مرايا الروح تزوّج ظلَّ حبيبته
لم يكن نبيل عصمت يعلم، وهو يعبر عامه الأول بعد الزواج، أن حياته تسير على حافة سرٍّ كثيف، يتربّص به في الظلال، ينتظر لحظة الانقضاض. كان يظن أنّ الاستقرار هو أن تتشابه الأيام، وأن الهدوء علامة الرضا، وأن الصمت المشترك بين الزوجين دليل انسجامٍ عميق. لم يكن يعرف أنّ الصمت قد يكون مقبرةً للأسرار، وأن التشابه قد يخفي اختلافًا مرعبًا، وأن المرايا أحيانًا لا تعكس الحقيقة بل تموّهها.
في بيته الصغير، كانت الجدران تشهد على حوارٍ صامت بين قلبين لا يلتقيان. زوجته، التي ظنّها فايزة، كانت تتحرك بخفّة ظلّ، وتتكلم بحذر من يخشى أن ينكشف. كان يراقب عينيها في الليالي الطويلة، فيرى فيهما بُعدًا غريبًا، كأنهما تنظران إلى عالمٍ آخر لا يراه. كان يسأل نفسه كثيرًا:
— لماذا تبدو لي قريبة وبعيدة في آن واحد؟ لماذا أشعر أنني أعيش مع امرأة تحمل سرًّا أكبر من قدرتي على الفهم؟
لم يكن يعلم أنّ تلك المرأة ليست فايزة، بل فوزية، توأمها، ظلّها، نصفها الآخر، والضحية الصامتة لقدرٍ عبثي.
البدايات: حين يولد التشابه
كانت فوزية وفايزة توأمتين جميلتين، وهبهما الله جمالًا يربك الأبصار، وتشابهًا يكاد يوقع حتى أقرب الناس في الحيرة. كان والدهما، مرسي عبد العال، رجلًا تقليديًا، يرى في الجمال رأس مال اجتماعي، وفي الزواج المبكر صونًا للسمعة وضمانًا للمستقبل.
كان يتباهى بهما في المجالس، ويقول بفخر:
دول بناتي… اللي يشوفهم ما يفرقش بينهم.
لكن خلف هذا الفخر، كانت تنمو مأساة صامتة.
تقدّم أمين سالم، شاب مستقيم، إلى فايزة طالبًا يدها. لم يكن وسيمًا، لكنه كان مستقرًا، يحمل وظيفة محترمة، وقلبًا بسيطًا يظن أن الحب يولد بعد الزواج. وافق الأب بلا تردد، وأقيمت خطبة صغيرة في بيت العائلة. ارتفعت الضحكات، وزُيّنت الجدران بالزينة الورقية، وتبادل الجميع التهاني.
الجميع… إلا فايزة.
كانت تجلس في ركن بعيد، تبتسم ابتسامة باهتة، بينما قلبها يصرخ في الداخل. كانت تحب رجلًا آخر: سليمان، شابًا من السويس، جمعهما القدر في زيارة عائلية، فتلاقحت الأرواح قبل الكلمات. كان حبًّا عميقًا، ناضجًا، أشبه بنداء داخلي لا يُقاوم.
قالت لنفسها وهي تراقب أمين يبتسم لها:
كيف يمكن لقلبي أن يُجبر على النبض باسم غير الذي اختاره؟
ومنذ تلك اللحظة، بدأت المأساة.
خيوط الخطة: مقاومة القدر
راودت فايزة فكرة الهروب، لكن الخوف كبّل خطواتها. حاولت أن تنفّر أمين، فقست عليه، تجهّمت في حضوره، قابلت لطفه بالبرود. لكنه، ببساطته، ظنّ ذلك خجلًا، فزاد تمسكه.
بعثت برسالة عاجلة إلى سليمان في السويس. حضر في اليوم التالي، واستمع إلى قصتها وقلبه يتشقق. بحثا عن حل، عن ثغرة في جدار القدر، لكن كل الأبواب كانت مغلقة.
أخيرًا، لجأت إلى توأمها فوزية. بكت في حضنها، واعترفت بكل شيء. صُدمت فوزية، لكنها لم تتردد في احتضان أختها، كأنها تحتضن نفسها.
قالت لها:
إحنا واحد يا فايزة… وجعك هو وجعي.
وفكرت طويلًا. كانت تعلم أن مواجهة الأب تعني حربًا خاسرة، وأن الزواج قادم لا محالة. وعندما اقترحت فايزة مصارحة الأم، ترددت فوزية، لكن قلبها غلب عقلها.
حدثت المواجهة. بكت الأم، حاولت إقناع الأب، دارت مفاوضات طويلة، لكن الأب ظلّ صلبًا كجدار قديم، يرى الحب خرافة، والاختيار ترفًا لا يملكه الفقراء.
قال كلمته الأخيرة:
الجواز هيتم… واللي يحصل يحصل.
الانقلاب: حين يتزوّج الظل
في صباح يوم الزواج، كان البيت يعجّ بالحركة. النساء يزغردن، الرجال يضحكون، والقلوب تتسابق نحو ليلة يُفترض أن تكون أسعد الليالي.
لكن فايزة تسللت بهدوء، خرجت إلى أقرب مأذون، وهناك عقدت قرانها على سليمان. عادت به إلى البيت، وقدّمت له والدها قائلة:
ده جوزي.
كادت الصدمة تقتل الأب.
هنا تدخلت الأم، واقترحت الحلّ الشيطاني: أن تحلّ فوزية محل أختها. ترددت فوزية طويلًا. كان القرار أشبه بالانتحار البطيء، لكنها وافقت. وافقت لأن أختها هي نصف روحها، ولأن الفضيحة كانت ستدمّر الجميع.
وفي المساء، كانت فوزية هي العروس.
زواج بلا قلب
انتقلت فوزية إلى بيت الزوجية، تحمل اسم فايزة، وتدفن اسمها الحقيقي في أعماقها. كانت تمثّل دورًا ثقيلًا، كأنها تعيش حياة ليست لها. كل صباح تستيقظ وتسأل نفسها:
— من أنا اليوم؟ فايزة أم فوزية؟ الزوجة أم الضحية؟
كان أمين يشعر بغربة غامضة. لم يفهم لماذا لم تقترب زوجته منه روحيًا، لماذا ظلّ بينهما جدار زجاجي، يرى من خلاله شكلها دون أن يلمس روحها. حاول، صبر، اجتهد، لكن قلبها كان في مكان آخر.
مرت الأيام، ثم الشهور، ثم عام ونصف.
وفي إحدى الليالي، تفجّر الصراع. تراكمت الخيبات، وانفجرت فوزية صارخة:
— أنا مش فايزة! أنا فوزية! ومش بحبك، ولا كنت عايزة أتجوزك!
ساد الصمت لحظة، ثم تحوّل إلى إعصار.
الحقيقة: سقوط الأقنعة
خرج أمين هائمًا، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه. توجه إلى بيت الحمو، طالبًا الحقيقة. لم يعد هناك مجال للكذب. اعترف الأب بكل شيء.
لم يصرخ أمين. لم يبكِ. فقط ساد الصمت. صمتٌ أثقل من الضجيج. ثم خرج، وتوجّه إلى النيابة، واتهم الأب بالتزوير في أوراق رسمية.
وفي تلك الليلة، جلس نبيل عصمت — الراوي والشاهد الخفي — أمام مرآته، يتأمل معنى الهوية، ومعنى الحب، ومعنى أن تعيش حياة ليست لك.
قال في داخله:
كم من الناس تزوّجوا أوهامًا؟ كم من القلوب عاشت في أجساد ليست لها؟ كم من المرايا تخدعنا بابتسامة لا تشبه الحقيقة؟
الغوص في العقل: فوزية
كانت فوزية تجلس وحدها في غرفة مظلمة. لأول مرة تنطق اسمها الحقيقي دون خوف. شعرت أنها تستعيد قطعة مفقودة من روحها. لكنها كانت تعلم أن الثمن سيكون فادحًا.
همست لنفسها:
ضحّيت بنفسي من أجل أختي… فهل كان ذلك حبًا أم هروبًا؟ هل أنقذتها أم سجنت نفسي؟
كانت ترى وجه أمين أمامها، ذلك الرجل البسيط الذي لم يرتكب ذنبًا سوى أنه أحب بصدق. وشعرت بثقل الذنب يسحق صدرها.
الحب والقدر
الحكاية لم تكن مجرد قصة توأمين وزواج وخداع. كانت سؤالًا وجوديًا عميقًا:
هل الحب حقٌّ طبيعي، أم ترف اجتماعي؟ هل نملك حرية الاختيار، أم أننا أسرى منظومة أكبر منّا؟ وهل التضحية فضيلة مطلقة، أم جريمة حين تسحق الذات؟
في هذه القصة، لم يكن هناك منتصر. الجميع خسر:
فايزة عاشت حبها على أنقاض أختها.
فوزية دفنت ذاتها حيّة.
أمين تحطّم قلبه وكرامته.
والأب خسر بناته وثقة الناس.
ظلّ السؤال معلّقًا في الهواء: هل كان يمكن أن تسير الأمور بشكل مختلف؟
ربما لو آمن الأب بالحب. ربما لو امتلكت فايزة شجاعة المواجهة منذ البداية.
ربما لو رفضت فوزية التضحية بنفسها.
لكن الحياة لا تُكتب بـ«لو . الحياة تُكتب بالندم، وبالاختيارات الخاطئة، وبالقلوب التي تدفع ثمن صمتها.
وفي النهاية، لم يكن الاكتشاف أن الرجل تزوّج توأم خطيبته هو الصدمة الكبرى…
بل أن الجميع تزوّجوا أكاذيبهم، وعاشوا أسرى خوفهم.
وهكذا، أُغلقت الستارة على مأساة إنسانية عميقة، لا بطل فيها، ولا شرير، بل بشر ضائعون، يبحثون عن الحب في متاهة القدر.
