شهرةُ الحبيبة
تضحّيـةٌ على منـحني العمر
في شبرا خيت ، حيث تتلاشى الأزقة إلى همسات الأقدام وتتناثر الحكايات كحبّات تراب على رصيف الزمن، جلس زكريا وفاقٍ على كرسيه المعتاد في قهوة الفنانين. كان ستين عاماً، وشعره رمادياً كصفحات مسرحية قديمة، وعيناه تحملان مخزونَ ذاكرةٍ لا ينضب عن ليالي العرض وطرائف النقاد. لم يكن ثريّاً بالمال، لكنّه غنيٌّ بحكاياته، وبحبٍ قديم لم يغبْ عنه طيفه منذ ثلاثين سنة - حبٌ لأُخرى اسمها نهاد، تولّد عنها نص مسرحي لم يكتب بل عاشه في فمه قبل قلمه.
ذات مساء، وبين انكفاء الضوء على خشبة صغيرة، رأى زكريا فتاةً تمشي بين الرقصات كأنّها قدرٌ يسعى للظهور. كانت نهاد - أو اسمٌ أحيا في قلبه ذكرى نهاد القديمة - راقصةً شابة، عيناها تعكسان رغبةً في النجاة من فقرها، وصوتها هادئ كأنه وعد. التفت إلى مراد، صديقه الناقد: «انظر… إنها هي. لقد تجسدت روحي بعد ثلاثين عاماً .
وقفت ذاكرة زكريا كما يقف مشهدٌ عظيم في منتصف عرض: تذكّر بطلة كانت في نصّه، لم يجرؤ أن يدوّنه، بل تقاسمها بالكلام مع المقاهي والرفاق. رأى في الفتاة فرصةً ــ فرصةٌ لتجسيد حبه القديم، ولتسليم اسمها للجمهور. لكنّ اليد التي تقبض على الورق كانت يَدَ عجزٍ، ولم تكن الجيوب تسمع من الخيال شعراً.
جلس الثلاثة في القهوة. نهاد، بابتسامة خجولة، صرّحت بحيرتها: بين الأجرة القليلة للرقص وورقة عملٍ كاتبة براتب أعلى، هل تترك المسرح أم تبقى مُقاتلةً على حلم الشهرة؟ كانت تختصر وجودها في جملة: «المستقبل لا يقوم إلا بالشهرة، وأنا بلا ثمن أشتري به اسمي .
عندما نظرت إلى زكريا، رأى في عينيها مرآته: الشغف، الرغبة، والخوف. أجابها بصوتٍ لا يُعرف إن كان يقنعها أم يقنع نفسه: «ابقي. لكِ مستقبلٌ باهر». لكنّ كلماته كانت مثل بذرٍ ألقاه في ترابٍ يابس. فهو لم يملك ثمن الشهرة، سوى ما في صدره من حبٍّ وخيال.
في داخل زكريا، صار شجارٌ بين العقل والقلب. العقل قال بما بقي من وقار: «هكذا لا يليق بك أن ترهن حياتك على أمنيات فتاة». والقلب، ذاك القلب الذي كان ينام في مقهى الفنانين، أجاب: «لو لم أملك مالاً، فليس في يدي إلا العمر. وإذا طال العمر فلا بد من أن أدفع ثمناً يجعل اسمها يُنقش على لسان الناس». وهنا انبثق فكرٌ مظلم: أن الشهرة، مهما كانت جامدة، تذوب أمام حادثٍ مدوٍ؛ وأن اسمه، إن أُذيق الناس صدمةً، سيحمل معها اسمها إلى مداها.
مرّت ليالٍ يطوّيها زكريا كمن يطوي مسرحية قد انتهى منها العرض لكنه لا يريد مغادرة الخلفية. كان يقرأ الصحف، يحتفل بخط ابن مدينته، ويصيغ رسالة واحدة تخرج من بين أنامل العجز والحب: رسالةٌ ينهي بها حياته حتى تصبح نهادُ حصيلة كلام الناس. كتبها في صدرها صدقٌ متغلغل: «لن أكون في عداد الأحياء ساعة تتسلمون هذه الرقعة… إن حياتي عبء عليّ لأنني عجوز يائس… لقد أحببت فتاة حسناء… لا تُحاولوا عني البحث فقد لقيت حتفي
أرسلت الصحف الرسالة في صفحتها الأولى كبرقٍ يخترق سماء الصباح. وتبعها رسالةُ أخرى إلى نهاد، فيها أهمالٌ منطقياً ومبالغة قلبية: «أضحي بحياتي لتنتصبي. فإن كانت الشهرة تُقاس بسطور الجريدة، فاجعلي اسمي يُقرَن باسمك .
حينذاك، انقلبت الدنيا على ركبتيها. صارت نهاد قطعة خبزٍ في فم الجمهور؛ صار اسمها حديث المقاهي وصالونات الفن؛ وسجّلت صفحات الجرائد حماسةً غريبة صوب الفتاة التي أزهرت من دمٍ لم يسِف بعد. زاد الاهتمام، وزادت النداءات لصعودها إلى خشبة أوسع. لكن في الحقل، كان هناك رجلٌ ملفوفٌ كقطعة قماشٍ لا تسمح لنبضه بالظهور: زكريا كنتيجة لقراره، وقد ابتلع أقراصاً منوّمةً كُتبت عليها تراجيدياُ أملٍ واحد.
في قلب المأساة، يقفُ المشهد الداخلي للرجل كعرسٍ غامض: «هل أنا شهيد أم مهووس؟ هل هذا حب أم افتتان؟ هل الشهرة التي أخترعها ستشعر بها الفتاة وهي تبكي فوق شرفات المسرح؟» يتصاعد صدى تلك الأسئلة إلى صوتٍ ينزع من صدره آخر أحرفه. لكن القدر - بطرفٍ من عدله - وضع فلاحاً مارّاً، رأى ظلّ إنسانٍ مركوناً بين السنابل. جرّبه الفلاح بشيء من الإشفاق الحديث: «يا صاح! يا مُسافر…» ثم حمله إلى حيث الحياة تُعاد بلحظة طبية واهتمام إنساني بسيط.
استفاق زكريا على حفيفِ أنفاسٍ لا صلة له بالساحة التي ابتلعته. لَم تغب عنه فكرةُ التضحية، بل بقيت كأغنيةٍ مابعدها سكون، لكنه شعر بخجلٍ أكبر هذه المرّة. في عينه الثانية، لم يقدر أن يرى في نجوم شهرة نهاد ما كان يعتقد؛ فالشهرة ليست أمراً يبنى على فروةٍ من دمٍ، والشهرة التي تُسلقُ على جثة ليست سوى ظلٍ يزول مع شروق الحقيقة.
نهاد، وقد سُرّبت إليها رسائلُه وسمعت حديث الصحف، كانت تقف الآن أمام حيرة أخلاقية. هل تقبل اسمها ممزوجاً بذبيحة إنسان؟ هل تُقيم موطئ قدمها على أنقاض قلبٍ أحبها؟ جلست أمام المرآة، وفي عينيها بحرٌ من اسئلة: «لهذا دفعت ثمن الشهرة؟ أم أني صارت لي قدرةٌ على تغيير مصائر من يحبني؟» كان كلامها بلسماً يجرح: «إنّ الشهرة ليست نفيسة إن جاءت بلا ضمير .
المدينة نفسها صارت محكمة: النقاد يتسابقون بين من يرثي «تضحية الفنان الكبير» ومن يدين هذه المسرحية الحقيقية. أما زكريا فجلس في زاوية القهوة، رائعاً بين رفقائه. صار صوته أهدأ، وكلماته أقلّ قتامة، وعيناه أكثر شفافية. لوعة الحب لم تختفِ، لكنها تحولت إلى توبةٍ ناعمة: «أعطيتها شهرةً لوهلة… لكن لم أعطها حريتها. إن كانت حقيقتها أن تُصعد بعرقها لا بجيفةٍ، فليكن هذا ما أطيق .
النهاية ليست نهاية واحدة. نهاد وصلت إلى خشبةٍ كبيرة بعد أن قررت أن تُقاتل على اسمها بكرامة؛ الجمهور صفّق لها، لكنها كانت تعلم أنّ الصدى الذي أحاط بوصولها جزءٌ من طقوسنا القذرة التي تسمّي الترويج باسم الفن. أمّا زكريا، فابتسم وهو يعود إلى قهوته، مدركاً أنّه نجا بحياته لكنه خسر براءة أن يُحب حباً لا يريد تحييده. لم يمت ولم ينجُ من حبه. بقي على قيد أملٍ جديد: أن يُعلّم الفن ألا يُقتل في سبيل مجدٍ زائف.
في ليلة هادئة، جلس زكريا يكتب قصته التي لم يكتبها من قبل: هذه لم تعد مسرحيةً تُعرض لكي يُقنِع أحداً بحكمته، بل اعترافٌ، قطعةٌ أدبيةٌ تُرفع إلى نهاد وللشباب بعدهما: لتحبوا، لكن لا تجعلوا الحب سيفاً يقطع أواصر الحياة. عشّوا الفن ولا تسلّطوا عليه موتاً. فالشهرة حُلمٌ جميل طالما لا تأتي من دمٍ أو يأس .
وهكذا، بقيت القهوة شاهدةً: على عاشقٍ تقهقر إلى إنسانٍ، وعلى فتاةٍ صعدت لا بشهرةٍ جبروتية، بل بإرادةٍ صلبة، وعلى سؤالٍ باقٍ في صدر المدينة ــ أيّقيمةٌ أعظم: حياةٌ أم اسمٌ؟
