"التاريخ يعيد نفسه" قراءة فلسفية ـ تاريخية ـ حضارية في جدلية التكرار والاختلاف

"التاريخ يعيد نفسه" قراءة فلسفية ـ تاريخية ـ حضارية في جدلية التكرار والاختلاف
تمهيد فلسفي: بين العبارة الشائعة والمعنى العميق" «التاريخ يعيد نفسه»… جملة قصيرة، لكنها محمّلة بعمق دلالي هائل، تتردد في الخطاب الشعبي كما في الكتابات الفكرية، وتُستعمل أحيانًا باعتبارها حكمة جاهزة، وأحيانًا كقانون ضمني يفسر ما يجري في العالم من صعود وسقوط، ازدهار وانهيار، عدل واستبداد، حضارة وخراب. غير أن السؤال الجوهري ليس في تداول العبارة، بل في "معناها الحقيقي": هل يعيد التاريخ نفسه حرفيًا؟ هل تعود الشخصيات، وتُبعث الأزمنة، وتُستنسخ الأمكنة؟ أم أن التكرار ليس سوى تشابه في البُنى العميقة، وفي الشروط الموضوعية، وفي القوانين التي تحكم حركة المجتمعات؟ من الواضح أن المعنى الحرفي المباشر ساقط منطقيًا وعقليًا؛ فلا يمكن أن يعود "الإسكندر" ليؤسس إمبراطوريته، ولا أن يظهر "نابليون" من جديد على مسرح أوروبا، ولا أن يعبر "تيمورلنك" سهوب آسيا، ولا أن يجلس "سقراط" في ساحة أثينا ليعيد جدلياته، ولا أن يعود "المتنبي" إلى بلاط "كافور الإخشيدي" أو إلى مجلس "سيف الدولة". هذا النوع من الفهم يجعل العبارة ضربًا من السذاجة الفكرية، لأنه يتجاهل خصوصية الزمن والإنسان والسياق. لكن المعنى الفلسفي العميق مختلف تمامًا. المنطق السببي: التاريخ كقانون لا كحكاية" التاريخ، في جوهره، ليس سردًا للأحداث، بل "علم للعلاقات السببية". كل واقعة تاريخية ليست إلا نتيجةً لمقدمات: اقتصادية، اجتماعية، سياسية، نفسية، ثقافية، دينية، رمزية، نفسية جماعية، بنيوية، تراكمية. فإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج. وإذا تكررت البُنى، تكررت المآلات. هنا يصبح «التاريخ يعيد نفسه» ليس وصفًا حرفيًا، بل "قانونًا بنيويًا": المقدمات المتشابهة تُنتج نتائج متشابهة. كما في الطبيعة تمامًا: إذا وُجد الحديد ووجدت الحرارة، حدث التمدد. إذا وُجد الضغط، حدث الانفجار. إذا وُجد الاختلال، حدث الانهيار. وكما في الفيزياء والكيمياء، كذلك في الاجتماع والسياسة والتاريخ. الثورة مثلًا لا تحدث فجأة، ولا تنشأ من فراغ، بل هي حصيلة: * ظلم اجتماعي متراكم * فقر اقتصادي * انسداد سياسي * احتقان نفسي جماعي * فقدان العدالة * غياب الأمل * وجود خطاب تعبوي * نخب تحرّض * قوى توقد الغضب * مؤسسات عاجزة * دولة فاسدة وحين تكتمل هذه السلسلة، تصبح الثورة "ضرورة تاريخية"، لا خيارًا سياسيًا. بين القوانين الطبيعية والقوانين الاجتماعية الفرق بين التاريخ والطبيعة ليس في المبدأ، بل في درجة التعقيد. القوانين الطبيعية بسيطة نسبيًا: سبب → نتيجة أما القوانين التاريخية فمعقّدة: أسباب متعددة → نتائج مركبة ومع ذلك، فهي تخضع للمنطق نفسه. الفرق الجوهري يكمن في عنصر الإنسان: النفس الإنسانية الإرادة الوعي الاختيار القرار وهنا يبرز السؤال الفلسفي القديم: هل الإنسان حر أم محدد؟ وهنا تتقاطع الفلسفة مع علم الاجتماع: الإنسان يبدو حرًا، لكنه في العمق "محكوم بالبُنى": * الوراثة * الثقافة * التربية * البيئة * الاقتصاد * الطبقة * السلطة * الخطاب * التاريخ * اللاوعي الجمعي فالحرية هنا حرية داخل نظام، لا حرية مطلقة خارجه. ولهذا يستحيل أن يكون هارون الرشيد غير هارون الرشيد، أو أبو العلاء غير أبي العلاء، أو أبو نواس غير أبي نواس؛ لأنهم أبناء سياقاتهم، لا مجرد أفراد خارج التاريخ. ابن خلدون: المؤرخ الذي حوّل التاريخ إلى علم هنا يبرز اسم "ابن خلدون" بوصفه اللحظة المفصلية في تاريخ الفكر التاريخي العربي والإنساني. قبله كان التاريخ: * أخبار * روايات * حكايات * سرديات * تراجم * وقائع منفصلة ومعه صار: * قوانين * أنماط * بنى * علل * أسباب * سنن اجتماعية لقد نقل التاريخ من "التسجيل" إلى "التفسير"، ومن "الحكاية" إلى "العلم"، ومن "الرواية" إلى "التحليل البنيوي". فالتاريخ عنده ليس أحداثًا منفصلة، بل شبكة علائق: الدولة → العصبية → الاقتصاد → العمران → الثقافة → الدين → السلطة وهذا التصور هو الذي يسمح بفهم معنى التكرار التاريخي: ليس تكرار الأشخاص، بل تكرار "القوانين". "المؤرخ بوصفه عالمًا لا راوٍ" المؤرخ الحقيقي ليس من يجمع الأخبار، بل من: * يفكك الأسباب * يقرأ البُنى * يحلل العلاقات * يستخرج القوانين * يفهم المنظومات * يربط الجزئي بالكلي لهذا يستطيع: * أن يكذّب روايات تاريخية لا تنسجم مع قوانين الاجتماع * أن يملأ فراغات السرد التاريخي بالمنطق العلمي * أن يتنبأ بالمآلات قبل وقوعها * أن يقرأ المستقبل في بنية الحاضر * أن يرى الانهيار وهو في طور التكوّن كما يقرأ الطبيب المرض قبل ظهوره، وكما يقرأ المهندس الانهيار في شقوق الجدار، وكما يقرأ الجيولوجي الزلزال في حركة الصفائح. "غرناطة وفلسطين: تماثل المأساة" عند قراءة كتاب "محمد عبد الله عنان" *نهاية الأندلس*، تتكشف أمام القارئ صورة مأساوية تكاد تكون نسخة رمزية مما عاشه العالم العربي الحديث في فلسطين: * انقسام داخلي * صراع أهلي * نخب متناحرة * حكام منشغلون بالصراع على السلطة * تفكك داخلي * عدو خارجي منظم * قوة متربصة * مشروع توسعي * غياب الرؤية * غياب الوحدة * غياب الإرادة * غياب الوعي التاريخي فتتكرر البنية: غرناطة → فلسطين بنو الأحمر → نخب معاصرة إسبانيا → قوى استعمارية التمزق الداخلي → الانهيار الخارجي وكأن التاريخ لا يكرر أسماءه، بل يكرر "قوانينه". "العبرة: بين وعي العامة ووعي الخاصة" العبرة عند العامة: موعظة أخلاقية: «ما لشيء دوام» أما العبرة عند الخاصة: قانون تاريخي: إذا تكررت الأسباب، تكررت النتائج العامة يتعظون بالنتائج الخاصة يتعظون بالأسباب العامة يبكون على الخراب الخاصة يمنعون أسبابه العامة يقرأون السقوط بعد وقوعه الخاصة يقرأونه في مقدماته "التاريخ كمرآة مستقبلية" التاريخ ليس ماضيًا… التاريخ مستقبل يُقرأ في الحاضر. كل مجتمع يحمل مصيره في بنيته: في اقتصاده في سياسته في ثقافته في وعيه في نُخبه في مؤسساته في عدالته في منظومة قيمه وكل أمة تكتب نهايتها بيدها، قبل أن تكتبها القوى الخارجية. "خاتمة فلسفية شاعرية" التاريخ لا يعيد نفسه… بل "الإنسان يعيد أخطاءه". والبُنى تعيد إنتاج مآسيها. والسلطة تعيد استبدادها. والغفلة تعيد سقوطها. التاريخ ليس دائرة، بل "لولب": يعود إلى النقطة نفسها، لكن على مستوى آخر، بأدوات أخرى، وبأسماء أخرى، وبخرائط أخرى، وبخطابات جديدة، لكن بالمنطق نفسه. فمن لم يفهم قوانين التاريخ، سيتحول إلى مادة في سرده. ومن لم يقرأ سننه، سيُكتب اسمه في قائمة الضحايا. ومن لم يتعلم من المقدمات، لن يفهم النتائج. وهكذا، ليس التاريخ من يعيد نفسه… بل نحن من نعيد إنتاج شروطه، ثم نتفاجأ بمآلاته، ثم نبكي على نتائجه، ثم نكرر الأخطاء ذاتها، ثم نردد الجملة ذاتها: "«التاريخ يعيد نفسه»".

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال