كنتِ تجلسينَ بهِ كلَّ حينْ
فلا ألقى غيرَ الهواءِ الباردِ وذكرى عيونٍ ودفءِ أنينْ
وعلى شفتيَّ قصيدةُ شوقٍ مطلعُها: "أفتقدكِ" يا أجملَ الأسماءْ
وأكتبُها ثم أمحو سطورًا وأكتبُ: هل يرجعُ الحبُّ يومًا؟
وأكتبُ: "أفتقدكِ" ثم أكتبُ "أحبُّكِ" ثم أعودُ للصمتِ خوفْ
فما بينَ لفظٍ ولفظٍ حكايا من الشوقِ تكبرُ مثلَ الحروفْ
أفتقدُ ضحكتكِ حينَ كانتْ تبدِّدُ عن نافذاتي الشتاءْ
وأفتقدُ صوتَكِ حينَ يقولُ "سيأتي الصباحُ"، فيأتي الضياءْ
أفتقدُ كفَّكِ حينَ تمسحُ عن جبيني تعبَ المساءِ
وأفتقدُ مشيتكِ الهادئةَ كأنَّ الخطى لحنُ ماءٍ نقيٍّ
أفتقدُ تلكَ التفاصيلِ حتى صغيرَ الكلامِ وقهوةَ المساءْ
أفتقدُ كرسيًّا كانَ يجمعُنا وظلًّا قصيرًا، ورائحةَ الشايْ
أفتقدُ نافذةً كنتِ عندها تراقبينَ الغروبَ الحزينْ
وتسألينَ الشمسَ: هل سوفَ يرجعُ نهارٌ يشبهُ عهدَ السنينْ؟
أفتقدُ وردةَ كاردينيا كانتْ على راحةِ الضوءِ تنمو
وأذكرُ أنكِ كنتِ تقولينَ إنَّ الجمالَ إذا أحبَّ يدومُ
فكيفَ أصدِّقُ أنَّكِ غبتِ وكلُّ الأماكنِ تقولُ: هنا؟
وكيفَ أصدِّقُ أنَّ الطريقَ تباعدَ بيني وبينَ المنى؟
لقد كنتِ أقربَ من نبضةٍ وأبعدَ الآنَ من كوكبٍ في السماءْ
وكانَ حضورُكِ دفءَ الحياةِ فصارَ الغيابُ امتحانَ البقاءْ
ومع ذلكَ، يا أنتِ، ما زلتُ أحملُ عهدَ الهوى في الجَنانْ
ولا أستطيعُ اقتلاعَ الربيعِ إذا كانَ أصلُ الربيعِ الأمانْ
فبعضُ المحبةِ لا تنتهي وإن غيَّرتْ شكلَها في الزمانْ
تصيرُ دعاءً، وتصيرُ عطرًا وتصبحُ ذكرى، وتصبحُ ألحانْ
وتصبحُ نافذةً في المساءِ تطلُّ على بحرِ عمرٍ بعيدْ
وتصبحُ نجمةَ ليلٍ وحيدٍ تضيءُ الطريقَ إذا ما نحيدْ
وإن كانَ لا بدَّ من أن أقولَ وداعًا، فلا يعني الوداعُ الفناءْ
فقد يسكنُ الحبُّ بعدَ الرحيلِ ويحيا كسرٍّ عميقٍ خفيٍّ
سأتركُ للريحِ بعضَ الحكايا وأتركُ للبحرِ بعضَ الأثرْ
وأتركُ عطركِ فوقَ الستائرِ كي لا يموتَ عبيرُ القمرْ
وسأحفظُ الكاردينيا كما حفظتْني يداكِ من الانكسارْ
وأرعى زهورَ المساءِ كطفلٍ يرى في بتلاتِها وجهَ دارْ
فإن مرَّ يومٌ وعادَ الربيعُ وصارتْ حدائقُنا في ازدهارْ
سأعرفُ أنَّ الذي كانَ بيني وبينَكِ لم يكنِ اختيارْ
ولكنَّهُ كانَ قدرًا جميلاً تخطَّى حدودَ المكانِ والزمانْ
تركنا بعيدينِ في ظاهرِ الأمرِ لكنْ قريبينِ خلفَ الجَنانْ
فيا بقايا عطركِ، ابقي قليلًا على نافذاتي، على الشُّبّاكْ
فإني وإن قلتُ: قد نسيتُكِ سأبقى أحبُّ الذي كانَ هناكْ
ويا بقايا حُبٍّ جميلٍ تعالي كضوءٍ خفيفِ المدى
ولا تقتلي في فؤادي الرجاءَ فبعضُ الرجاءِ حياةُ الندى
دعيني أعيشُ على الذكرياتِ إذا لم يعدْ في يدي من سبيلْ
فإنَّ الذي عاشَ حبًّا صادقًا يظلُّ وفيًّا ولو مستحيلْ
أنا لا أريدُ من العمرِ عودةَ يومٍ مضى وانقضى وانتهى
ولكنْ أريدُ من الذكرى أن تبقى جميلةً إن جرى ما جرى
فيا من أحببتُها في صمتي ويا من تركتِ بقلبي الأمانْ
سأكتبُ اسمَكِ فوقَ القصيدةِ وأحرسُهُ من يدِ النسيانْ
سأكتبُهُ في ابتداءِ القصيدِ وفي آخرِ الحرفِ حينَ أستكينْ
وأتركُ بينَ القوافي عبيرًا يشبهُ عطرَكِ في الياسمينْ
وإن سألوا: ما بقايا الهوى؟ سأقولُ: عطرٌ، ووردٌ، وحنينْ
وصوتُ المطرْ، وليلٌ طويلٌ وقلبٌ يفتِّشُ بينَ السنينْ
وإن سألوا: هل شُفيتَ؟ سأصمتُ لأنَّ المحبةَ ليستْ جراحْ
ولكنَّها حينَ تسكنُ روحًا تصيرُ من الروحِ سرَّ النجاحْ
وإن سألوا: هل عادَ طيفُ الحبيبِ؟ سأقولُ: يجيءُ مع كلِّ مساءْ
ففي العطرِ، في المطرِ، في الأغاني وفي الكاردينيا، وفي الأشياءْ
وفي البحرِ حينَ يهيجُ الموجُ وفي الصخرِ حينَ يبلُّهُ الرذاذْ
وفي فيروزَ حينَ يجيءُ صوتٌ بعيدٌ، حنونٌ، شفيفُ المجازْ
وفي كلِّ نافذةٍ كنتِ يومًا تطلِّينَ منها على الشمسِ حينْ
وفي كلِّ دربٍ مشيناهُ معًا وفي كلِّ ليلٍ طويلٍ حزينْ
ستبقينَ عطرًا، ولن تنتهي حكاياكِ مهما استطالَ الزمانْ
فما ماتَ حبٌّ تركناهُ حيًّا بنبضِ القصائدِ خلفَ الجَنانْ
وإن غبتِ عن عينيَّ، فالروحُ تعرفُ دربَكِ دونَ دليلْ
وإن طالَ بينَنا ألفُ بحرٍ فنبضُ المحبِّ قريبٌ أصيلْ
لهذا سأتركُ بابَ القصيدةِ مواربَ نحوَ احتمالِ اللقاءْ
وأتركُ للصبحِ سرَّ الرجوعِ وأتركُ للغيبِ أمرَ المنى
فربَّ مساءٍ يعيدُ الحكايةَ وربَّ صباحٍ يعيدُ الأمانْ
وربَّ طريقٍ حسبناهُ منفى يقودُ الحبيبينِ نحوَ المكانْ
إلى أن يعودَ الذي كانَ يومًا إلى أن يلينَ الحديدُ ويذوبْ
سأبقى هنا، والقصيدةُ عندي رفيقةُ قلبٍ، وبيتُ قلوبْ
سأبقى أرتِّبُ وردَ المساءِ وأفتحُ نافذتي للنسيمْ
وأتركُ كرسيَّكِ الخالي هناكَ ليحفظَ سرَّ الهوى القديمْ
فإن هبَّ عطرُكِ ذاتَ مساءٍ سأغلقُ عينيَّ دونَ سؤالْ
وأقولُ: عادتْ حبيبةُ قلبي ولو في الخيالِ، ولو في المحالْ
وأسمعُ في داخلي صوتَكِ العذبَ يقولُ: أما زلتَ تحفظُ عهدي؟
فأهمسُ: ما خانَ قلبي هواكِ ولا خانَ دمعي، ولا خانَ وعدي
وأمضي إلى آخرِ الليلِ وحدي ولكنَّ قلبي معكِ لا يزالْ
فإن كانَ للحبِّ آخرُ دربٍ فآخرُ دربي إليكِ الوصالْ
وهذي بقايا عطركِ عندي تضيءُ ظلامي كضوءِ الهلالْ
وتبقى على شفتيَّ قصيدةٌ مطلعُها: أفتقدكِ… لا يزالْ
وفي آخرِ الحرفِ، حينَ أقولُ تعبتُ، أجدني أحبُّ ابتداءْ
فأكتبُ اسمَكِ فوقَ السطورِ وأتركُ للدمعِ آخرَ نداءْ
يا بقايا عطرٍ على نافذاتي ويا سرَّ قلبٍ أضناهُ الحنينْ
سأظلُّ أحبُّكِ رغمَ الغيابِ وأحرسُ عهدَكِ طولَ السنينْ
فإن لم تكوني هنا في يديَّ فأنتِ هنا في نبضي المقيمْ
وإن لم تكوني أمامَ العيونِ فصورتُكِ في الفؤادِ لا تستقيمْ
وإن كانَ هذا الزمانُ افترقنا فما افترقَ العطرُ عن ذكرياتْ
وما افترقَ المطرُ عن نافذةٍ ولا افترقَ الحلمُ عن أمنياتْ
فيا من رحلتِ، خذي من فؤادي سلامًا كعطرِ الربيعِ الحنونْ
وخذي من قصيدي بقايا اشتياقٍ وأغنيةً من صدى العاشقينْ
وقولي إذا مرَّ طيفي ببالكِ وكانَ المساءُ طويلَ الأنينْ
إنَّ الذي كانَ يومًا يحبُّكِ ما زالَ يحبُّكِ… بعدَ السنينْ
وإن مرَّ عطرُ الكاردينيا على نافذةٍ في صباحٍ أمينْ
فاذكري أنَّ قلبًا بعيدًا تعلَّمَ منكِ الهوى والحنينْ
فليسَ الرحيلُ انتهاءَ الحكايا ولا الصمتُ يعني انتهاءَ الكلامْ
ففي القلبِ صوتٌ، وفي الروحِ نبضٌ وفي العطرِ سرٌّ، وفي الحبِّ شامْ
وإن سقطتْ من يديَّ القصيدةُ ففي الروحِ ألفُ قصيدٍ وبيانْ
وإن جفَّ حبرُ الحروفِ بليلي ففي العينِ بحرٌ من الذكرياتْ
وسأبقى، إذا جاءَ ليلُ الحنينِ أفتِّشُ في العطرِ عنكِ أحيانْ
وأضحكُ من حزني، ثم أبكي وأكتبُ: ما زلتِ أجملَ ما كانْ
بقايا عطركِ… يا عمرَ قلبي ويا وردةً لا يغيِّرُها الزمنْ
ستبقينَ في داخلي كالنشيدِ كفجرٍ يلوحُ، كحلمٍ سكنْ
وإن كانَ آخرُ ما في القصيدِ دموعًا، فدمعي عليكِ أمانْ
وإن كانَ آخرُ حرفٍ أقولُهُ فهو: أحبُّكِ… رغمَ الزمانْ
فنامي بقلبي، ولا توقظي جراحَ المساءِ إذا جاءَ ليلْ
فإنّي سأحملُ عطركِ دومًا كأجملِ سرٍّ، وأعذبِ دليلْ
وسأتركُ نافذةَ القلبِ مفتوحةً لنسمةِ حبٍّ، ولونِ الحنانْ
لعلَّ الربيعَ يعودُ يومًا وتزهرُ فينا بقايا الأمانْ
وحينَ يعودُ الربيعُ، سأزرعُ كاردينيا أخرى بجانبِ الدارْ
وأرويها بالحبِّ لا بالدموعِ وأحرسُها من هبوبِ الغبارْ
فإن أزهرتْ، قلتُ: هذا دليلٌ على أنَّ قلبَ الهوى لا يموتْ
وإن ذبلتْ، قلتُ: يكفي بأنّي زرعتُ الوفاءَ، ولم أخنِ السكوتْ
وسأجلسُ تحتَ ظلالِ الشجرِ وأصغي إلى همسةِ الأغصانْ
وأتركُ للريحِ أن تحملَ العطرَ إلى حيثُ أنتِ، إلى آخرِ المكانْ
هناكَ، إذا لامسَ العطرُ قلبَكِ فلا تسألي من أرسلَ الأمانْ
فقلبي هو المرسلُ المستترُ وفي الحبِّ لا يحتاجُ العشقُ عنوانْ
بقايا عطركِ ستبقى معي كأنَّكِ لم ترحلي في الحقيقةْ
فبعضُ الغيابِ حضورٌ طويلٌ وبعضُ الحضورِ غيابٌ عميقْ
وهكذا تنتهي القصيدةُ لكنَّ الحكايةَ لا تنتهي
فما دامَ في القلبِ نبضٌ يحبُّ فإنَّ بقايا الهوى لا تفي
بقايا عطرٍ على نافذاتي وبعضُ حنينٍ، وبعضُ أمانْ
وقلبٌ يقولُ، إذا ما أفاقَ: أفتقدكِ الآنَ… مثلَ الزمانْ
أفتقدكِ الآنَ، لا كي تعودي ولكنْ لأحفظَ معنى الوفاءْ
فقد كنتِ يومًا أجملَ عطرٍ مرَّ على العمرِ مثلَ الضياءْ
وإن كانَ لي في الحياةِ رجاءٌ فسوفَ يكونُ بقاءَ الأثرْ
فما أجملَ الحبَّ حينَ يغيبُ ويبقى من الحبِّ هذا العطرْ
