المرآة الكاذبة… حين يبتسم الزجاج ويكذب القلب
مرآتي…
لا تعرف الصدق إلا إذا غاب وجهي،
ولا تنطق بالحقيقة إلا إذا أطفأتُ الضوء.
كلما وقفتُ أمامها،
رفعتْ رايةَ المجاملة،
وأعلنتْ انقلابًا على الواقع،
حتى خُيِّل إليَّ أن الزجاج شاعر،
وأن الكذب عنده فنٌّ راقٍ،
لا ذنبٌ يُدان.
تُريني وجهي…
ثم تُبدّل الملامح في غفلةٍ من العيون،
فتجعل من التجاعيد تموّجاتِ حرير،
ومن التعب وسامًا،
ومن السنين زينةً لا تُرى إلا بعين الوهم.
وإذا وقفتْ أمامها امرأة،
ارتدتِ المرآةُ ثوبَ المبالغة،
ونثرتْ على الزجاج مسحوقَ الأساطير،
فإذا بها ليست امرأةً من طينٍ وماء،
بل حفيدةُ الجمال الأول،
وشقيقةُ الضوء،
وابنةُ الربيع.
ترسمها في هيئة أفروديت،
وقد استعار البحرُ من خطاها زرقتَه،
واستعار القمرُ من جبينها ضياءه،
ثم تُرسل حولها ابنَها المدلّل،
ذلك الصبيَّ المشاغب،
الذي لا يعرف من الرماية إلا إصابة القلوب،
ولا يفرّق بين عاشقٍ وزاهد،
ولا بين حكيمٍ وساذج.
سهامُه…
طائشةٌ في الظاهر،
لكنها تُصيب بدقةٍ عجيبة،
فلا تُخطئ قلبًا مطمئنًا،
ولا تترك عقلًا إلا وتُعلن عليه حالةَ الطوارئ.
ثم تُخرج المرآة من خزائن الوهم
كليوباترا،
وقد تركت تاجها قليلًا،
وطوت سجادةَ العرش،
وجاءت تُلقي درسًا جديدًا
في فنِّ احتلال الممالك
دون جيش،
وفي فتح القلوب
دون سيف.
وتُطلُّ فينوس،
تمشي على أطراف الضوء،
كأن النسيمَ خادمُها،
وكأن الزهورَ بناتُ حاشيتها،
وكأن الفجرَ يتعلّم منها
كيف يبتسم قبل أن يولد النهار.
أما الحقيقة…
فتقف في زاوية الغرفة،
تسعل من كثرة الغبار،
وتنتظر دورها،
ولا أحد يدعوها إلى الحفل.
يا لهذه المرآة!
ما أكرمها حين تُبالغ،
وما أبخلها حين تصدق.
تُعطي الجميلةَ جمالًا فوق جمال،
حتى تظنَّ الشمسُ أنها منافسةٌ لها،
وتمنح العاديةَ تاجًا من الخيال،
فتغدو في عيني نفسها
إمبراطورةً لا ينازعها أحد.
وأنا…
كلما حاولتُ أن أعاتبها،
ابتسمتْ في وجهي،
وقالت بسخريةٍ رقيقة:
«أنا لا أكذب…
أنا فقط أُجيد التجميل،
وأترك للحياة مهمةَ التصحيح!»
فأضحك،
وأدرك أن الزجاج
أذكى من كثيرٍ من البشر؛
فهو يعرف أن الحقيقة إذا جاءت عاريةً
أغلقت القلوب أبوابها،
أما إذا جاءت مرتديةً ثوبًا من الحلم،
فتحت لها الأرواح نوافذها.
يا مرآتي…
كم بينك وبين الحقيقة
بُعدُ المشرق عن المغرب،
وكم بين الوهم واليقين
مسافةُ نظرةٍ واحدة!
أنتِ تُحسنين التلوين،
ولا تُحسنين التبيين،
وتُجيدين الزخرفة،
وتنسين المعرفة.
في حضرتك
يصير القبيح وسيماً،
والمتعبُ نشيطًا،
والشيخُ فتى،
والعابرُ أميرًا،
ويصبح الصمتُ غناءً،
والغبارُ عطرًا،
والخيالُ واقعًا،
والواقعُ خيالًا.
أيُّ سحرٍ هذا؟
أهو سجعُ الضوء حين يعانق الزجاج،
أم جناسُ الوجوه حين تتشابه وتختلف،
أم طباقُ الليل والنهار،
أم تضادُّ الحقيقة والسراب؟
كل شيءٍ عندك مقلوب،
فالناقص كامل،
والكامل ناقص،
والقريب بعيد،
والبعيد قريب.
حتى إنني بدأتُ أشكُّ
أنكِ تحملين شهادةً عليا
في فنِّ العلاقات العامة!
تمدحين الجميع،
ولا تغضبين أحدًا،
وتوزعين الألقاب كما يوزع الربيعُ أزهاره،
دون لجنة تحكيم،
ولا هيئة رقابة.
ولو دخل شاعرٌ عليك،
لخرج وهو يظن نفسه المتنبي،
ولو مرَّ رسام،
لأيقن أن ليوناردو دافنشي
كان أحدَ تلاميذه،
ولو وقف مغنٍّ لا يعرف من المقامات إلا أسماءها،
لخرج مقتنعًا
أن الطيورَ تغار من صوته!
ما أوسع خيالكِ،
وما أضيق ذاكرتكِ!
فأنتِ تنسين كل عيب،
وتحفظين كل حلم،
وتغسلين الوجوه بماء الأمنيات،
ثم تعطّرينها بعطر الأمن،
وتهمسين لكل واقفٍ أمامك:
«لا تقلق…
العالم أسوأ منك،
وأنت أجمل مما تظن.»
وهكذا…
يمضي الناس سعداء،
لا لأنهم وجدوا الحقيقة،
بل لأنهم وجدوا مرآةً
تجيد الكذب
بأدب،
وتُتقن المجاملة
بفن،
وتبيع الوهم
في علبةٍ أنيقة،
مكتوبٍ عليها:
"صورةٌ طبق الأصل… مع بعض التحسينات!"
ولعل أجمل ما فيكِ،
يا مرآتي الكاذبة،
أنكِ لا تكذبين بدافع الخداع،
بل بدافع الرحمة.
فبعض الحقائق
حادّةٌ كالسكين،
وبعض الأوهام
ناعمةٌ كالحرير.
وبين السكين والحرير
تختارين الحرير،
وبين القسوة والرقة
تنحازين للرقة،
وبين الجرح والابتسام
تزرعين ابتسامةً صغيرة،
تكفي ليبدأ الإنسان يومه
بقلبٍ أخف،
وأملٍ أكبر،
وحلمٍ لا يزال يرفض الاستسلام.
لذلك…
لن أكسر هذه المرآة.
سأتركها معلّقةً على الجدار،
تكذب قليلًا،
وتُضحكني كثيرًا،
وتذكرني كل صباح
أن الجمال ليس دائمًا ما نراه،
ولا الحقيقة دائمًا ما نقوله،
وأن بين الصورة والصيرة،
وبين الملامح والملامح،
وبين العين والعين،
أسرارًا لا يكشفها الزجاج،
ولا يفضحها الضوء.
فالمرآة…
ليست شاهدَ عدل،
بل شاعرةٌ عاشقة،
تعرف كيف تُجمّل القصيدة،
ولو خانتها القافية،
وكيف تُزيّن الوجوه،
ولو عاندها الزمن.
سلامٌ عليكِ،
أيتها الكاذبةُ الصادقة،
والصادقةُ الكاذبة،
يا أجملَ تناقضٍ يسكنُ جدارًا،
وألطفَ خدعةٍ
يرضى بها القلب،
ويصفق لها الخيال.
