اللطم في الجنائز
بين الذاكرة الحضارية والتعبير النفسي عن الفقد
مقاربة اجتماعية نفسية في ضوء التراث المصري
منذ أن وعى الإنسان هشاشة الحياة، ووقف أمام الموت بوصفه أكثر الأسرار غموضًا، أخذ يبحث عن لغةٍ تتجاوز الكلمات، ولعلّ الدموع كانت أول تلك اللغات، ثم تبعتها الحركات والإشارات والطقوس التي تحمل ما تعجز العبارة عن حمله. فالموت لا يترك خلفه جسدًا غائبًا فحسب، بل يوقظ في الأحياء أسئلة الوجود، ويكشف هشاشة الروابط الإنسانية، ويجعل الحزن يبحث عن صورةٍ يتجسد فيها. ومن هنا نشأت طقوس الحداد في مختلف الحضارات، لا باعتبارها مجرد ممارسات عاطفية، وإنما بوصفها أنظمةً اجتماعية وثقافية تمنح الألم شكله المقبول داخل الجماعة.
ويُعدّ اللطم في الجنائز واحدًا من أكثر هذه الطقوس حضورًا في المجتمعات الإنسانية، وقد اختلفت صوره وأشكاله من حضارة إلى أخرى، إلا أن جوهره بقي واحدًا: التعبير عن الفقد، وإعلان الحزن، ومشاركة الجماعة في حمل عبء المصيبة. ويرى عدد من الباحثين أن بعض المظاهر المرتبطة باللطم والنواح في المجتمع المصري قد تمتد جذورها إلى عصور مصر القديمة، وإن كانت هذه الممارسات قد تعرضت عبر القرون لتحولات دينية وثقافية واجتماعية جعلتها تختلف في دلالاتها وأشكالها عن نظيراتها القديمة.
لقد أدرك المصري القديم أن الموت ليس نهايةً مطلقة، بل انتقالٌ إلى عالم آخر، ولذلك أحاط الجنازة بطقوسٍ دقيقة تمزج بين العقيدة والرمزية والجمال الفني. وتُظهر النقوش الجنائزية على جدران المقابر والمعابد مشاهد لمواكب الوداع، حيث يسير الأقارب والكهنة وحملة القرابين خلف المتوفى، بينما تظهر مجموعات من النساء في حالة من النواح والبكاء، يرفعن الأيدي إلى الوجوه، ويضربن الصدور، وينثرن التراب على الرؤوس، في مشهدٍ يجسد الحزن الجماعي ويمنح الفقد صورةً مرئية.
ويشير عالم المصريات ياروسلاف تشرني في كتابه الديانة المصرية القديمة إلى وجود نساء محترفات للنواح كن يشاركن في بعض المراسم الجنائزية، وقد ارتدين ملابس داكنة اللون، وأدين حركات وإيماءات تعبيرية صاحبتها صيحات البكاء والندب. ولم تكن هذه الممارسات مجرد انفعالات عفوية، بل كانت جزءًا من النظام الرمزي الذي يحيط بمراسم الانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الموتى، حيث يعتقد أن إظهار الحزن يعكس الوفاء للميت ويؤكد مكانته الاجتماعية.
ومن منظور علم الاجتماع، لا يمكن النظر إلى اللطم بوصفه حركة جسدية فحسب، بل هو لغة اجتماعية تحمل رسائل متعددة. فهو إعلانٌ بأن الجماعة فقدت أحد أفرادها، ودعوةٌ ضمنية إلى التضامن، وإشارةٌ إلى أن المصاب لا يخص أسرةً بعينها، بل يمتد أثره إلى المحيط الاجتماعي كله. فالطقوس الجماعية تمنح الحزن إطارًا منظمًا، وتخفف من شعور الفرد بالعزلة، إذ يتحول الألم الشخصي إلى تجربة جماعية يتقاسمها الجميع.
أما من منظور علم النفس، فإن اللطم والبكاء والصراخ قد يمثلون آليات انفعالية لتفريغ التوتر النفسي الناتج عن الصدمة. وقد بينت دراسات علم النفس أن التعبير الانفعالي المعتدل يساعد كثيرًا من الأشخاص على استيعاب الفقد والتكيف معه، في حين قد يؤدي الكبت الكامل للمشاعر لدى بعض الأفراد إلى تعقيد عملية الحداد. ومع ذلك، فإن علماء النفس يميزون بين التعبير الطبيعي عن الحزن وبين الممارسات التي تتحول إلى إيذاء جسدي أو اضطراب انفعالي يتجاوز حدود التكيف السليم.
وتختلف المجتمعات في كيفية التعبير عن الفقد. ففي بعض البيئات الريفية العربية ما زالت النساء يرددن المراثي الشعبية التي تستحضر مناقب الميت، بينما تكتفي مجتمعات أخرى بالصمت والدعاء وقراءة النصوص الدينية. وفي بعض الثقافات الآسيوية يرتدي أهل الميت اللون الأبيض رمزًا للحزن، بينما ارتبط اللون الأسود في كثير من الثقافات الغربية بمعاني الفقد والحداد. أما في مصر القديمة، فتشير بعض الرسوم إلى استخدام ألوان داكنة في ملابس النائحات، مع اختلاف تفسيرات الباحثين لدلالات هذه الألوان بحسب العصر والسياق الفني.
ولعل من أبرز الظواهر التي ارتبطت بالجنائز في الحضارات القديمة ظاهرة النائحات المحترفات. فقد كانت بعض الأسر تستعين بنساء يتقنّ أداء المراثي والحركات التعبيرية لإضفاء طابع احتفالي مهيب على مراسم الدفن، وهو تقليد عرفته حضارات عديدة، ولم يقتصر على مصر وحدها، بل ظهر أيضًا في مناطق من بلاد الرافدين واليونان القديم وبعض المجتمعات المتوسطية. وكانت وظيفة النائحة تتجاوز البكاء إلى استحضار سيرة الميت وإبراز فضائله، وكأنها تحفظ ذاكرته في وجدان الجماعة.
ومع مرور الزمن، تغيرت بنية المجتمع المصري، وتعاقبت عليه الديانات والثقافات، فأعادت صياغة كثير من الطقوس القديمة. فأصبح الحزن يُعبَّر عنه في أطر دينية وأخلاقية مختلفة، وبرزت مفاهيم الصبر والرضا بقضاء الله والدعاء للميت بوصفها قيمًا مركزية في الثقافة الإسلامية والمسيحية. ولذلك فإن كثيرًا من الممارسات القديمة اندثر، بينما بقي بعضها في صور رمزية أو شعبية، تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى.
ومن المهم التمييز بين الأصل التاريخي المحتمل لبعض الممارسات وبين استمرارها بالشكل نفسه؛ فالتشابه بين طقسين لا يعني بالضرورة وجود انتقال مباشر عبر آلاف السنين، إذ قد تنشأ الممارسات الإنسانية المتشابهة استجابةً لحاجات نفسية واجتماعية متقاربة. فالبكاء، واللطم، ورفع الصوت بالنواح، كلها أنماط عرفتها أمم كثيرة، لأنها تصدر عن التجربة الإنسانية المشتركة أمام الفقد.
وإذا تأملنا البعد الرمزي للطم، وجدناه يشبه موجةً تضرب شاطئ القلب. فاليد التي ترتفع إلى الصدر لا تبحث عن الألم، بل عن منفذٍ يخرج منه الحزن المكبوت. وكأن الإنسان، حين يعجز لسانه عن وصف خسارته، يجعل جسده يتحدث نيابةً عنه. ومن هنا تغدو الحركة استعارةً للصوت الداخلي، وتتحول الدمعة إلى خطابٍ لا يحتاج إلى ترجمان.
وللأدب نصيبٌ وافر في تصوير هذه المشاهد. فقد زخرت المراثي العربية بصورٍ تصف انكسار القلب، لا لتؤجج الألم، بل لتخلّد الذكرى وتُظهر قيمة الإنسان في حياة من أحبوه. وفي التصوف الإسلامي، اكتسب الحزن بعدًا روحيًا؛ إذ غدا الموت معبرًا إلى لقاء الله، وأصبح الصبر مقامًا من مقامات السالكين، يختلط فيه الأسى بالرجاء، والدمع باليقين، والفراق بالأمل في اللقاء الأبدي.
ومن الأمثلة الاجتماعية المعاصرة أن بعض الأسر تكتفي اليوم بمجلس عزاء هادئ تُتلى فيه آيات القرآن أو نصوص دينية، بينما تحرص أسر أخرى على إحياء المراسم الشعبية التي تتضمن مراثي شفوية أو تجمعات واسعة لاستقبال المعزين. وفي المقابل، تميل المدن الكبرى إلى تقليص المظاهر الانفعالية الصاخبة، متأثرة بإيقاع الحياة الحديثة، في حين تحتفظ بعض القرى بعناصر من التراث الشعبي المرتبط بالحزن الجماعي.
ويشير علماء الأنثروبولوجيا إلى أن الطقوس، مهما اختلفت أشكالها، تؤدي وظائف اجتماعية متقاربة، فهي تعيد تنظيم العلاقات بعد فقد أحد أفراد الجماعة، وتمنح الأسرة مساحةً للتعبير عن مشاعرها، كما تؤكد استمرار تماسك المجتمع في مواجهة الموت. لذلك فإن دراسة اللطم لا ينبغي أن تنحصر في الجانب التاريخي، بل تمتد إلى فهم معانيه الثقافية والنفسية والاجتماعية.
إن الموت يعلّم الإنسان أن كل الأشياء إلى زوال، لكنه يعلّمه أيضًا أن المحبة لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى آثارها في الذاكرة والوجدان. والطقوس، مهما بدت بسيطة أو معقدة، ليست سوى محاولة إنسانية لترميم القلب المكسور، وإعادة ترتيب العالم بعد أن غاب منه وجهٌ كان يملؤه حضورًا.
وهكذا يظل اللطم في الجنائز ظاهرةً تستحق الدراسة بوصفها مرآةً للتاريخ والإنسان معًا؛ فهي تكشف كيف تتوارث المجتمعات بعض الرموز، وكيف تعيد كل مرحلة تاريخية تأويلها وفق منظومتها الدينية والثقافية. وبين النقوش الفرعونية القديمة ومجالس العزاء المعاصرة تمتد رحلة طويلة من التحول الحضاري، لكن الإنسان يبقى هو الإنسان: يبكي حين يفقد، ويتذكر حين يشتاق، ويبحث في كل عصر عن لغةٍ يودع بها أحبته، ويواسي بها قلبه.
اللطم في الجنائز بين الذاكرة الحضارية والتعبير النفسي عن الفقد مقاربة اجتماعية نفسية في ضوء التراث المصري
الناشر :مدونة فكر أديب
-
