حين يضحك المسرح في وجه السلطة
الكباريه السياسي بين السخرية والمقاومة
هناك أشياء لا يستطيع الإنسان أن يقولها وهو واقف في منتصف الشارع، فيقولها وهو يضحك.
وهناك أسئلة تخاف الكلمات الجادة من حملها، فتأتي الأغنية ساخرة، أو النكتة لاذعة، أو الممثل يقلّد وجه الحاكم، فإذا بالوجه الذي كان يبدو من بعيد مهيبًا، يتحول على الخشبة إلى قناع قابل للسخرية والكسر.
من هنا يمكن فهم سرّ الكباريه السياسي.
فهو ليس مجرد مسرح للضحك، ولا سهرة فنية خفيفة تُقدَّم بين الطعام والشراب. إنه، في جوهره، محاولة لاستعادة حق الإنسان في النظر إلى السلطة من مسافة قريبة، لا من أسفل إلى أعلى. وهو شكل فني نشأ في فضاءات صغيرة وحميمة، ثم صار مع الوقت مساحة للاعتراض الاجتماعي والسياسي، ولتعرية التناقض بين ما تقوله السلطة وما يعيشه الناس.
في الكباريه السياسي لا يجلس الجمهور أمام حكاية طويلة لها بداية ووسط ونهاية. يجلس أمام مرآة. قد يرى فيها السياسي، والموظف، والمواطن، والشرطي، والإعلامي، والبيروقراطي، وربما يرى نفسه أيضًا. تتوالى اللوحات والمشاهد والأغاني والنكات، وكل واحدة منها تلتقط شيئًا من الحياة اليومية، ثم تدفعه قليلًا نحو المبالغة، حتى تظهر الحقيقة أوضح.
إنه مسرح صغير في حجمه، لكنه واسع في أسئلته.
والسؤال الذي يطرحه هذا الفن ليس: لماذا نضحك؟
بل: لماذا نحتاج إلى الضحك كي نستطيع أن نقول الحقيقة؟
من الحانة إلى الخشبة
كلمة «الكباريه» ارتبطت تاريخيًا في أوروبا بأماكن تجمع بين الطعام والشراب والعروض الفنية. لكن صورته الحديثة أخذت تتبلور في باريس في أواخر القرن التاسع عشر، حين تحولت بعض هذه الأماكن إلى ملتقيات للفنانين والكتاب والموسيقيين، واختلطت فيها الأغنية بالشعر والمشهد الهزلي والتعليق على الحياة العامة.
ويُعدّ «لو شانوار» ــ أو «القط الأسود» ــ الذي أسسه رودولف ساليس في مونمارتر سنة 1881، من المحطات المهمة في تاريخ الكباريه الحديث. فقد جمع المكان بين الشعر والأغنية والعروض القصيرة والمسرح الظلي، وفتح الباب أمام السخرية السياسية والاجتماعية. وسرعان ما أصبح الكباريه جزءًا من الحياة الثقافية الباريسية، وفضاءً يلتقي فيه الفن بالتمرد على الذوق السائد والأخلاق البرجوازية الجامدة.
ثم انتقلت الفكرة إلى ألمانيا، حيث تطور ما عُرف لاحقًا بـ«الكاباريه السياسي» أو Kabarett. ومع بدايات القرن العشرين أصبحت السخرية السياسية والأغاني الساخرة والمحاكاة والهجاء من عناصر هذا الفن. وفي زمن جمهورية فايمار، ازداد ارتباط الكباريه بالسخرية السياسية والكوميديا السوداء، في مجتمع كان يعيش اضطرابات اقتصادية وسياسية عميقة.
ولم يكن ذلك الانتشار مصادفة.
فالفن الصغير يولد غالبًا في الأماكن التي تضيق بها القاعات الكبيرة.
حين تكون المنابر الرسمية مغلقة، تبحث الفكرة عن طاولة صغيرة. وحين يصبح الخطاب السياسي مراقبًا، تختبئ السياسة في أغنية. وحين يصبح الاسم نفسه خطرًا، يمكن للممثل أن يكتفي بإشارة أو حركة أو نبرة صوت يفهمها الجمهور دون شرح.
هكذا كان الكباريه، منذ بداياته الحديثة، فنًا شديد الحساسية تجاه السلطة والمجتمع.
لماذا الكباريه؟
لأن المسرح التقليدي يحتاج إلى مسافة.
أما الكباريه فيكسر المسافة.
الجمهور لا يشعر أنه أمام عالم مصطنع منفصل عن حياته. غالبًا ما يكون قريبًا من الممثل، وقد يجلس حول طاولات، ويتناول الطعام والشراب أثناء العرض، ويشعر أن ما يحدث على الخشبة يشبه حديثًا يدور في مقهى أو مجلس أو بيت.
وهنا تكمن قوته.
الممثل لا يقول للمشاهد: «سأقدم لك الآن قضية سياسية».
بل يبدأ أغنية، أو يقلد مسؤولًا، أو يحكي نكتة عن الأسعار، أو يسخر من موظف متعجرف، ثم يكتشف الجمهور أن الضحكة كانت تحمل وراءها غضبًا.
إنها سياسة تتخفى في هيئة فرجة.
ولهذا يختلف الكباريه السياسي عن المسرح الدرامي التقليدي. فهو لا يحتاج بالضرورة إلى حبكة مكتملة أو شخصيات تتطور عبر أحداث متصلة. إنه أقرب إلى سلسلة من الومضات. مشهد قصير، ثم أغنية، ثم تعليق، ثم تقليد، ثم نكتة، ثم صمت مفاجئ.
كل فقرة تلتقط عصبًا من أعصاب المجتمع.
وقد تكون الفقرة في ظاهرها بسيطة جدًا، لكن بساطتها هي سر قوتها. فبدل أن يقول الممثل كلامًا سياسيًا معقدًا، يستطيع أن يسأل:
«لماذا أصبح راتبي ينتهي قبل الشهر؟»
أو: «لماذا يحتاج المواطن إلى عشر أوراق ليحصل على ورقة واحدة؟»
أو: «لماذا يقول المسؤول شيئًا، ثم يحدث في الواقع شيء آخر؟»
السؤال هنا أقوى من الخطبة.
لأن الجمهور لا يحتاج إلى مترجم. إنه يعرف الإجابة من حياته.
السخرية: الضحك الذي يحمل سكينًا السخرية ليست مجرد شكل من أشكال الكوميديا.
إنها طريقة في التفكير.
حين يضحك الإنسان من تناقض سياسي أو اجتماعي، فهو لا يضحك من التناقض فقط، بل يكتشفه. والسخرية في هذا المعنى تفعل شيئًا مهمًا: إنها تغيّر زاوية النظر.
السلطة تحب أن تظهر في صورة كاملة ومتماسكة ومهيبة. أما السخرية فتفكك هذه الصورة.
تضع لها أنفًا كبيرًا، أو مشية مضحكة، أو صوتًا مبالغًا فيه، أو جملة تناقض نفسها. وفجأة يصبح الرمز الذي كان يبدو ضخمًا أصغر من حجمه.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالسلطة لا تخاف الضحك لأنه ضحك، بل لأنها تعرف أن السخرية تستطيع أن تنتزع منها شيئًا شديد الأهمية: الهالة.
الهالة هي ذلك الشعور النفسي الذي يجعل الإنسان يتردد قبل أن يسأل، أو يخاف قبل أن يعترض، أو يتعامل مع صاحب السلطة كأنه فوق الخطأ.
وحين يقلد الممثل صاحب السلطة أمام الجمهور، فهو يقول ضمنيًا: إنه بشر مثلنا.
له صوت يمكن تقليده. وله مشية يمكن محاكاتها. وله أخطاء يمكن كشفها.
وله صورة يمكن أن تتحول، في لحظة، من صورة رسمية معلقة على الجدار إلى شخصية كاريكاتورية على الخشبة.
وهذا هو المعنى العميق لما يمكن تسميته «كسر التابو».
إن السخرية لا تهدم السلطة السياسية في الواقع، لكنها تهدم صورتها المطلقة في الخيال.
وهذه الخطوة النفسية ليست قليلة.
الكباريه السياسي والإنسان الخائف
من الناحية النفسية، يحتاج الإنسان إلى وسيلة للتعبير عن الغضب.
والغضب الذي لا يجد طريقًا إلى الخارج لا يختفي بالضرورة. قد يتحول إلى صمت، أو إحباط، أو سخرية خاصة، أو عدوان، أو شعور بالعجز.
لهذا تؤدي الكوميديا السياسية وظيفة نفسية معقدة.
إنها تسمح للإنسان بأن يقول، ولو للحظات: «أنا أرى ما يحدث».
وهذه الجملة البسيطة تعني الكثير.
فالإنسان في الظروف السياسية الصعبة لا يعاني فقط من المشكلة نفسها، بل يعاني أحيانًا من الإحساس بأنه وحيد أمامها. وعندما يضحك مئات الأشخاص في قاعة واحدة على المشكلة نفسها، يكتشف الفرد أن تجربته ليست فردية.
هناك آخرون يرون الشيء نفسه.
هنا يتحول الضحك إلى اعتراف جماعي.
إنه نوع من التضامن غير المعلن.
الجمهور يضحك، لكنه في الوقت نفسه يلتفت حوله. يرى الآخرين يضحكون على المشكلة التي كان يظن أنه وحده يعاني منها. فينشأ شعور خفي بأن التجربة مشتركة.
وهذا ما يمنح الكباريه السياسي قوته الاجتماعية.
إنه لا يقدم للناس علاجًا مباشرًا للفقر أو الفساد أو الاستبداد، لكنه يكسر أحد أخطر آثارها النفسية: إقناع الإنسان بأنه عاجز ووحيد.
من الغضب إلى الوعي
لكن السخرية وحدها لا تكفي.
فالضحك يمكن أن يكون مقاومة، ويمكن أيضًا أن يكون هروبًا.
وهنا تظهر المسافة الدقيقة بين الكباريه السياسي الحقيقي وبين مجرد التهريج السياسي.
إذا كانت السخرية تكشف التناقض وتدفع المشاهد إلى التفكير، فإنها تؤدي وظيفة ثقافية. أما إذا تحولت إلى شتيمة متواصلة، أو استهزاء بالأشخاص دون مناقشة للأفكار، فقد تفقد قيمتها وتتحول إلى ضجيج.
الفن السياسي الجيد لا يقول للمشاهد ماذا يفكر فقط. بل يجعله يفكر. وهذا فرق مهم.
فالمسرح الذي يلقّن جمهوره قد يتحول إلى منبر حزبي. أما المسرح الذي يفتح الأسئلة، ويضع التناقضات أمام العين، ويترك للمشاهد مساحة للحكم، فإنه يصبح أكثر قدرة على الاستمرار.
ومن هنا يمكن فهم أهمية اللغة الشعبية في الكباريه.
فهو لا يتحدث غالبًا بلغة المقال السياسي أو البيان الحزبي. إنه يستخدم لغة الشارع، والنكتة اليومية، والمثل الشعبي، والموّال، والأغنية، والتشخيص، والحركة الجسدية.
إنه يأخذ السياسة من مكاتبها المغلقة ويضعها في فم المواطن.
عندما وصل الكباريه إلى العالم العربي
لم يكن المسرح العربي بعيدًا عن السياسة في أي وقت.
لكن العلاقة بين المسرح والسياسة أخذت شكلًا أكثر حدة بعد التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي، وبخاصة بعد هزيمة 1967. فقد دفعت الصدمة السياسية والفكرية كثيرًا من المسرحيين إلى إعادة التفكير في وظيفة المسرح وعلاقته بالمجتمع.
وتشير دراسات منشورة في «مسرحنا» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر إلى أن جيل السبعينيات اتجه، في جوانب مهمة من تجربته، إلى توظيف الموروث الشعبي، وإلى التعامل مع المسرح بوصفه مساحة للمواجهة والتثقيف والوعي. كما تربط هذه الدراسات بين التحولات السياسية بعد 1967 وبين ازدياد حدة السؤال حول علاقة المسرح بالسياسة.
وفي مصر تحديدًا، أصبح «الكباريه السياسي» أحد أشكال التعبير المسرحي التي تستفيد من تقاليد الفن الشعبي ومن الفقرات الهزلية القصيرة، ومن الموال والنكتة والتشخيص، لتقديم قضايا سياسية واجتماعية بلغة أكثر قربًا من الجمهور.
وهنا حدث شيء مهم.
لم يعد المسرح يريد فقط أن يحكي عن المواطن. أراد أن يتكلم بلسانه.
وهذا هو أحد أسرار حضور الثقافة الشعبية في المسرح السياسي العربي.
فالموروث الشعبي ليس زينة توضع على النص لإضفاء نكهة محلية. إنه مخزون هائل من طرق التفكير والسخرية والتعبير عن المظالم. وفي الموال الشعبي، مثلًا، يستطيع الإنسان أن يحول شكواه إلى موسيقى. وفي النكتة يستطيع أن يقول ما يعجز عن قوله في الخطاب الرسمي.
لذلك كان من الطبيعي أن يلتقي الكباريه السياسي بهذه الأشكال.
إنه فن يحب الجملة القصيرة، والقفلة المفاجئة، والمبالغة، والتشخيص، والتورية، واللعب بالكلمات.
وكلها أدوات موجودة بقوة في الثقافة العربية.
لماذا ينجح هذا الفن في المجتمعات العربية؟
لأن المواطن العربي، في حياته اليومية، يعيش بين لغتين. لغة رسمية تقول شيئًا. ولغة يومية تعرف شيئًا آخر.
في اللغة الرسمية كل شيء منظم، وكل مشروع ناجح، وكل خطة تسير، وكل مشكلة لها حل.
أما في المقهى والبيت وسيارة الأجرة ومكان العمل، فهناك لغة أخرى: لغة التجربة.
الكباريه السياسي يدخل إلى المنطقة الواقعة بين اللغتين.
يأخذ العبارة الرسمية ويضعها أمام الواقع.
يقول مثلًا إن «الخدمة ممتازة»، ثم يعرض طابورًا لا ينتهي.
ويقول إن «الأسعار مستقرة»، ثم يجعل الممثل يطارد رغيفًا كأنه يطارد طائرًا.
ويقول إن «المواطن هو الأولوية»، ثم يظهر المواطن في آخر الصف.
هنا تصبح المفارقة هي النص.
ولا يحتاج الكاتب إلى شرح طويل.
الصورة تقول كل شيء. وهذا هو جمال الكاريكاتير. الكباريه كاريكاتير حي
يمكن النظر إلى الكباريه السياسي بوصفه نوعًا من «الكاريكاتير المسرحي».
فالكاريكاتير يرسم الملامح الأساسية ويضخمها. لا يرسم الإنسان كما تراه العين، بل كما تريد الفكرة أن تراه.
والكباريه يفعل الشيء نفسه بالصوت والحركة.
المسؤول المتعجرف يصبح أكثر تعجرفًا.
الموظف البيروقراطي يصبح آلة للأختام.
المذيع يصبح فمًا لا يتوقف.
المواطن يصبح شخصًا يركض خلف ورقة.
والسياسي يتحول إلى صورة مبالغ فيها عن نفسه.
لكن المبالغة هنا ليست هروبًا من الواقع.
إنها طريقة للوصول إليه.
فالحقيقة الاجتماعية قد تكون معقدة ومتشعبة، لكن الفنان يستطيع أن يختصرها في صورة واحدة.
رجل يحمل عشرين ختمًا ولا يستطيع إنهاء معاملة.
أم تقف أمام الأسعار وهي تمسك بقائمة مشتريات قصيرة.
موظف يملك سلطة صغيرة فيمارسها كأنه يملك البلاد.
هذه الصور أبقى في الذاكرة من صفحات طويلة من التحليل.
الجمهور شريك لا متفرج
من أهم ما يميز الكباريه السياسي أن الجمهور ليس بعيدًا.
في المسرح التقليدي قد توجد خشبة تفصل الممثلين عن المشاهدين. أما في الكباريه، فالفاصل أرق.
وقد يتوجه الممثل مباشرة إلى الجمهور. وقد يسأله. وقد يسخر من رد فعله. وقد يغير الإيقاع بناءً على ضحكة أو صمت.
وهنا يصبح العرض علاقة حية. الجمهور لا يكتفي بأن يشاهد؛ بل يشارك في صناعة المعنى.
الضحكة نفسها تصبح جزءًا من العرض. والصمت أيضًا.
أحيانًا تكون الضحكة العالية دليلًا على أن الفنان لمس شيئًا حساسًا. وأحيانًا يكون الصمت أكثر دلالة من الضحك، لأنه يعني أن النكتة اصطدمت بجرح حقيقي.
ولهذا فإن الكباريه السياسي يحتاج إلى جمهور يعرف نفسه في المرآة.
خطر أن يتحول الضحك إلى تخدير
لكن لهذا الفن وجهًا آخر يجب ألا نتجاهله.
يمكن للسخرية أن تتحول إلى عادة.
نضحك على الفساد، ثم نعود إلى بيوتنا. نضحك على الفقر، ثم ننام. نسخر من السياسي، ثم ننسى السؤال.
وهنا يصبح الكباريه، من حيث لا يريد، جزءًا من المشكلة.
إذا تحول الغضب إلى نكتة فقط، فقد يفقد قدرته على التغيير.
وهذه واحدة من أكبر المعضلات الفكرية في الفن السياسي: هل الضحك يحرر الإنسان أم يريحه من الحاجة إلى الفعل؟
الإجابة ليست واحدة.
فالضحك قد يكون بداية الوعي، لكنه ليس الوعي كله.
وقد يكون أول خطوة نحو السؤال، لكنه لا يقدم الإجابة وحده.
لهذا يحتاج الكباريه السياسي إلى أن يحتفظ بمسافة بين السخرية والعبث، وبين المعارضة والتشهير، وبين النقد والكراهية.
إن وظيفته الأهم ليست أن يجعلنا نضحك على الآخرين، بل أن يجعلنا نرى أنفسنا داخل المشكلة.
السياسة حين تصبح إنسانية
أجمل ما يمكن أن يفعله الكباريه السياسي هو أن يعيد السياسة إلى الإنسان.
السياسة في نشرات الأخبار تبدو أحيانًا مجرد أسماء ومؤسسات وقرارات وأرقام. لكن خلف كل قرار إنسان.
خلف ارتفاع الأسعار أم. وخلف البطالة شاب. وخلف البيروقراطية رجل فقد يومًا كاملًا من عمره. وخلف الفساد مواطن يشعر أن القانون لا يعمل بالطريقة نفسها للجميع.
حين يحول الكباريه هذه القضايا إلى مشاهد، فإنه يعيد للسياسة وجهها الإنساني.
وهذا ربما هو السبب في أن الجمهور يتفاعل معه.
فهو لا يسمع عن «أزمة اجتماعية». بل يرى جارًا.
ولا يسمع عن «خلل إداري». بل يرى نفسه واقفًا أمام شباك.
ولا يسمع عن «أزمة اقتصادية». بل يرى مائدة الطعام وقد نقص منها شيء.
هنا تصبح السياسة قريبة من القلب.
«دنيانا» والكباريه السياسي اليوم
في السنوات الأخيرة عادت أسئلة الكباريه السياسي إلى الواجهة العربية، ليس فقط من خلال المسرح الحي، بل أيضًا من خلال البرامج والمنصات الإعلامية التي تناقش هذا الشكل الفني وتستضيف فنانين ومسرحيين من بلدان عربية مختلفة.
ومن الأمثلة اللافتة حلقة من برنامج «دنيانا» على «بي بي سي عربي» تناولت واقع الكباريه السياسي، وناقشت خصوصيته بوصفه مسرحًا يعتمد على القرب من الجمهور، وعلى السخرية من الرموز السياسية والاجتماعية، وعلى كسر القواعد التقليدية للعرض المسرحي. وشارك في النقاش عدد من الفنانين والكتاب العرب، بينهم المخرجة والكاتبة المسرحية العراقية عواطف نعيم، والممثلة السورية مروة الأطرش، والممثلة اللبنانية أنجو ريحان، إلى جانب الكاتبة والناقدة المصرية أمينة خيري والكاتب والمخرج المسرحي التونسي المنصف زهروني.
وهذا التنوع العربي مهم.
فالكباريه السياسي ليس وصفة مصرية أو شامية أو مغاربية خالصة.
إنه شكل فني قابل للانتقال والتكيّف.
قد تتغير النكتة من بلد إلى آخر، وتتغير اللهجة والرموز والموضوعات، لكن جوهر التجربة يبقى متشابهًا: مواطن يرى تناقضًا في حياته، وفنان يضع هذا التناقض على الخشبة، وجمهور يضحك لأنه يعرفه.
هل ما زال الكباريه السياسي ضروريًا؟
ربما أكثر من أي وقت مضى.
ليس لأن السياسة أصبحت أكثر قسوة بالضرورة، بل لأن الإنسان المعاصر يعيش وسط سيل هائل من المعلومات والصور والخطابات.
كل يوم تصل إلينا عشرات الأخبار.
كل يوم نرى تصريحات. كل يوم نسمع وعودًا وتحليلات وبيانات.
وسط هذا الضجيج، يصبح السؤال: كيف يستطيع الفن أن يجعلنا نتوقف؟
الكباريه يستطيع.
لأنه لا ينافس الخبر في سرعة الوصول، بل ينافسه في القدرة على كشف المفارقة.
الخبر يقول إن قرارًا صدر.
أما الفنان فيسأل: ماذا يعني هذا القرار للمواطن الذي يجلس أمامي؟
الإعلام يقول إن هناك أزمة.
أما المسرح فيجعلنا نعيش الأزمة في جسد شخصية.
السياسي يقدم خطابه.
أما السخرية فتبحث عن المسافة بين الخطاب والحقيقة.
وهذه المسافة هي المكان الذي يعيش فيه الكباريه.
خاتمة: حين يضحك المقهور
في النهاية، الكباريه السياسي ليس مسرحًا عن السياسيين فقط.
إنه مسرح عن الإنسان حين يكتشف أنه يستطيع أن يرفع صوته، ولو في صورة ضحكة.
إنه فن صغير في شكله، لكنه يملك قدرة غريبة على الاقتراب من المناطق التي تخاف منها اللغة الرسمية.
يضحك لأن البكاء وحده لا يكفي.
ويسخر لأن الصمت أثقل من أن يحتمل.
ويقلد السلطة لكي يقول إن السلطة ليست مقدسة.
ويحوّل المسؤول إلى شخصية كاريكاتورية لكي يعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي أمامها.
لكن قيمة هذا الفن لا تقاس بعدد الضحكات.
بل بعدد الأسئلة التي تظل معلقة بعد انتهاء العرض.
فإذا خرج المشاهد من القاعة وهو يضحك فقط، فقد شاهد عرضًا كوميديًا.
أما إذا خرج وهو يضحك، ثم يتوقف فجأة ويسأل نفسه: «كيف وصلنا إلى هنا؟» فقد بدأ المسرح الحقيقي.
ذلك أن أفضل الكباريه السياسي لا ينتهي عندما تنطفئ الأنوار.
إنه يبدأ بعدها.
حين يعود المشاهد إلى الشارع، ويرى المشهد نفسه الذي ضحك عليه قبل قليل، لكنه يراه هذه المرة بعين مختلفة.
وهنا تكمن قوة الفن.
أن يجعل المألوف غريبًا.
أن يجعل المسكوت عنه قابلًا للكلام.
أن يمنح الإنسان شجاعة السؤال دون أن يسلبه حق الضحك.
فالضحك، في المجتمعات التي تثقلها السياسة، ليس دائمًا هروبًا من الواقع.
أحيانًا يكون الطريقة الوحيدة للنظر إليه في عينيه.
وأحيانًا تكون النكتة الصغيرة أكثر جرأة من خطاب طويل.
وأحيانًا تكفي خشبة ضيقة، وممثل واحد، وجمهور يعرف الحقيقة، كي يتغير حجم الأشياء.
فالسلطة قد تملك المنبر.
وقد تملك الميكروفون. وقد تملك الصورة الرسمية.
لكن المسرح يملك شيئًا آخر: أن يجعل الناس يرون الصورة من الجانب الآخر.
وهناك، في تلك اللحظة القصيرة التي يعلو فيها الضحك، يسقط شيء من الخوف.
وحين يسقط الخوف قليلًا، يبدأ التفكير.
وحين يبدأ التفكير، يصبح التغيير ممكنًا.
مراجع ومصادر مقترحة
1. محمد عبد المنعم، مسرح الكباريه السياسي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013. وهو من المراجع العربية المتخصصة التي توردها دراسات «مسرحنا» في تناول هذا اللون المسرحي.
2. علي الراعي، المسرح العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1996.
3. الهيئة العامة لقصور الثقافة – جريدة «مسرحنا»، دراسات حول المسرح المصري والعربي وعلاقة المسرح بالتحولات السياسية والاجتماعية، ولا سيما تجربة ما بعد 1967 وجيل السبعينيات.
4. Paradis Latin، Origins and History of Parisian Cabarets، حول نشأة الكباريه الباريسي وتطور «Le Chat Noir» ودور السخرية السياسية فيه.
5. The Cabaret، The History of Cabaret – Cabaret as a Mirror of the Times، حول تطور الكباريه بوصفه مساحة فنية وثقافية للتعبير عن الحياة الاجتماعية والسياسية.
6. Neue Gesellschaft / Frankfurter Hefte، دراسة حول نشأة الكباريه السياسي الألماني وانتقاله من باريس إلى ألمانيا وتطور الأغنية الساخرة والمحاكاة والنقد الاجتماعي والسياسي.
7. BBC News عربي، برنامج «دنيانا: الكباريه السياسي من الزمن الجميل إلى الواقع»، حلقة تناولت واقع الكباريه السياسي العربي وخصائصه وعلاقته بالسخرية من الرموز السياسية والاجتماعية.
