أربع وعشرون ساعة من الضحك الباكي
حين تتحول الحياة إلى مسرح كبير للسخرية في عالم منير عتبية
ليست السخرية ضحكًا خفيفًا يعبر الوجه ثم يذوب في الهواء، وليست مجرد نكتة تُقال لتزجية الوقت أو للتخفيف من وطأة الأيام الثقيلة. السخرية الحقيقية مرآة مشروخة تعكس العالم كما هو؛ مشهدًا مضحكًا في ظاهره، مفجعًا في أعماقه. إنها ذلك الضحك الذي يولد من رحم الألم، وتلك الابتسامة التي تخفي خلفها أسنانًا تطحن الغضب والخذلان.
في مجموعته القصصية «24 ساعة مسخرة» يفتح الكاتب المصري منير عتبية نافذة واسعة على هذا العالم المقلوب، حيث يبدو كل شيء طبيعيًا إلى درجة العبث، وكل شيء عبثيًا إلى درجة الاعتياد. هنا لا يقف القارئ أمام شخصيات منفصلة أو حكايات متجاورة، بل أمام لوحة إنسانية كبيرة تتشابك فيها الخيوط حتى يصعب التمييز بين الضحية والجلاد، وبين الساخر والمسخور منه، وبين من يمارس السلطة ومن يخضع لها.
العنوان بوابة العبث
منذ اللحظة الأولى يضعنا الكاتب أمام عنوان لا يطرق الباب برفق، بل يقتحمه اقتحامًا: «24 ساعة مسخرة».
أربع وعشرون ساعة فقط، لكنها ليست يومًا عابرًا في التقويم، بل دورة كاملة من العبث الإنساني. وكأن الكاتب يقول إن السخرية لم تعد حادثًا استثنائيًا يقطع مجرى الحياة، بل أصبحت هي الحياة نفسها. فالإنسان يستيقظ على مسخرة، ويقضي يومه داخل مسخرة، ثم ينام استعدادًا لمسخرة جديدة.
تحمل كلمة «مسخرة» في الوجدان الشعبي المصري طاقة دلالية كثيفة؛ فهي ليست مجرد وصف للضحك، بل حكم أخلاقي على واقع فقد اتزانه. إنها لحظة يكتشف فيها الإنسان أن ما كان ينبغي أن يكون جادًا تحول إلى مادة للهزل، وأن ما يفترض أن يكون عادلًا صار أداة للظلم، وأن ما يفترض أن يكون طريقًا للخلاص أصبح بابًا جديدًا للتيه.
العنوان هنا لا يصف القصص فقط، بل يصف العصر نفسه. إنه أشبه بلافتة معلقة على باب المجتمع: «مرحبًا بكم في السيرك».
غير أن السيرك في عالم منير عتبية لا يحتوي على مهرجين يرتدون أنوفًا حمراء، بل على سياسيين وخطباء ومثقفين ومتدينين ورجال سلطة ومواطنين بسطاء، يؤدون أدوارهم اليومية بجدية كاملة، بينما تبدو أفعالهم من الخارج أقرب إلى الكوميديا السوداء.
الضحك بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة
السخرية في هذه المجموعة ليست ترفًا فنيًا، بل موقفًا فلسفيًا.
فالإنسان حين يعجز عن تغيير الواقع مباشرة، يلجأ إلى فضحه. وحين يفشل في هدم القناع، يبدأ بالسخرية منه. الضحك هنا ليس استسلامًا، بل تمرد هادئ. إنه إعلان ضمني بأن العقل ما زال قادرًا على اكتشاف التناقضات المختبئة تحت طبقات الخطاب الرسمي والاجتماعي.
لهذا جاءت القصص مشبعة بالمفارقة.
المفارقة هي الروح الخفية للنصوص كلها. القارئ يعرف ما لا تعرفه الشخصية، ويرى ما تعجز هي عن رؤيته. وهكذا يتحول الجهل إلى مادة للضحك، لا لأن الجهل مضحك في ذاته، بل لأن آثاره المأساوية تظهر في صورة ساخرة.
إنها مفارقة الإنسان الذي يسير بثقة نحو الهاوية معتقدًا أنه يتجه إلى الخلاص.
ومفارقة المواطن الذي يدافع عن قيوده باعتبارها حريته.
ومفارقة الضحية التي تتبنى خطاب جلادها ثم تكرره بحماس يفوق حماس الجلاد نفسه.
هنا يصبح الضحك أقرب إلى البكاء، وتصبح الكوميديا شكلًا آخر من أشكال المأساة.
الشخصيات: بشر أم أقنعة اجتماعية؟
لا يهتم منير عتبية كثيرًا بتفاصيل الوجوه بقدر اهتمامه بما تمثله هذه الوجوه.
شخصياته ليست أفرادًا بقدر ما هي حالات اجتماعية.
الملقن، المرشح، الندواتي، المتحرش، الشيخ، الموظف، التابع، الرئيس... كلها شخصيات يمكن العثور عليها في كل شارع ومؤسسة ومقهى وقاعة اجتماعات.
إنهم لا يعيشون داخل النص فقط، بل يعيشون خارجه أيضًا.
ولهذا تبدو الشخصيات أشبه بأقنعة كبيرة ترتديها قوى اجتماعية وثقافية أعمق.
فالمرشح السياسي لا يمثل نفسه، بل يمثل وهم السلطة.
والواعظ لا يمثل ذاته، بل يمثل خطابًا جاهزًا يسبق وجوده.
والمثقف أحيانًا لا يتحدث باسمه، بل باسم مؤسسة تضع الكلمات في فمه قبل أن ينطق بها.
من الناحية النفسية تكشف هذه الشخصيات حالة اغتراب عميقة.
فكل شخصية تعيش انقسامًا داخليًا بين ما تريد أن تكونه وما يُفرض عليها أن تكونه.
إنها شخصيات مأزومة، لكنها نادرًا ما تعترف بأزمتها.
ولهذا تستمر في أداء دورها وكأنها ممثل نسي أنه فوق خشبة المسرح.
السلطة: الوحش الذي لا يظهر كاملًا
واحدة من أكثر الأفكار حضورًا في المجموعة أن السلطة لا تأتي دائمًا مرتدية زي الحاكم.
أحيانًا تأتي في هيئة معلم. وأحيانًا في هيئة واعظ. وأحيانًا في هيئة أب. وأحيانًا في هيئة فكرة.
هذا ما يجعل القراءة الثقافية للنصوص أكثر ثراءً.
فالسلطة ليست شخصًا محددًا يمكن الإشارة إليه بالأصبع، بل شبكة معقدة من العلاقات والخطابات والتصورات التي تتسلل إلى العقول وتعيد تشكيلها.
يبدو تأثير أفكار ميشيل فوكو واضحًا هنا؛ إذ لا تظهر السلطة بوصفها قوة قمعية مباشرة فقط، بل باعتبارها معرفة أيضًا.
فمن يمتلك تفسير العالم يمتلك القدرة على التحكم فيه. ومن يمتلك تعريف الحقيقة يمتلك حق توزيع الأدوار.
ولهذا تصبح المدرسة مصنعًا صغيرًا للسلطة. ويصبح المسجد أو الكنيسة مؤسسة لإنتاج المعنى.
ويصبح الإعلام آلة ضخمة لإعادة تدوير الأفكار. وتصبح اللغة نفسها وسيلة للهيمنة.
السخرية هنا لا تواجه الأشخاص، بل تواجه الخطابات التي تصنع الأشخاص.
سيكولوجيا الضحية
الجانب الأكثر إثارة للتأمل في هذه القصص أن الضحية ليست بريئة دائمًا.
فهي كثيرًا ما تشارك في صناعة القفص الذي تعيش داخله.
إنها تتبنى الأفكار التي تقمعها، وتدافع عن البنى التي تستغلها، وتهاجم كل محاولة لتحريرها.
من الناحية النفسية يمكن تفسير ذلك بما يشبه التكيف مع القهر.
فالإنسان حين يعجز طويلًا عن تغيير شروط حياته يبدأ في تبريرها.
ثم يتحول التبرير إلى قناعة. وتتحول القناعة إلى عقيدة.
وهكذا يصبح الاستبداد عادة يومية. ويصبح الخضوع فضيلة.
وتصبح الطاعة العمياء دليلًا على الحكمة.
هنا تبلغ السخرية ذروتها. فالمأساة لم تعد في وجود القيد، بل في حب القيد.
المجتمع بوصفه مسرحًا للملهاة الكبرى
تتجاوز المجموعة حدود النقد السياسي أو الاجتماعي المباشر لتقدم رؤية أشمل للوجود الإنساني.
فالعالم كله يبدو وكأنه مسرح هائل.
الجميع يمثلون. الجميع يتحدثون بنصوص محفوظة. الجميع يكررون الأدوار ذاتها جيلاً بعد جيل.
المرشح يعد. والناخب يصدق. ثم يكتشف الخديعة. ثم يعيد التجربة مرة أخرى.
الخطيب يعظ. والجمهور يصفق. ثم ينسى ما سمعه بعد دقائق.
المثقف يشرح. والناس لا يفهمون. ثم يتهمهم بالجهل.
فتستمر الحلقة في الدوران. إنها طاحونة ضخمة تطحن الوعي وتعيد إنتاج الوهم.
وكلما ظن الإنسان أنه خرج منها، اكتشف أنه انتقل فقط إلى دائرة أخرى داخلها.
«اكتب ملهاتك»: القارئ شريك في السخرية
تبلغ المجموعة ذروة ذكائها الفني في خاتمتها.
فبعد كل هذه القصص يضع الكاتب صفحة بيضاء بعنوان: «مساحة حرة».
ثم يكتب جملة قصيرة: «اكتب ملهاتك».
وكأن النص كله كان مقدمة لهذه اللحظة.
فالقارئ الذي ظل يضحك على الشخصيات يكتشف فجأة أنه واحد منها.
وأن القصص لم تكن تتحدث عن الآخرين فقط. بل عنه أيضًا.
إنها لحظة مواجهة نادرة. لحظة ينكسر فيها الحاجز بين الأدب والحياة.
بين القصة والواقع. بين الكاتب والقارئ.
فالملهاة لم تنته بعد. بل بدأت الآن.
الملهاة المأساوية: حين يتعانق الضحك والحزن
هكذا يجمع منير عتبية بين وجهين متناقضين ظاهريًا: الملهاة والمأساة.
نضحك لأن المواقف ساخرة.
ثم نتوقف عن الضحك لأننا ندرك حقيقتها.
نبتسم للمفارقة.
ثم نشعر بوخزها في أعماقنا.
إنها كتابة تشبه المرآة المقعرة؛ تضخم العيوب حتى تبدو مضحكة، لكنها في الوقت نفسه تجعلنا نراها بوضوح لم نعتده من قبل.
ولعل القيمة الكبرى لهذه المجموعة أنها لا تقدم حلولًا جاهزة، ولا تدعي امتلاك الحقيقة، بل تكتفي بإشعال الضوء في زوايا معتمة من الحياة اليومية.
فالسخرية هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإيقاظ الوعي.
إنها محاولة لتحرير الإنسان من الألفة القاتلة مع العبث.
ولإقناعه بأن ما اعتاد عليه ليس بالضرورة طبيعيًا.
وأن أكثر الأشياء إثارة للضحك قد تكون، في حقيقتها، أكثر الأشياء استحقاقًا للبكاء.
وهكذا تتحول «24 ساعة مسخرة» من مجموعة قصصية إلى تأمل فلسفي في الإنسان المعاصر؛ ذلك الكائن الذي يطارد الحرية وهو يحمل قيوده بيديه، ويبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الخطابات، ويضحك من الآخرين قبل أن يكتشف، في النهاية، أنه كان يضحك من صورته المنعكسة في المرآة. إنها رحلة داخل الملهاة الإنسانية الكبرى، حيث لا يوجد متفرجون حقيقيون، لأن الجميع، من دون استثناء، ممثلون فوق خشبة المسرح نفسها.
أربع وعشرون ساعة من الضحك الباكي حين تتحول الحياة إلى مسرح كبير للسخرية في عالم منير عتبية
الناشر :مدونة فكر أديب
-
