قوة الأشياء
سيمون دي بوفوار بين ظاهراتية الوجود وحكمة الأشياء
تمهيد: حين تتكلم الأشياء
ليست الأشياء صامتة كما نظن. نحن الذين نعبر إلى جوارها مسرعين فلا نسمع همسها. فالكوب الموضوع على الطاولة، والنافذة المفتوحة على مساء شاحب، والطريق الذي نقطع عليه أعمارنا ذهاباً وإياباً؛ كلها تحمل معنى يتجاوز مادتها. الأشياء ليست ديكوراً للوجود، بل هي شركاؤه الخفيون.
وحين أرادت سيمون دي بوفوار أن تكتب كتابها الشهير «قوة الأشياء» لم تكن تريد أن تؤرخ لحياتها بقدر ما كانت تريد أن تصغي إلى ذلك الحوار الصامت بين الإنسان والعالم. كانت تبحث عن الدلالة المختبئة في التفاصيل اليومية، وعن المعنى الذي يتسلل من بين ثنيات الوقائع العادية، كما يتسلل الضوء من شقوق نافذة قديمة.
إن الحقيقة لا تهبط علينا من السماء مكتملة، ولا تولد في عزلة العقل الخالص. إنها تنمو في الاحتكاك الطويل بالأشياء، في الألفة التي تنشأ بين العين والعالم، وفي تلك الصحبة الصامتة التي تجعل الموجودات تكشف أسرارها شيئاً فشيئاً.
وقد قال المتصوفة إن الكون كله كتاب مفتوح، وإن الموجودات آيات مبثوثة في الجهات الأربع، وإن القلب إذا صفا صار قادراً على قراءة ما تعجز عنه الأبصار. وما الفلسفة الظاهراتية في بعض وجوهها إلا محاولة حديثة للاقتراب من هذه الحكمة القديمة: أن نرى الأشياء قبل أن نحاكمها، وأن نصغي إليها قبل أن نفسرها.
الفصل الأول : من الشيء إلى المعنى
كثير من الفلسفات وقعت في أحد خطأين كبيرين.
فالمادية اكتفت بما تراه العين، وظنت أن الحقيقة تقيم في السطح المرئي وحده، فحبست الإنسان داخل دائرة المحسوسات. أما المثالية فحلقت بعيداً في سماء المفاهيم المجردة، حتى كادت تفقد صلتها بالأرض التي تقف عليها الأقدام.
غير أن الفكر المعاصر حاول أن يشق طريقاً ثالثاً.
لم يعد السؤال: هل الحقيقة في المادة أم في الفكر؟ بل أصبح: كيف يظهر العالم لنا أصلاً؟ وكيف تنبثق المعاني من قلب التجربة الحية ؟
هنا بدأت الأشياء تستعيد مكانتها الفلسفية.
فالكرسي ليس مجرد خشب، والمدينة ليست مجرد أبنية، والوجه الإنساني ليس مجرد ملامح. كل شيء يحمل شبكة من الإشارات والذكريات والعلاقات. وما نراه ليس شيئاً منفصلاً عن وعينا، بل لقاء متجدداً بين الذات والعالم.
وكما كان ابن عربي يرى أن الموجودات مرايا تتجلى فيها حقائق الوجود، فإن الفينومينولوجيا الحديثة رأت أن الأشياء ليست كتلًا صماء، بل ظواهر تنكشف للوعي وتمنحه معناه.
إن الإنسان لا يسكن العالم فحسب؛ بل العالم أيضاً يسكن الإنسان.
الفصل الثاني : ثورة هوسرل: العودة إلى الأشياء ذاتها
حين ظهر إدموند هوسرل أحدث تحولاً عميقاً في مسار الفلسفة الأوروبية.
كان ديكارت قد جعل اليقين يبدأ من العبارة الشهيرة :
" أنا أفكر إذن أنا موجود. "
لكن هوسرل سأل سؤالاً مختلفاً :
من قال إن التفكير يمكن أن يوجد وحده ؟
إن الوعي ليس صندوقاً مغلقاً. الوعي دائماً وعي بشيء. لا يوجد تفكير بلا موضوع، ولا ذات بلا عالم.
ولهذا رفع شعاره الشهير :
" العودة إلى الأشياء ذاتها " .
لم يكن يقصد العودة إلى المادة الخام، بل العودة إلى التجربة المباشرة قبل أن تتدخل الأحكام الجاهزة والتفسيرات المسبقة.
فالطفل يرى العالم قبل أن يمتلك النظريات عنه، والعاشق يرى الوجه الذي يحبه قبل أن يحلله، والفنان يتلقى المشهد قبل أن يحوله إلى فكرة.
في تلك اللحظة الأولى، حيث يلتقي الوعي بالعالم، تنشأ الحقيقة.
وهكذا لم يعد الإنسان مركز الكون المنفصل عنه، بل أصبح عقدة حية في نسيج الوجود.
الفصل الثالث : سيمون دي بوفوار وسيرة المعنى
في كتابها «قوة الأشياء» لا تكتب سيمون دي بوفوار مذكرات بالمعنى التقليدي. إنها لا تروي حياتها لكي تمجد ذاتها، ولا تستعيد الماضي بوصفه معرضاً للذكريات. إنها تتعامل مع الأحداث كما يتعامل عالم الآثار مع الشظايا القديمة؛ تحاول أن تستخرج منها دلالتها العميقة.
الأحداث عندها ليست وقائع منتهية، بل كائنات حية تستمر في إنتاج معناها.
الحب، والصداقات، والأسفار، والمعارك الفكرية، والالتزامات السياسية؛ كلها تتحول إلى مختبر وجودي لاكتشاف الإنسان.
ولهذا يخرج الكتاب أقرب إلى رحلة تأمل منه إلى سيرة ذاتية.
إنه سجل لمحاولات متكررة لفهم العالم وفهم النفس في آن واحد.
وكانت دي بوفوار تدرك أن الحقيقة لا تقيم في الشعارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم دون أن ننتبه إليها.
فالوجود، في النهاية، ليس فكرة مجردة، بل هو مجموع اللحظات التي نحياها.
الفصل الرابع : الأدب بوصفه إقامة في الزمن
كانت دي بوفوار، مثل سارتر، تنظر بعين الريبة إلى فكرة الخلود الأدبي.
لم تكن تكتب للأجيال البعيدة. كانت تريد أن تخاطب أبناء عصرها، وأن تتنفس كتاباتها هواء اللحظة الراهنة.
فالكاتب، في نظرها، ليس كاهناً يحرس الأبدية، بل شاهد يعيش داخل زمنه.
ولهذا كانت ترى أن قيمة الكتابة لا تقاس بعدد القرون التي تبقى فيها، بل بقدرتها على لمس حياة البشر الذين يعيشون الآن.
وفي هذا المعنى تقترب من الحكمة الصوفية التي ترى أن الحقيقة كلها كامنة في " الوقت" . فالعارفون يقولون: " الوقت سيف " .
والكاتب الحقيقي هو من يلتقط نبض عصره قبل أن يذوب في مجرى الزمن.
الفصل الخامس : تشبع الأشياء وأسماؤها
كان جان بول سارتر معجباً بمحاولات بعض الكتاب الذين سعوا إلى الإنصات للأشياء.
فالشيء لا يصبح حاضراً تماماً إلا حين نسميه. الاسم ليس مجرد علامة لغوية؛ إنه لحظة اعتراف. حين نسمي شجرة، أو نهراً، أو وجهاً، فإننا نخرجه من الغموض إلى الظهور.
ولعل هذا ما جعل المتصوفة يولون الأسماء أهمية خاصة، لأن الاسم عندهم يكشف جانباً من الحقيقة.
فالعالم كله، في أحد وجوهه، طلب دائم للتعبير. الأشياء تريد أن تُرى. وتريد أن تُسمى. وتريد أن تجد من ينصت إليها.
ولهذا تصبح اللغة جسراً بين الإنسان والكون.
إنها ليست أداة لوصف العالم فقط، بل وسيلة لمشاركته في الوجود.
الفصل السادس : سيزان: الإصغاء الطويل إلى المرئي
في تجربة الرسام بول سيزان تتجلى هذه الفكرة بوضوح.
لقد حاول في بداياته أن يلتقط التعبير مباشرة، لكنه فشل.
ثم اكتشف أن التعبير لا يُنتزع من الأشياء انتزاعاً، بل يولد من داخلها.
كان يجلس ساعات طويلة أمام جبل أو شجرة أو تفاحة. ينظر. ثم ينظر مرة أخرى.،ثم يعيد النظر. حتى تتكشف الهيئة الداخلية للشيء. وحينها فقط يظهر التعبير.
لقد فهم سيزان أن المعنى ليس شيئاً مضافاً إلى الموجودات، بل هو الإشعاع الذي ينبثق منها حين نمنحها ما تستحق من انتباه.
وهذا هو الدرس الذي ستتبناه دي بوفوار أيضاً.
فالحدث الإنساني لا يكشف سره من النظرة الأولى. إنه يحتاج إلى معاشرة طويلة، وصبر، وتأمل.
الفصل السابع : بين سارتر ودي بوفوار: اختلاف طريقين
رغم عمق العلاقة التي جمعت بين سارتر ودي بوفوار، فإن كلاً منهما كان يسلك طريقاً مختلفاً نحو العالم.
كان سارتر أكثر ميلاً إلى التجريد الفكري وإلى تشريح البنى العميقة للوجود.
أما دي بوفوار فكانت أكثر التصاقاً بالحياة المعيشة. كانت تحب السفر. وتحب الصداقات. وتستمتع باختلاف الفصول. وتنصت إلى إيقاع الأيام.
كان العالم بالنسبة إليها تجربة ينبغي أن تُعاش قبل أن تُفهم.
ولهذا ظلت أقرب إلى التفاصيل، وأكثر حساسية تجاه الملموس واليومي.
لقد أدركت أن الإنسان لا يبلغ ذاته بالانسحاب من العالم، بل بالاندماج فيه.
الفصل الثامن : قوة الأشياء: حكمة الوجود المتجسد
تكشف «قوة الأشياء» في النهاية عن فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد :
أن المعنى لا يقيم خارج العالم.
إنه يولد من الاحتكاك الحي بين الإنسان وما يحيط به. فالذات لا تكتشف نفسها إلا عبر الأشياء. والأشياء لا تفصح عن حقيقتها إلا عبر الوعي الذي يلتفت إليها.
إنهما وجهان لحركة واحدة. ولهذا فإن الحكمة ليست الهروب من العالم، بل الإقامة فيه بوعي أشد.
أن ننظر إلى ما حولنا بعين جديدة.
أن نرى في المألوف ما يتجاوز المألوف.
أن نكتشف في أبسط الأشياء ما يجعل الحياة جديرة بالتأمل.
وهكذا تحولت سيمون دي بوفوار نفسها إلى واحدة من تلك الدلالات التي كانت تبحث عنها.
فقد التصقت بالعالم حتى أصبحت شاهدة عليه.
وأصغت إلى الأشياء حتى صارت كتابتها امتداداً لصوتها الخفي.
لقد فهمت أن الحقيقة لا تسكن في الأبراج النظرية العالية، ولا في ضجيج الشعارات، بل في ذلك اللقاء المتواضع والمتجدد بين الإنسان والعالم.
هناك، عند تخوم المرئي والمعنى، تبدأ قوة الأشياء.
مراجع وإحالات
1. سيمون دي بوفوار: قوة الأشياء (La Force des choses).
2. إدموند هوسرل: الأفكار الموجهة إلى فينومينولوجيا خالصة.
3. موريس ميرلوبونتي: فينومينولوجيا الإدراك.
4. جان بول سارتر: ما الأدب؟ والمواقف.
5. بول سيزان: رسائل وتأملات في الفن.
6. محيي الدين ابن عربي: الفتوحات المكية.
7. جلال الدين الرومي: المثنوي.
8. عبد الفتاح الديدي: مقالات في الفكر الوجودي والفلسفة المعاصرة.
