بين عداوة الظاهر وخصومة الباطن قراءة فلسفية نفسية اجتماعية في أعداء الإنسان وسُبل نجاته

بين عداوة الظاهر وخصومة الباطن قراءة فلسفية نفسية اجتماعية في أعداء الإنسان وسُبل نجاته
مقدمة منذ أن وطئت قدم الإنسان الأولى تراب الأرض، وهو يعيش في حالة صراع دائم؛ صراع لا ينقطع ما دامت الروح في الجسد، ولا يهدأ ما دام العقل يفكر، ولا يخبو ما دام القلب يخفق بين خوفٍ ورجاء. هذا الصراع ليس وليد لحظة عابرة، بل هو سِمة الوجود الإنساني ذاته، إذ يجد الإنسان نفسه محاطًا بأعداء ظاهرين وباطنين، بعضهم يتربص به من الخارج، وبعضهم يسكن أعماقه، يلبس لباسه، ويتكلم بلسانه، ويخدعه باسم مصلحته. وقد أدركت الأديان والفلسفات والحكماء عبر العصور هذه الحقيقة الكبرى، فصاغوها في صور شتى، لكن جوهرها واحد: الإنسان عدو نفسه قبل أن يكون له أعداء سواها. في المنظور الإيماني التربوي، تتجلى أعداء الإنسان في الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى، والدنيا، ويضاف إليهم في السياق الاجتماعي المعاصر: صديق السوء، والجهل، والإعلام الفاسد. هؤلاء جميعًا يشكلون شبكة معقدة من الضغوط النفسية والفكرية والاجتماعية، تحاصر الإنسان وتحاول اقتياده بعيدًا عن فطرته السليمة، وعن طريق الحق والخير.  أولًا: الشيطان – العدو الأزلي وصراع المعنى الشيطان هو العدو المعلن، الذي لم يخفِ عداوته منذ اللحظة الأولى، حين أبى السجود لآدم، فكان أول تمرّد، وأول كِبر، وأول انحراف عن أمر الله. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] من الناحية النفسية، يمثل الشيطان رمز الإغواء الخفي، فهو لا يجبر الإنسان على المعصية، بل يزيّنها، ويغلفها بالمنطق الكاذب، ويُلبسها ثوب الحرية أو المصلحة أو الضرورة. ومن الناحية الاجتماعية، يظهر أثر الشيطان في تفكيك القيم، وتبرير الشر، وتحويل القبح إلى أمرٍ مألوف. وقد عبّر الحكماء عن ذلك بقولهم: "ما أغوى الشيطان عبدًا إلا من باب كان العبد يحب دخوله." فالشيطان لا يخلق الرغبة، بل يستثمرها، ولا يصنع الضعف، بل يستغله.  ثانيًا: النفس الأمارة بالسوء – العدو المقيم في الداخل إذا كان الشيطان عدوًا خارجيًا، فإن النفس الأمارة بالسوء هي العدو الداخلي الأخطر. يقول الله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53] النفس الأمارة هي تلك التي تميل إلى اللذة العاجلة، وتضيق بالصبر، وتنفر من المجاهدة، وتبحث عن الأسهل لا عن الأقوم. ومن منظور علم النفس، يمكن النظر إليها بوصفها الجانب الغريزي غير المنضبط في الإنسان، الذي إن لم يُهذَّب بالعقل والقيم، قاده إلى الهلاك. وقد قال الإمام الغزالي: "النفس كالطفل، إن تهمله شبَّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم." فالنفس لا تُهزم بالقمع وحده، ولا تُروَّض بالإهمال، بل بالمجاهدة الحكيمة، والتدرج، وربطها بالمعنى الأعلى.  ثالثًا: الهوى – حين يصبح الميل صنمًا الهوى هو ميل النفس إذا انفصل عن ميزان العقل والشرع. وهو أخطر من الشيطان أحيانًا، لأن الشيطان قد يُستعاذ منه، أما الهوى فيُدافع عنه صاحبه. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23] فلسفيًا، الهوى هو تحوّل الرغبة إلى مرجعية، بحيث يصبح الحق ما أريده، والباطل ما أخالفه. وهذا ما نراه اليوم في كثير من الخطابات المعاصرة التي ترفع شعار "الحرية المطلقة"، بينما تُقصي القيم، وتُهمّش الضمير. وقال الشاعر: والنفسُ كالطفلِ إن تُهملهُ شبَّ على حبِّ الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطمِ فالهوى إن لم يُقاوَم، استعبد صاحبه، وجعله أسير شهواته، يظن نفسه حرًا وهو في أعمق درجات العبودية.  رابعًا: الدنيا – الفتنة حين تتحول الوسيلة إلى غاية الدنيا في ذاتها ليست عدوًا، بل هي ميدان ابتلاء، وموضع عمل. لكن العداوة تنشأ حين تتحول من وسيلة إلى غاية، ومن معبر إلى مستقر. قال النبي ﷺ: "الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون." ومن منظور اجتماعي، حين تُقدّس الدنيا، تصبح القيم عبئًا، والأخلاق ترفًا، والإنسان مجرد وسيلة للإنتاج أو الاستهلاك. وهنا يفقد الإنسان معناه، ويعيش اغترابًا داخليًا، رغم وفرة المال والوسائل. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الدنيا دار ممر لا دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع فيها نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها."  خامسًا: صديق السوء – العداوة المقنّعة بالمودة من أخطر الأعداء من يأتيك في صورة الصديق. فصديق السوء لا يفرض الشر، بل يطبّعه، ولا يدعو إلى الهلاك صراحة، بل يجرّ إليه خطوة خطوة. قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67] وفي علم الاجتماع، تلعب الجماعة دورًا حاسمًا في تشكيل السلوك، فالإنسان ابن بيئته، وأثر الرفقة قد يفوق أثر التربية أحيانًا.  سادسًا: الجهل – العدو الصامت الجهل ليس مجرد غياب للمعلومة، بل غياب للبصيرة. ولذلك قالوا: "الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه." فالجهل يُنتج التعصب، ويغذي التطرف، ويجعل الإنسان أداة في يد غيره، كما نرى في كثير من صور الإرهاب المعاصر، حيث يُستغل الجهل الديني والفكري لتبرير القتل والفوضى.  سابعًا: الإعلام الفاسد – صناعة الوعي المزيّف في العصر الحديث، أصبح الإعلام أحد أخطر أعداء الإنسان حين ينفصل عن القيم. فهو لا يكتفي بعرض الفساد، بل يبرره، ويجمّله، ويحوّله إلى نمط حياة. ومن الناحية النفسية، يؤثر الإعلام في اللاوعي الجمعي، ويعيد تشكيل الأولويات، حتى يصبح الشاذ مألوفًا، والمنكر مقبولًا.  الإرهاب المعاصر: ثمرة الأعداء المتحالفين ما يشهده العالم من إرهاب منفلِت لا دين له ولا أخلاق، هو نتاج تحالف هذه الأعداء جميعًا: جهلٌ يُلبس العنف لباس الدين، وهوى يتغذى على الحقد، ونفس مريضة تبحث عن وهم البطولة، وإعلام يضخم الصورة، ودنيا تُستباح فيها الدماء باسم المصالح. وقد أساء هذا الإرهاب إلى الإنسانية جمعاء، وإلى صورة الإسلام خاصة، وصرف العالم عن قضاياه الكبرى نحو دوامة من الخوف والعنف.  سُبل النجاة: معركة البناء لا الهدم النجاة لا تكون بالهروب من العالم، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل: • تزكية النفس بالعبادة والعمل الصالح. • مخالفة الهوى بضبط الرغبات لا إلغائها. • الزهد الواعي الذي يجعل الدنيا في اليد لا في القلب. • العلم الذي يحرر العقل من الجهل. • الصحبة الصالحة التي تعين على الطريق. • الاستعانة بالله، إذ لا نجاة بلا توفيق إلهي. •  خاتمة إن أعداء الإنسان ليسوا مجرد كيانات منفصلة، بل منظومة متداخلة، تبدأ من الداخل وتمتد إلى الخارج. ومعركة الإنسان الحقيقية ليست مع العالم، بل مع نفسه، فإذا انتصر فيها، سهل عليه ما بعدها. وكما قال الفيلسوف الرواقي: "من ملك نفسه، ملك العالم." وفي ميزان الإيمان: من عرف عدوه، وعرف ضعفه، ولجأ إلى ربه، فقد وضع قدمه على أول طريق النجاة، والفوز في الدنيا والآخرة. كتب إسلامية كلاسيكية • إحياء علوم الدين – الإمام الغزالي • تلبيس إبليس – ابن الجوزي • مدارج السالكين – ابن القيم • الداء والدواء – ابن القيم • صيد الخاطر – ابن الجوزي 📘 كتب معاصرة مبسطة • عداوة الشيطان للإنسان – سعيد بن علي القحطاني • النفس ومراتبها – عبد الرحمن حبنكة الميداني

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال