التفاحةِ والقدر...

التفاحةِ والقدر...
شاءَ ربّي لآدمَ الشجرةَ امتحانًا، لا إغراءً ولا حرمانًا، بل ميزانًا يُوزَنُ به القلبُ إذا مال، ويُعرَفُ به الصادقُ إذا قال، ويُفتَضَحُ به الهوى إذا استطال. كان يعلمُ سبحانه ما سيكون، فلا يخفى عليه سرٌّ ولا يهون، لكنَّ العلمَ شيءٌ، ووقوعَ الفعلِ شيءٌ آخر؛ فلا يُحاسَبُ عبدٌ على ما لم يعمل، ولا يُجزَى قلبٌ قبل أن يختارَ الطريق. قال: لا تقتربا. وكان النهيُ رحمةً، لا قسوةً ولا نقمةً. فالحدودُ سياجُ المحبة، وليستْ أسوارَ العقوبة. ثم شاءَ أن يمتحنَ الخليقة، فانكشفَ ما كان مستورًا، وظهرَ ما كان مكنونًا. كبرَ إبليسُ، فاستكبرَ حتى صَغُر، وتعالَى حتى هوى، وظنَّ أن النارَ أشرفُ من الطين، فنسيَ أن الكرامةَ بالطاعة، لا بالمادةِ ولا بالصورة. قيل له: اسجد. فقال الهوى: لن أسجد. وقال الكِبْر: أنا خيرٌ منه. وما علم المسكينُ أن كلمةَ "أنا" إذا سبقتِ الطاعةَ كانت أولَ طريقِ الخسارة. يا للعجب! إبليسُ لم يخسرْ لأنه ناقش، بل لأنه كابر. ولم يهلكْ لأنه سأل، بل لأنه جادلَ بعد ظهورِ الحق. أما آدمُ، فلم يكن متكبرًا، ولم يدّعِ العصمة، ولم يقل: "أنا خير." بل زلَّ، وكلُّ ابنِ آدمَ يزلّ، ثم تاب، وكلُّ كريمٍ إذا أخطأ عاد. شتّانَ بين مَن يعترفُ فيرتفع، ومن يتكبّرُ فينخفض. آدمُ قال: ربَّنا ظلمنا أنفسنا. وإبليسُ قال: أنا خيرٌ منه. فكانت كلمةُ التوبةِ سلّمًا، وكانت كلمةُ الغرورِ سجنًا. سبحانَ ربٍّ لا يظلمُ مثقالَ ذرة، ولا يُؤاخذُ نفسًا بغيرِ ما كسبت، ولا يغلقُ بابَ الرحمةِ في وجهِ التائبين. جعلَ الدنيا ميدانًا، لا سجنًا ولا بستانًا دائمًا، فيها ضحكةٌ تعقبها دمعة، وفيها دمعةٌ تلدُ بسمة. فيها ليلٌ ونهار، وسرورٌ واعتبار، ويسرٌ وإعسار، ليعرفَ الإنسانُ أن الكمالَ لله وحده. ولو بقي آدمُ في الجنة، ما عرفتِ الأرضُ أسماءَ أبنائها، ولا ازدانتْ بضحكاتِ الأطفال، ولا امتلأتْ طرقاتُها بالعابرين، ولا تعاقبتْ عليها الحضاراتُ والأعمار. ومن تلك الزلّة، خرجتْ أجيالٌ لا تُحصى، فيها النبيُّ والصالح، وفيها العالمُ والجاهل، وفيها العادلُ والظالم، وفيها قلبٌ يسبّح، وقلبٌ يتيه. وهكذا دارتْ عجلةُ الحياة. في الأرضِ خيرٌ وشرّ، نورٌ وظلّ، حقٌّ وباطل، قربٌ وبُعد، طباقٌ يعلّمنا أن الأشياءَ تُعرَفُ بأضدادها. ولذلك أرسلَ اللهُ الرسل، كتابًا بعد كتاب، ونورًا بعد نور، يدعونَ إلى الخير، ويوقظونَ الضمير، ويرفعونَ عن الأرواحِ غبارَ الغفلة. وقالوا للناس: ازرعوا المعروفَ، فإن الحصادَ من جنسِ البذار. وازرعوا الرحمةَ، فالقلوبُ لا تُفتَحُ بالمطارق، بل بالمفاتيح. أما إبليسُ... فما زال يعملُ ساعاتٍ إضافية، ولا يطلبُ راتبًا، ولا يأخذُ إجازةً سنوية! يأتيك في ثوبِ ناصح، ثم يتركُك تدفعُ الفاتورةَ وحدك. يزيّنُ الخطأ، ثم يختفي عند الحساب، كذلك الصديقُ المزيّف، يصنعُ المشكلة، ثم يرسلُ لك رسالةً يقول فيها: "الله يعينك!" ويهمسُ للإنسان: غدًا تتوب. وغدًا... عنده أطولُ من عمرِ الدنيا! يا لهذا الماكر! لا يملُّ من الوعد، ولا يخجلُ من الكذب، ولا يكلُّ من التزيين. لكن المؤمنَ إذا سقط، قام. وإذا أخطأ، استغفر. وإذا بكى، تبسّمَ رجاءً في رحمةِ مولاه. ذلك هو الفرقُ العظيم: إبليسُ أصرَّ، وآدمُ اعتذر. إبليسُ تكبّر، وآدمُ استغفر. إبليسُ أغلقَ بابَه، وآدمُ طرقَ بابَ ربّه. ومن هنا بدأتْ الحكاية، لا حكايةُ السقوط، بل حكايةُ النهوض. فالأرضُ ليستْ عقوبةً خالصة، ولا الجنةُ حلمًا بعيدًا، بل هذه الدنيا طريقٌ بين منزلتين، يمرُّ فيه الإنسانُ بخوفٍ ورجاء، وبعسرٍ ويسر، وبدمعةٍ وبشرى. فيا ابنَ آدم، لا تجعلْ زلّةً واحدةً تحكمُ على العمرِ كلِّه، ولا تجعلْ نجاحًا واحدًا يملأ قلبَك كِبرًا. امشِ إلى الله بقلبٍ سليم، فإن تعثّرتَ، فقم، وإن ضعفتَ، فاستعن، وإن أخطأتَ، فاستغفر. فالرحمةُ أوسعُ من الذنب، والعفوُ أكبرُ من الخطيئة، والفضلُ أسبقُ من العقوبة. ولترَ كلُّ نفسٍ ما قدّمتْ يداها، فما يزرعه القلبُ اليوم، تحصده الروحُ غدًا. فطوبى لمن جعلَ التقوى رفيقَه، والصدقَ طريقَه، والرحمةَ خُلُقَه، والتوبةَ زادَه. فالخاتمةُ ليستْ لأولِ الطريق، بل لآخرِ الخُطا، ومن صدقَ مع الله، بلّغه اللهُ حيثُ يحب، وجعلَ بعد كلِّ عسرٍ يُسرًا، وبعد كلِّ ليلٍ فجرًا، وبعد كلِّ دمعةٍ بشرى، وهو سبحانه خيرُ الحاكمين.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال