الأوّل جلال البداية في اسم الله الأوّل وأثره في بناء الإنسان

الأوّل جلال البداية في اسم الله الأوّل وأثره في بناء الإنسان
تمهيد ليست كلمة «الأوّل» في التصور الإسلامي لفظًا يدل على سبقٍ زمني فحسب، ولا وصفًا عابرًا من أوصاف الكمال، بل هي نافذة عقدية وروحية يطل منها الإنسان على معنى الوجود كله. وحين يتأمل المؤمن هذا الاسم، يشعر أن وراء كل بداية بداية، ووراء كل سبب مسببًا، ووراء كل حادث محدثًا، حتى ينتهي القلب إلى الحقيقة الكبرى: أن الله سبحانه هو الأوّل الذي ليس قبله شيء، وأن كل ما عداه حادث مخلوق، قائم بإيجاده وإمداده. ومن هنا لا يعود اسم الأوّل مجرد مسألة نظرية في علم العقيدة، بل يتحول إلى معنى حيّ يسري في النفس والسلوك والعلاقات والاختيارات. فمن عرف الأول سبحانه، هان عليه ما سواه، ومن استقر في قلبه أن الله سابق لكل شيء، لم يجعل الأشياء أكبر من حقيقتها، ولم يعلّق قلبه بالأسباب تعلقًا يطمس عنه مسبب الأسباب. يوقظ هذا الاسم في النفس سؤالًا عميقًا: من كان أولًا قبل أن تبدأ حكاياتي؟ ومن الذي أوجدني حين لم أكن شيئًا؟ وإلى من تعود كل نعمة، وكل قدرة، وكل طريق؟ وحين يهدأ القلب عند هذا السؤال، تتحول المعرفة من معلومة إلى حضور، ومن فكرة إلى عبادة. وقد جاء القرآن الكريم بأوضح بيان لهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الحديد: 3 فالآية تجمع أطراف الوجود في أربعة ألفاظ عظيمة: الأول والآخر والظاهر والباطن؛ أزل بلا ابتداء، وبقاء بلا انتهاء، وعلو ظاهر، وإحاطة باطنة، وعلم لا يغيب عنه شيء. أولًا: المعنى العقدي لاسم الله الأوّل الأوّل في اللغة من مادة تدور حول معنى التقدم والسبق والابتداء. يقال: هذا أول الشيء، أي مقدمه وسابقه، ويقال: فلان أول القوم، إذا تقدمهم. غير أن وصف الله سبحانه بأنه الأوّل لا يشبه أوّلية المخلوقات؛ لأن أوّلية المخلوق محدودة، تسبقها أشياء في الغالب، ويلحقها ما بعدها، أما أولية الله تعالى فمطلقة، لا يسبقه فيها موجود. ولهذا قال النبي ﷺ في الدعاء الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» رواه مسلم وهذا الحديث يضع المعنى في عبارة لا تحتمل الالتباس: لا شيء قبل الله، ولا شيء بعده على جهة البقاء الأزلي الأبدي. وكل ما سوى الله داخل في دائرة الحدوث والفناء، سواء كان ملكًا أو بشرًا، أرضًا أو سماء، قوة أو حضارة، علمًا أو مالًا، لذة أو ألمًا. ويؤكد القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الزمر: 62، وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فاطر: 3 فالأوّل سبحانه هو الذي له الأولية المطلقة، وهو الذي لا يستمد وجوده من غيره، ولا يحتاج في بقائه إلى شيء. أما المخلوق فوجوده عارية، ونعمته عطية، وقوته محدودة، وأجله مكتوب. ولهذا كان من تمام التوحيد أن يعلم الإنسان أن الأسباب، مهما عظمت، ليست مستقلة عن الله. فالطبيب سبب للشفاء، والدواء سبب للعلاج، والعمل سبب للرزق، والعلم سبب للتقدم؛ لكن الأسباب نفسها مخلوقة، وقوانينها مخلوقة، وآثارها لا تقع إلا بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ آل عمران: 126 وهذا لا يعني إلغاء الأسباب، بل يعني تحرير القلب من عبودية الأسباب. ثانيًا: الأوّل بين التنزيه والتعريف من القواعد الكبرى في باب أسماء الله وصفاته أن المسلم يثبت ما أثبته الله لنفسه، من غير تشبيه ولا تمثيل، مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه. فقولنا إن الله هو الأوّل لا يعني أننا نتخيله في صورة شيء بدأ قبل الأشياء، ثم نتصور له لحظة زمنية سبقت لحظات العالم؛ لأن الزمن نفسه من جملة المخلوقات. ومن هنا يكون الحديث عن أولية الله أعمق من مجرد المقارنة الزمنية بين موجودين. فالله سبحانه هو خالق الزمان والمكان وما فيهما، وليس وجوده محكومًا بمقاييس المخلوقين. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: 11 ولهذا كان أهل العلم يربطون اسم الأوّل باسم الآخر؛ لأن من كان بلا ابتداء هو وحده الذي يستحق أن يوصف بأنه الباقي بلا انتهاء. قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: 88 إن الإنسان يعيش في عالم البدايات والنهايات: يولد بعد أن لم يكن، ويتعلم بعد جهل، ويحب بعد فراغ، ويكبر بعد طفولة، ثم يشيخ ويفارق. أما الله سبحانه فلا يلحقه هذا التغير؛ ولذلك كانت معرفة الأوّل علاجًا لوهم الإنسان الذي يتوهم لنفسه ثباتًا لا يملكه. ثالثًا: الأوّل ومعنى الافتقار حين يعرف الإنسان أن الله هو الأوّل، يعرف في الوقت نفسه أنه هو المفتقر. وهذه النقلة من المعرفة العقلية إلى المعرفة الوجدانية من أجمل ثمار التوحيد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر: 15 ليس الفقر هنا فقر المال فقط؛ فقد يكون المرء غنيًا في الحساب، فقيرًا في الروح. وقد تكون له شهرة واسعة، وقلبه وحيد. وقد يمتلك وسائل القوة كلها، ويعجز عن دفع مرض طارئ أو منع موت عزيز. إن اسم الأوّل يعيد ترتيب الشعور الداخلي: قبل الوظيفة كان الله، وقبل الأسرة كان الله، وقبل نجاح الإنسان ومكانته الاجتماعية كان الله. وإذا فقد المرء عمله، لم يفقد ربه؛ وإذا خسر صفقة، لم يخسر باب الرحمة؛ وإذا أغلقت في وجهه الأبواب، بقي الباب الذي لا يغلق. ولهذا قال بعض أهل التربية الإيمانية إن التعلق بالله يحرر الإنسان من التعلق المرضي بالمخلوق؛ لأن القلب إذا عرف الأصل، لم يتشبث بالفروع تشبثًا يورث الذل. رابعًا: الأوّل وبناء الشخصية النفسية للاسم أثر عميق في التوازن النفسي. فالإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط المقارنات: من سبقني؟ من وصل قبلي؟ لماذا لم أكن الأول في الدراسة؟ لماذا لم أحصل على الوظيفة الأولى؟ لماذا يتقدم غيري وأتأخر؟ وهنا يأتي اسم الله الأوّل ليعيد تعريف معنى الأولوية. فأن تكون الأول عند الله أرفع من أن تكون الأول في أعين الناس. قد لا يكون الإنسان الأشهر، ولا الأغنى، ولا الأكثر حضورًا في المشهد الاجتماعي، لكنه قد يكون عند الله صادقًا، نافعًا، متواضعًا، خفيَّ العمل. وقد يكون رجل بسيط في قرية بعيدة، لا يعرفه الناس، لكنه يداوي قلبًا، ويعين فقيرًا، ويصلي الفجر في جماعة، فيكون في ميزان الله أعظم من صاحب صخب وشهرة. وهذه الفكرة تحمي النفس من مرض المقارنة، ومن القلق الناتج عن سباق لا ينتهي. فالإنسان حين يجعل القيمة مرتبطة دائمًا بسبق الآخرين له، يعيش في خصومة دائمة مع نفسه. أما إذا جعل غايته رضا الله والمسارعة إلى الخير، تحولت المنافسة من صراع اجتماعي إلى نمو أخلاقي. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ المطففين: 26 وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ البقرة: 148 إن الإسلام لا يلغي معنى السبق، ولكنه ينقل السباق من جمع الامتيازات إلى جمع الخيرات. خامسًا: الأوّل ومفهوم المبادرة في الحياة من آثار التعبد باسم الله الأوّل أن يتعلم المسلم فضيلة المبادرة. فالمؤمن لا يؤجل الخير ما دام قادرًا عليه، ولا ينتظر دائمًا أن يبدأ الآخرون. إذا رأى محتاجًا بادر، وإذا علم بخطئه بادر إلى الاعتذار، وإذا أخطأ في حق إنسان بادر إلى الإصلاح، وإذا سمع نداء الصلاة بادر إلى المسجد، وإذا علم علمًا نافعًا بادر إلى نشره. وقد مدح الله قومًا بهذه الروح فقال: ﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ المؤمنون: 61 وفي الحديث الشريف: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري. فالمبادرة ليست مجرد سرعة حركة، بل سرعة قلب إلى الطاعة. ومن أجمل صور ذلك المحافظة على الصلاة في أول وقتها. وقد سئل النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ فقال: «الصلاة على وقتها» متفق عليه . فالعبد الذي يحترم الوقت احترامًا للعبادة، يتعلم أن لكل نعمة موسمًا، ولكل باب لحظة، وأن تأجيل الخير قد يطفئ حماسه في القلب. سادسًا: الصف الأول بوصفه صورة تربوية تتجلى قيمة السبق في السنة النبوية في الحديث عن الصف الأول. قال النبي ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» متفق عليه وفي هذا الحديث معنى اجتماعي بالغ الأهمية: أن الفضيلة ليست مجالًا للكسل. فالإنسان الذي اعتاد أن يكون آخر الواصلين، وآخر المبادرين، وآخر المصلحين، قد تتحول العادة عنده إلى شخصية. أما الذي يدرب نفسه على التقدم في مواطن الخير، فإنه يبني في داخله شخصية أكثر انضباطًا وثقة ومسؤولية. وليس المقصود أن يتنافس الناس على المكان والشهرة، بل أن يتنافسوا على حسن القصد وحسن العمل. وقد يكون الصف الأول في المسجد رمزًا أوسع: أن يكون الإنسان في الصف الأول من خدمة المجتمع، وفي مقدمة المعينين للضعفاء، وفي أوائل من يصلحون إذا فسد شيء، وفي أوائل من يحملون همَّ الأسرة والوطن والعلم. سابعًا: الأوّل والبعد الاجتماعي من أخطر آثار الجهل بمعنى الأوّل أن يتحول الناس إلى عباد للمكانة. فكل واحد يريد أن يكون المتقدم، والمسموع، والمذكور، والمكرَّم. وإذا لم ينل الإنسان هذه المكانة، تولد في نفسه الغيرة والحسد والشعور بالنقص. أما إذا فهم أن الأولية الحقيقية عند الله مرتبطة بالتقوى والعمل الصالح، تغيرت علاقته بالآخرين. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13 وهنا يصبح النجاح الشخصي جزءًا من الخير العام. فالعالم المتقدم لا يحتكر علمه، والطبيب الناجح لا يحقر مريضه، والغني لا يرى الفقير أقل قيمة، والقوي لا يزدري الضعيف. بل إن من يعرف الله الأول يدرك أن الناس جميعًا مخلوقون تحت سلطان واحد، وأن اختلاف الأدوار لا يعني اختلاف الكرامة الإنسانية. وفي السيرة النبوية شواهد كثيرة على هذا التواضع الاجتماعي؛ فقد كان النبي ﷺ يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويخدم أهله، ويخالط أصحابه، مع أنه أفضل الخلق منزلة. وهكذا تصبح الأولية الإيمانية تربية على التواضع لا على الاستعلاء. ثامنًا: الأوّل والبعد الصوفي في الأدب الصوفي، لا يكتفي القلب بأن يعرف الحقيقة، بل يسعى إلى تذوق آثارها. وعندما يتأمل السالك في اسم الأوّل، يعود به الاسم إلى أصل الطريق: أول الطريق هو الله. فالمرء قد يبدأ بطلب المال، ثم يكتشف أن المال لا يشبع الروح. وقد يبدأ بطلب شهرة، ثم يعرف أن التصفيق ينتهي. وقد يبدأ بطلب الناس، ثم يتعلم أن قلوب الناس متقلبة؛ فيرجع من كل ذلك إلى الله. وهذه العودة هي واحدة من أعمق معاني السلوك. قال ابن القيم في الحديث عن أسماء الله الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن، إن معرفتها من أجلِّ أبواب العلم والمعرفة بالله؛ إذ أولية الله تسبق أولية كل ما سواه، وآخريته بعد آخرية كل شيء. وليس المقصود في هذا الباب الهروب من الدنيا، وإنما إعادة ترتيبها. فالسالك الحقيقي لا يترك الأسباب، لكنه لا يجعلها غايته. ولا يكره الناس، لكنه لا يجعلهم آلهة صغيرة في قلبه. يعمل في السوق، وقلبه مع الله. ويجلس في البيت، ويستحضر النعمة. ويمشي في الطريق، ويرى آثار الخالق في الخلق. كأن الاسم يقول له في صمت: لا تجعل البداية في غير موضعها؛ ابدأ بالله، يهدأ منك اضطراب الطريق. تاسعًا: الأوّل وصناعة المعنى في الأزمات عندما تقع الأزمات، يبحث الإنسان عن معنى. وقد تكون هذه الأزمات فقدَ قريب، أو فشل مشروع، أو مرضًا، أو طلاقًا، أو بطالة، أو خيبة في شخص كان يظنه سندًا دائمًا. هنا تظهر قوة العقيدة في تضميد النفس. من عرف أن الله هو الأوّل، يعلم أن الله كان قبل المحنة، وهو معها، وسيبقى بعد انقضائها. والمحنة، على شدتها، ليست بداية الكون ولا نهاية الحياة. إنها فصل في قصة أطول. قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ الشرح: 5-6 ولذلك يمكن للاسم أن يمنح الإنسان مرونة نفسية وإيمانية؛ لأنه لا يسمح للحادثة الجزئية أن تبتلع معنى الحياة كله. كم من إنسان ظن أن فشلًا واحدًا يعني نهاية مستقبله، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك الفشل كان بداية وعي جديد. وكم من باب أغلق، فانفتح بعده باب لم يكن في الحسبان. إن الله الذي بدأ الخلق قادر على أن يبدأ للإنسان حياة جديدة بعد انكساره. عاشرًا: الأوّل والشعر العربي كان الشعراء العرب شديدي الوعي بمعنى البداية والسبق والزمن، لكن شعر الحكمة خاصة يحمل إشارات قريبة من التأمل في تقلّب الدنيا. قال أبو الطيب المتنبي: ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يدركُهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ فالإنسان يخطط للبدايات، ولكن ليس هو الذي يملك النهايات. وقد قال زهير بن أبي سلمى: ومن يجعلِ المعروفَ في غيرِ أهلِهِ يكنْ حمدُهُ ذمًّا عليهِ ويندمِ والحكمة هنا تذكر الإنسان بحدود اختياره؛ فهو يسعى، لكنه لا يملك النتائج استقلالًا. ومن الشعر الصوفي الذي يفيض بمعاني الشوق إلى الله قول رابعة العدوية في المشهور من مناجاتها: أحبُّكَ حُبَّينِ: حبَّ الهوى وحبًّا لأنك أهلٌ لذاكا ومهما اختلفت طرق التعبير الصوفي، فإن جوهر التجربة الروحية يلتقي عند حقيقة واحدة: أن القلب إذا امتلأ بالله خفَّ تعلّقه بما سواه. الحادي عشر: التعبد باسم الله الأوّل ليس التعبد بالأسماء الحسنى مجرد ترديدها باللسان، وإنما يكون بتحقيق آثارها في القلب والعمل. فمن عرف الله الأوّل: يعظم الله قبل كل شيء، ويقدم طاعته على هوى النفس. ويطلب رضا الله قبل رضا الناس. ويبدأ يومه بنية صالحة بدل أن يبدأه بالقلق. ويبادر إلى الصلاة قبل أن يداهمه الكسل. ويستبق إلى الخير قبل أن ينتظر غيره. ولا يجعل الرزق وحده مصدر أمانه النفسي. ولا يجعل الشهرة معيارًا لقيمته. ولا يرى تأخره عن غيره دليلًا على فشله. ويعلم أن أعظم سبق هو السبق إلى الله بالطاعة. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الواقعة: 10-11 وهنا يتحول اسم الله الأوّل من تعريف عقلي إلى برنامج حياة. فالأول في الفهم الإيماني هو من يبدأ بالله، والأول في الأخلاق من يبدأ بالسلام، والأول في الإصلاح من يبدأ بنفسه، والأول في البر من يبدأ بالضعيف، والأول في الاعتذار من يملك شجاعة المبادرة، والأول في العلم من يعلم غيره ما تعلم. الثاني عشر: خاتمة – حين تصبح البداية بالله اسم الله الأوّل يفتح للإنسان بابًا إلى معنى عميق من معاني التوحيد: أن الله ليس جزءًا من سلسلة الموجودات، بل هو خالقها وموجدها ومدبرها، وهو السابق لكل شيء، الذي لا يسبقه موجود، ولا يحتاج إلى من يمنحه وجودًا أو كمالًا. ومن هذه الحقيقة العقدية تنبع ثمار تربوية ونفسية واجتماعية كبيرة. فهي تعلم الإنسان التواضع؛ لأنه يعرف أصله. وتعلمه الثبات؛ لأنه يستند إلى الباقي لا إلى الزائل. وتعلمه المبادرة؛ لأنه يريد السبق إلى الخير. وتعلمه الرحمة؛ لأنه يرى الناس جميعًا عبادًا لله. وتعلمه تحرير القلب؛ لأنه لا يجعل السبب ربًّا، ولا يجعل المخلوق غاية قصوى. وحين يقرأ المؤمن قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو لا يقرأ آية عن الله فحسب، بل يقرأ خريطة لوجوده هو: بداية محدودة، ونهاية محتومة، ومسافة قصيرة بين ميلاد ورحيل؛ ثم يقف القلب أمام الحقيقة التي لا تتغير. كل شيء يبدأ بكلمة، وينتهي بسكون. كل قوة تضعف، وكل جمال يذبل، وكل بناء يتصدع، وكل اسم ينساه الناس. ويبقى الله. ومن عرف الأوّل، لم يخف كثيرًا من نهايات الأشياء؛ لأنه عرف أن وراء كل نهاية حكمته، وأن وراء كل باب يغلق ربًّا لا يغلق بابه. ومن بدأ بالله، لم يكن الطريق دائمًا سهلًا، لكنه صار مفهومًا. ومن جعل الله أول غايته، استقامت له بقية الغايات. وهكذا يغدو الاسم الكريم تربيةً للقلب قبل أن يكون تعريفًا للعقل؛ ومشروعًا لبناء إنسان يعرف موضعه من الكون، ويعرف قيمة أيامه، ويعرف أن السبق الحقيقي ليس أن يراك الناس أولًا، بل أن تكون من السابقين إلى الخير، والمقربين من رب العالمين. فيا من أثقلته البدايات، ابدأ بالله. ويا من أرهقته المقارنات، اطلب مقامك عند الله. ويا من أضاعه الطريق، عد إلى الأول. فأول الطريق معرفة الله، وأجمل الطريق عبادته، وأصدق الطريق الإقبال عليه، وما بين البداية والنهاية رحلة قصيرة؛ فطوبى لمن أحسن بدايتها. مراجع ومصادر مختارة • القرآن الكريم. • البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري. • مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم. • الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن. • الخطابي، أبو سليمان، شأن الدعاء وكتبه في شرح الأسماء والصفات. • البيهقي، أحمد بن الحسين، الأسماء والصفات. • الحليمي، الحسين بن الحسن، المنهاج في شعب الإيمان. • السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. • ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين وطريق الهجرتين ومواضع حديثه عن أسماء الله الحسنى. • الزجاج، أبو إسحاق، تفسير أسماء الله الحسنى. • المتنبي، ديوان المتنبي. • زهير بن أبي سلمى، ديوانه. • رابعة العدوية، المناجات والأشعار المنسوبة إليها.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال