ذكريات العقد
كانت أيام الطفولة بالنسبة لي عالماً من البراءة الساذجة الممزوجة بفضول التجربة الأولى ، عالمٌ تتداخل فيه الرغبة في اللعب مع بزوغ الوعي الأخلاقي . كنت في تلك المرحلة طالبة في مقتبل العمر ، أعيش بين دفاتر المدرسة وأحلام المراهقة الأولى ، حين جاءتني في ظهيرة صيفية صديقة من زميلاتي الأعزاء تحمل ملامح السر في نظرت عينيها. كانت ترتجف وهي تضع في كفي شيئًا صغيرًا، ثم همست:
" أريد أن احتفظ عندك بهذا العقد ، أرجوك لا تخبري أحداً ، إنه يخص أختي الكبرى ، وأريد أن أغيظها قليلاً ."
تأملت العقد بعين الدهشة: لآلئ صغيرة بيضاء شفافة تصطف كحبات المطر على خيطٍ من الحرير الأصفر . بدت لي كأنها دموعُ قمرٍ حبيسة في علبة صغيرة . لم أملك نفسي من الإعجاب ، فرفعت العقد إلى عنقي ، ووقفت أمام المرآة أراقب انعكاسه على بشرتي السمراء ، كأنني أميرة في ليلة تنصيبها . سألتها بخفةٍ متصنعة:
" تظنينه يساوي كم ؟ " .
فأجابت بلامبالاة طفولية:
"لا يساوي أكتر من عشرة صاغ… بس أريد من أختي تتنغاظ شوية ، هي دايمًا تعاندني."
ضحكت وقلت لها:
" حسناً، سأخفيه عندي ، ولن يعرف أحد ."
وبالفعل خبأته في حقيبة ملابسي الخاصة ، لا أحد يجرؤ على أن يقترب منها . مرّت أيام وأنا أستعيد في ذهني تلك الحبات البيضاء اللامعة كل ليلة ، كأنها تناديني من الظل ، كأنها تغريني بارتدائه .
بعد أسبوعٍ ، التقيت صديقتي ، فسألتها عما حدث ، فقالت وهي تضحك:
" أختي قلبت البيت عليه على سافله، و لم تجدعقدها، قامت تعمل دوشة كبيرة ، وأنا مبسوطة جداً ."
ضحكت معها ، ولكن داخلي كان يضطرب ، شيءٌ غامض كان يهمس لي أني أعبث بما لا يخصني . ومع ذلك ، سكتُّ.
في الأسبوع التالي، وقفت أمام واجهة محل الصائغ أتأمل غويشة ذهبية على شكل سمكة صغيرة ، تلمع كأنها تحيا. كان ثمنها عشرين قرشاً ، وأنا لا أملك سوى عشرة . عندها زارتني فكرة خبيثة ، تسللت كظلٍّ خفيف:
" ولم لا ؟ أبيع العقد للعجوز الصائغ ، وأشتري الغويشة ، ثم أعيد لصديقتي ثمنه حين تتيسر الأحوال. ما الضرر في ذلك ؟"
لم أمهل ضميري وقتاً ليعترض ، فقد كان الإغراء أقوى. حملت العقد في كفي ، وذهبت إلى الصائغ ، رجلٌ خمسيني ، بعينين ضيقتين تشبهان ثقوب الميزان.
عرضت عليه العقد القديم ، فتمتم:
" لا اشتري الحاجات القديمة."
لكنني ألححت عليه ، توسلت ، حتى وافق على النظر فيه . أمسكه بعدسة مكبرة ، وتأمل اللآلئ طويلاً ، ثم رفع رأسه نحوي بنظرة غريبة ، وقال بنبرة ثقيلة:
"منين جبتي العقد ده يا شاطرة ؟ " .
تلعثمت :
" لقيته في الطريق ، كان واقع كده وأنا ماشية ."
لم تمضِ لحظات حتى تغير وجهه تماماً ، وأخرج من درج مكتبه أوراقاً مطبوعة ، أخذ يقارن شيئاً بشيء ، ثم قال بحزم :
" العقد ده بالضبط وصفتُه جات لنا من الحكومة ، ست إنجليزية سائحة فقدته من كام يوم ، وثمنه ألف خمسمائة جنيه . الحكومة أرسلت أوصافه لكل الصياغ.
ثم قال بنبرة قوية :
" تعرفي نعمل إيه ؟ نروح نسلمه للشرطة ، ونقسم المكافأة . بس هاتي حد كبير من أهلك."
تجمد الدم في عروقي. ألف وخمسمائة جنيه ؟! رقم بدا لي كالأسطورة . حاولت أن أبدو متماسكة ، فقلت له بحذر :
" إنت متأكد ؟ يعني مش ممكن يكون شبهه ؟"
فابتسم ضاحكا بثقة :
" متأكد ألف في الألف يا بنتي ."
خرجت من المحل وأنا لا أكاد أرى الطريق. كنت بين نارين: الاعتراف لصديقتي بالحقيقة ، أو الصمت والاستسلام للقدر الذي اخترعته بيدي . وفي المساء، اصطحب الصائغ وأبي إلى قسم الشرطة ، وسلم العقد ، وروى القصة كلها على لسانه . تلقيت أنا نظرات الشك من الجميع ، لكني تشبثت بكذبتي الصغيرة:
" لقيته في الطريق فعلاً!"
عاد العقد إلى صاحبته الإنجليزية التي شكرتنا ببرودٍ بريطاني ، ثم دفعت مكافأة قدرها خمسة وسبعون جنيهاً . أعطاني أبي عشرين جنيها فقط ، واحتفظ بالباقي قائلاً:
" أنتي لسه صغيرة، لا تعرفي كيف تصرف فلوس كتير."
عشرون جنيهاً ! كانت بالنسبة لي كنزاً لم تحلم به طفلة مراهقة . أول ما فعلته أن دعوت صديقتي ، ورويت لها الحكاية بتفاصيلها المثيرة ، فضحكت من الدهشة والفرح ، واتفقنا أن نقتسم المبلغ. خرجنا في اليوم التالي ننتقل من متجر إلى آخر ، نشتري الفساتين الملونة ، والأقراط المزيفة التي تشبه الماس ، ودفاتر جديدة تفوح منها رائحة الورق النقي . كنا نحلق في عالمنا الصغير ، غافلتين عن ظل الخطأ الذي يلاحقنا.
في المساء، عدت إلى غرفتي وأخرجت ما تبقى من النقود، ووضعتها على الطاولة، ثم جلست أمام المرآة أتأمل وجهي. بدا لي غريباً عني. لم أكن تلك الطفلة البريئة التي تخبئ الأسرار من باب اللهو ، بل شخص آخر ، اكتشف لأول مرة طعم الذنب ، ذاك المذاق الممزوج بالحلاوة المرة.
في داخلي صوتٌ خافت يقول:
" لقد خنتِ الأمانة ، وإن حاولتِ الإصلاح في النهاية ، فالعقد كان زائفاً في يديكِ منذ البداية ."
ابتسمتُ بمرارةو كآبة ، وتذكرت أن اللآلئ الصغيرة كانت لامعة لكنها ليست من نور، وأن البراءة حين تُلطخ بالكذب لا تعود كما كانت أبداً.
هكذا انتهت حكاية " العقد الزائف "، لكنها لم تغادرني قط . بقيت تذكّرني بأن الخطيئة الأولى ليست في السرقة وحدها ، بل في لحظة التبرير التي تسبقها ، حين يزيّن لنا الخيال وجه الخطأ ، ويجعله يبدو كالحلم . ومنذ ذلك اليوم ، كلما رأيت لؤلؤة صغيرة في عنق امرأة ، شعرت بوخزةٍ ضمير خفية في قلبي ، كأنها تعيد إليّ صورة تلك الفتاة التي باعت البراءة بثمنٍ من الغواية ، ولم تكتشف زيف العقد إلا بعد أن انكسرت مرآتها الداخلية إلى الأبد.
