كوابيس النتن و الكورمبى
كوابيس العرش المتصدّع
أو حين يطارد الظلُّ صاحبَه
ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات، فبعضها يبدأ في الرأس قبل أن ينزل إلى الأرض. هناك معارك تُشعلها البنادق، وأخرى تُشعلها المخاوف. وحين يصبح الخوف سيد القرار، تتحول السياسة إلى سلسلة طويلة من الكوابيس المتعاقبة، ينام أصحابها على وسائد السلطة، لكنهم يستيقظون كل صباح على وقع هزيمة جديدة في داخلهم.
وفي مسرح الشرق الملتهب، يبدو أن "النتن" و"الكرومبي" ــ كما يسميهما الخطاب الساخر ــ لا يواجهان خصومًا بقدر ما يواجهان أشباحًا صنعتها أيديهم. فكل خطوة نحو الأمام تلد سؤالًا جديدًا، وكل تهديد يفتح بابًا لمعضلة أكبر، حتى غدت المنطقة أشبه بمرآة ضخمة تعكس ارتباك القوة حين تفقد قدرتها على فهم الواقع.
الكابوس الأول: حين تتحول الحرب إلى مهنة هدم
بدأت الحكاية بشرارة صغيرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى حريق هائل التهم الحجر والبشر والذاكرة. ظنّ أصحاب القرار أن القوة العسكرية تستطيع أن تحسم كل شيء، وأن السماء إذا أمطرت نارًا فإن الأرض ستستسلم في النهاية.
لكن التاريخ، ذلك العجوز العنيد، كان يبتسم في زاوية المشهد.
فالمدن يمكن هدمها، أما الأفكار فليست أبنية من إسمنت. والبيوت يمكن أن تتحول إلى ركام، أما القناعات فلا تُقصف بالطائرات. لذلك وجد "النتن" نفسه بعد شهور طويلة كمن جاء ليقتلع شجرة، فاكتشف أنه يحارب غابة كاملة.
كان يعلن الأهداف الكبيرة، ثم يعود ليحصي الخراب. يرفع شعارات النصر، بينما تتراكم الأسئلة فوق مكتبه كأوراق الخريف. وكلما امتدت الحرب ازداد المشهد غرابة؛ إذ بدا أن آلة القوة الهائلة تعرف كيف تهدم، لكنها لا تعرف ماذا تفعل بعد الهدم.
ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان حين يعجز عن تحقيق هدفه الأساسي يلجأ أحيانًا إلى أهداف بديلة. فإذا فشل في إنهاء المشكلة، حاول إخفاء آثار فشله بضجيج أكبر. وهكذا تتحول الحرب من وسيلة إلى غاية، ومن قرار مؤقت إلى عادة يومية.
أما اجتماعيًا، فإن المجتمعات التي تعيش تحت القصف لا تخرج كما دخلت. فهي تحمل جراحًا عميقة، لكنها تحمل أيضًا ذاكرة أشد عمقًا. والذاكرة، مهما بدت صامتة، هي أخطر ما يُترك خلف الحروب.
الكابوس الثاني: العقدة الإيرانية
كان الهدف المعلن واضحًا، لكن الطريق إليه بدا كمن يحاول الإمساك بالماء بقبضة اليد.
فإيران ليست جزيرة معزولة في بحر هادئ، بل عقدة متشابكة من المصالح والتحالفات والحسابات الإقليمية. ولهذا بدت المواجهة معها أقرب إلى لعبة شطرنج طويلة منها إلى معركة خاطفة.
كل حركة على الرقعة تخلق ردًا مضادًا، وكل تهديد يستدعي تهديدًا آخر. وهنا يظهر الكابوس الحقيقي: الخوف من المجهول.
فالسياسي يحب المعادلات البسيطة، لكن الواقع يكره البساطة. والسياسة الدولية ليست فيلمًا أمريكيًا ينتهي بانتصار البطل في الدقائق الأخيرة، بل شبكة معقدة من التوازنات التي تجعل كل انتصار محتملًا للهزيمة في الوقت نفسه.
ومن الناحية المنطقية، فإن أي استراتيجية تُبنى على افتراض أن الخصم سيتصرف كما نريد، هي استراتيجية محكوم عليها بالارتباك. فالخصوم لا يقرؤون النص نفسه، ولا يؤدون الأدوار التي نكتبها لهم.
لذلك ظل الكابوس الإيراني حاضرًا كظل طويل عند الغروب؛ كلما ظنّوا أنهم اقتربوا من نهايته، اكتشفوا أن الظل ازداد طولًا.
الكابوس الثالث: الأشباح التي لا تختفي
هناك خصوم يشبهون الجيوش النظامية، يمكن رؤيتهم على الخرائط. وهناك خصوم يشبهون الأشباح؛ لا يختفون تمامًا ولا يظهرون تمامًا.
ومن هذا النوع جاءت معضلة حزب الله.
ففي عالم السياسة الحديثة، لا يكفي احتلال الأرض كي تُعلن نهاية الخصم. فالأفكار لا تحتاج إلى حدود جغرافية كي تعيش. ولهذا ظلت المشكلة قائمة رغم تبدل الظروف وتغير الخرائط.
السخرية هنا أن القوة الضخمة كثيرًا ما تتصرف كما لو أنها تحمل مطرقة عملاقة، فتظن أن كل ما حولها مسمار. لكنها تكتشف لاحقًا أن بعض العقد لا تُحل بالطرق، بل بالفهم.
ومن الناحية النفسية، فإن الإصرار على تكرار الأسلوب نفسه مع انتظار نتائج مختلفة هو أحد أكثر مظاهر العناد السياسي شيوعًا. فحين يفشل النهج مرة، يُعاد تطبيقه بحماس أكبر، وكأن المشكلة كانت في الجرعة لا في الدواء.
وهكذا يستمر المشهد: بيانات، تهديدات، إنذارات، مؤتمرات، ثم عودة إلى نقطة البداية.
الكابوس الرابع: متاهة المفاوضات
المفاوضات في الشرق الأوسط تشبه أحيانًا قافلة تسير في الصحراء خلف سراب.
الجميع يتحدث عن الحلول، لكن الجميع يحمل شروطًا تجعل الحل مستحيلًا. وكل طرف يدخل القاعة وهو مقتنع بأنه سيخرج منتصرًا، فيخرج الجميع وهم أكثر تعبًا وأقل يقينًا.
وهنا يظهر البعد الفلسفي للمشهد.
فالسياسة ليست فن الوصول إلى الحقيقة، بل فن التعايش مع المصالح المتناقضة. ولذلك تتحول المفاوضات أحيانًا إلى مسرح طويل؛ يعرف الممثلون نهايته، لكنهم يستمرون في أداء الأدوار لأن الستار لم يُسدل بعد.
أما "الكرومبي" فيبدو كمن يحاول إطفاء حريق في غرفة بينما يشعل شمعة في غرفة أخرى. يركض من أزمة إلى أزمة، ومن تصريح إلى تصريح، حتى يصبح أسيرًا لما قاله بالأمس.
الكابوس الخامس: اقتصاد الجباية
حين تضيق السياسة، يخرج الاقتصاد من جيبه.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية: فالعالم الذي يتحدث صباحًا عن الحرية والتجارة المفتوحة، قد يستيقظ مساءً وهو يفتش في جيوب الآخرين.
فبعض السياسيين ينظرون إلى العالم كما ينظر التاجر إلى السوق. كل شيء قابل للحساب، وكل علاقة قابلة للتسعير، وكل تحالف يجب أن يدر أرباحًا.
لكن الأمم ليست دفاتر محاسبة، والبشر ليسوا أرقامًا في جدول أرباح وخسائر.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن الشعوب تنظر بعين الريبة إلى القائد الذي يتحدث بلغة الصفقات أكثر مما يتحدث بلغة المبادئ. فالتاجر الناجح قد يربح المال، لكنه لا يربح دائمًا الثقة.
ولهذا يتحول الاقتصاد أحيانًا إلى كابوس سياسي؛ لأن الناس قد تغفر الأخطاء، لكنها لا تنسى الشعور بالاستغلال.
الكابوس السادس: الخوف الذي يسكن الحلفاء
أقسى أنواع الخوف ليس خوف العدو، بل خوف الصديق.
حين يبدأ الحلفاء بالتساؤل: ماذا لو رحل الحامي؟ ماذا لو تغيرت الحسابات؟ ماذا لو أصبحت الوعود مجرد كلمات قديمة في أرشيف السياسة؟
عندها يتحول الاطمئنان إلى قلق صامت.
فالعلاقات الدولية، مهما بدت قوية، تقوم في النهاية على المصالح. والمصلحة بطبيعتها متقلبة؛ تبتسم اليوم، وتدير ظهرها غدًا.
ولهذا تبدو بعض الدول كمن يجلس في بيت محاط بالحراس، لكنه مع ذلك لا يستطيع النوم. فعدد الحراس لا يساوي دائمًا مقدار الأمان.
وهنا تبلغ السخرية ذروتها: فالدول التي أنفقت الثروات من أجل الطمأنينة، تجد نفسها تسأل السؤال نفسه الذي طرحته قبل عقود: هل نحن حقًا في مأمن؟
التحليل النفسي والاجتماعي للكوابيس
إذا تأملنا هذه الكوابيس كلها، سنجد أنها تعود إلى جذر واحد: الخوف من فقدان السيطرة.
فالإنسان حين يعتاد الإمساك بالمقود يصعب عليه الاعتراف بأن الطريق لم يعد كما كان. والسياسي حين يتعود على إصدار الأوامر يظن أن الواقع موظف لديه، بينما الواقع أكثر تمردًا من ذلك بكثير.
نفسيًا، يعاني أصحاب القوة المفرطة من وهم القدرة المطلقة. وحين يصطدم هذا الوهم بالحقائق، يبدأ التوتر، ثم القلق، ثم البحث عن شماعات يعلقون عليها الإخفاقات.
واجتماعيًا، فإن المجتمعات لم تعد تتلقى الروايات الرسمية بالطاعة القديمة نفسها. فالعالم المفتوح جعل الحقيقة ساحة مزدحمة بالروايات المتنافسة، ولم يعد ممكنًا احتكار السرد كما كان يحدث في الماضي.
أما منطقيًا، فإن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها حل المشكلات السياسية والثقافية والاجتماعية. فالمدفع قد يفرض الصمت، لكنه لا يخلق القناعة. والطائرة قد تغير شكل المدينة، لكنها لا تغير بالضرورة شكل الفكرة.
خاتمة: فقاعات فوق بحر مضطرب
في النهاية، تبدو هذه الكوابيس أشبه بأمواج متلاحقة فوق بحر لا يعرف السكون. يظن بعض الساسة أنهم يقودون العاصفة، ثم يكتشفون أنهم مجرد ركاب فيها.
النتن والكرومبي، في الصورة الساخرة التي يرسمها هذا المقال، ليسا بطلين أسطوريين ولا شياطين خارقين، بل شخصيتان تحاصرهما تناقضات السياسة وأوهام القوة ومخاوف المستقبل.
ولهذا فإن الضجيج الكبير الذي يملأ الشاشات قد لا يكون دائمًا علامة ثقة، بل ربما يكون أحيانًا محاولة لإخفاء صوت القلق.
أما التاريخ، ذلك القاضي الصامت، فإنه لا يصغي كثيرًا للخطب الرنانة. إنه ينظر فقط إلى النتائج.
وحين تنقشع سحب الدخان، وتخفت أصوات التهديد، وتُطوى صفحات التصريحات، يبقى سؤال واحد معلقًا في الهواء:
من كان يطارد من؟
هل كان الساسة يطاردون كوابيسهم، أم أن الكوابيس هي التي كانت تطاردهم؟
وربما كانت الإجابة، بكل بساطة، أن الخوف حين يكبر في رأس صاحبه، لا يحتاج إلى عدو حقيقي كي يعيش؛ فهو قادر على صناعة ألف عدو من دخان، وألف معركة من سراب، وألف كابوس لا ينتهي.
