أيهما الأب؟ حكاية سليمة... حين صار النسب آخر ما تبقّى من العدالة

أيهما الأب؟ حكاية سليمة... حين صار النسب آخر ما تبقّى من العدالة
في صباح شتوي ثقيل، كانت محكمة روض الفرج الشرعية تغرق في صمت يقطعه بين الحين والآخر صوت الحاجب وهو ينادي أسماء المتقاضين. كانت القاعة تعجّ بالوجوه المتعبة القلقة، وكل وجه يحمل حكاية لا يعرفها إلا الله. وفجأة دوّى النداء: "سليمة..." نهضت فتاة ريفية قصيرة القامة، نحيلة الجسد، سمراء البشرة، ترتدي ثوبًا باهت اللون أكل الزمن أطرافه ، وتحمل على كتفها طفلة صغيرة تتعلق برقبتها في خوف. كانت ملامحها توحي بأنها لم تعرف من الحياة سوى التعب ، وأن السنوات مرّت فوق وجهها أسرع مما ينبغي. أما عيناها السودتان ، فقد كانتا غارقتين في حزن قديم، كأنهما لم تعرفا النوم منذ أعوام. وقفت أمام القاضي، تحاول أن تجمع ما تبقى من قوتها ، بينما كانت الطفلة تلتصق بها في صمت، وكأنها آخر ما تبقى لها في هذا العالم. قال القاضي بهدوء: احكي... ماذا حدث ؟ تنهدت سليمة طويلًا، ثم بدأت تروي حكاية لم تكن مجرد قضية أمام المحكمة، بل كانت عمرًا كاملًا من الفقد والخذلان.  ولدت سليمة في إحدى قرى الريف المصري المجهولة ، حيث تمتد الحقول بلا نهاية ، وتتشابه البيوت الطينية كما تتشابه الأحزان. لكنها لم تولد وفي انتظارها حضن دافئ. فما إن أبصرت النور حتى غادر أبوها البيت دون رجعة ، تاركًا زوجته تواجه الفقر وحدها ، وتحمل طفلتها إلى المجهول. كبرت سليمة وهي لا تعرف للأب وجهًا ، ولا لصوته ذكرى ، وكانت تسأل أمها أحيانًا : أين أبي ؟ فتشيح الأم بوجهها، وتكتفي بالصمت. كبرت وهي تدرك أن بعض الأسئلة لا تجد جوابًا. كانت ترافق أمها في الحقول، تمشي خلف النساء المنهكات، تجمع السنابل المتناثرة، وتحلم برغيف لا يأتي إلا بعد يوم طويل من العرق. ولم تكد تبلغ الخامسة حتى فقدت أمها أيضًا. في ليلة باردة ، أسلمت الأم روحها ، وتركت طفلتها الصغيرة تواجه العالم وحدها. ومنذ تلك الليلة، لم يعد لسليمة بيت. تنقلت بين بيوت الأقارب ، ثم بين بيوت الغرباء ، ومن حي إلى آخر ، ومن قرية إلى أخرى ، تحمل أواني الناس ، وتغسل ثيابهم ، وتكنس أرضهم ، وتأكل من فتات موائدهم. كانت تنام كل ليلة في مكان مختلف، لكنها كانت تستيقظ دائمًا على الإحساس نفسه: أنها بلا أحد.  عندما بلغت السادسة عشرة، كانت الحياة قد سرقت من عمرها أكثر مما أعطتها. جسد نحيل، ووجه شاحب، وابتسامة نادرة. وفي أحد البيوت التي كانت تعمل فيها خادمة، كان يسكن في الغرفة المقابلة شاب بسيط يعمل عاملًا في مصنع للنسيج. كان اسمه لطفي. لم يكن غنيًا، ولا وسيمًا على نحو لافت ، لكنه كان يبتسم لها كلما التقيا في السلم الضيق ، وكانت تلك الابتسامة تكفي لتوقظ قلبًا لم يعرف الحب من قبل. شيئًا فشيئًا ، صار الحديث بينهما يطول ، وصارت نظراتهما تقول ما تعجز الكلمات عن قوله. وكانت سليمة ، لأول مرة، تشعر أنها ليست وحيدة. تزوجا في غرفة صغيرة لا تكاد تتسع لهما، لكنها كانت في نظرها قصرًا واسعًا. كانت ترتب فراشها كل صباح وهي تردد في سرها : "انتهى الشقاء... أخيرًا صار لي بيت." لكن الأحلام الفقيرة قصيرة العمر. لم يمض على زواجهما سوى أربعين يومًا. وفي صباح عادي، خرج لطفي إلى عمله... ولم يعد. انتظرته حتى المساء. ثم حتى اليوم التالي. ثم أسبوعًا كاملًا. ثم شهرًا. كان قد اختفى. هرب... دون رسالة، ولا وعد، ولا تفسير. وبعد أيام قليلة، اكتشفت أنها تحمل طفله في أحشائها. وضعت يدها على بطنها، وشعرت برعشة باردة. همست لنفسها : "أيعقل أن يبدأ طفلي حياته كما بدأت أنا ؟ بلا أب ؟" كان السؤال يطاردها كل ليلة. وكان الخوف يكبر مع الجنين.  عادت إلى خدمة البيوت. كانت تعمل حتى تتورم قدماها، بينما يثقل الحمل جسدها يومًا بعد يوم. ورغم التعب، لم تتوقف عن السؤال عن لطفي. كل من تعرفه كانت تسأله: هل رأيتموه ؟ لكن المدينة كانت أوسع من أن تعيد إليها رجلًا اختار الهرب.  وفي مساء قائظ، تأخرت قليلًا في إنجاز عملها. صرخت بها صاحبة البيت. وحين حاولت سليمة أن تشرح سبب تأخرها، انهالت عليها السيدة بالسباب والضرب. لم تدافع عن نفسها. بكت فقط. وعندما خرجت من ذلك البيت، كانت دموعها تختلط بغبار الطريق. وقفت على الرصيف، وحدقت طويلًا في المارة. كانت تعرف أنها لا تملك شيئًا. لا بيتًا. ولا مالًا. ولا عملًا. ولا سندًا. وقالت في نفسها: "لن أعود خادمة بعد اليوم... يكفيني ما ذقت." ثم سألت سؤالًا مريرًا لم يكن يشبه أحلام الفتيات : "هل يوجد رجل يقبل أن يمنحني رغيفًا ، وثوبًا يسترني ، وسقفًا يأويني ؟" لم تكن تبحث عن الحب. كانت تبحث عن النجاة.  في منطقة الصحة بإمبابة، التقت رجلًا يُدعى ياقوت، يعمل خفيرًا للخيام. كان رجلًا بسيطًا، قاسي الملامح، لكنه رقّ لحكايتها. استمع إليها حتى النهاية، ورأى دموعها وهي تخفي حملها تحت ثيابها الفضفاضة. قال لها : تعالي معي... لن أتركك في الطريق. أخذها إلى حجرته المتواضعة. واستدعى المأذون وشاهدين. وعندما سألها المأذون : هل أنت خالية من الموانع الشرعية ؟ خفضت رأسها، وقالت بصوت مرتجف : نعم. كانت تعلم أنها تكذب. لكنها كانت ترى في تلك الكذبة آخر قارب نجاة. تم عقد الزواج. وقبلت يد ياقوت وهي تبكي ، وظلت تدعو له في سرها ، وأخلصت في خدمته بكل ما تملك من عرفان.  مرت خمسة أشهر. ثم وضعت طفلة جميلة أسمتها زينب. وحين حملها ياقوت بين ذراعيه لأول مرة ، لم يلبث أن حسب الأيام. أعاد العد مرة بعد أخرى. ثم نظر إلى زوجته في ذهول. أدرك الحقيقة. لم تكن الطفلة ابنته. كانت ثمرة الزواج الأول. شعر أنه خُدع. وفي لحظة غضب، ترك البيت، واتجه إلى النيابة ليبلغ عنها.  وجدت سليمة نفسها متهمة بالتزوير والخداع. وقفت مرة أخرى أمام القضاء. لكن هذه المرة كانت متهمة. استمع القاضي إلى ظروفها، وإلى حياتها التي لم تعرف فيها الأمان يومًا. وحكم عليها بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ. وسجلت المحكمة في حيثيات حكمها أن الظروف القاسية التي عاشتها كانت سببًا فيما ارتكبته. خرجت من المحكمة. لم تدخل السجن. لكنها خرجت إلى سجن أكبر... سجن الوحدة. أما ياقوت، فقد أغلق بابه في وجهها، وانتهى الزواج كما انتهت كل الأحلام السابقة.  سارت في الطريق للمرة الثالثة. لكنها هذه المرة لم تكن وحدها. كانت تحمل زينب على كتفها. وكانت الطفلة تبتسم كلما نظرت إلى أمها، بينما كانت الأم تخفي دموعها كي لا ترى ابنتها انكسارها. كانت تحدث نفسها كل ليلة : "ما ذنبك يا صغيرتي ؟ لماذا يتكرر فيك قدري ؟ هل كتب علينا نحن النساء الفقيرات أن نورث بناتنا الخوف بدل الأمان ؟ وهل يولد الإنسان يتيمًا من الأب مرتين؛ مرة حين يرحل ، ومرة حين ينكر ؟" كانت تشعر أن الحياة تدور في دائرة مغلقة ؛ فالأب الذي تركها وهي رضيعة ، عاد شبحه في صورة رجل آخر ترك ابنته قبل أن تراها عيناه.  لم تستسلم. جمعت ما بقي لديها من أوراق، واستخرجت إشهاد طلاقها من زوجها الأول، ثم تقدمت إلى محكمة روض الفرج الشرعية. لم تكن تريد مالًا. ولا انتقامًا. ولا زوجًا يعود. كانت تريد شيئًا واحدًا فقط. أن تحمل ابنتها اسم أبيها الحقيقي. وقف الجميع يتجادلون في النصوص، والمواعيد، والأوراق. أما هي، فلم تكن تسمع شيئًا. كانت تنظر إلى زينب وهي نائمة بين ذراعيها، وتردد في قلبها: "يا رب... لا تجعلها تبدأ حياتها كما بدأتها أنا." وبعد دراسة القضية، أصدرت المحكمة حكمها بثبوت نسب الطفلة زينب إلى زوجها الأول لطفي. كان الحكم ورقة صغيرة في ملف كبير. لكنه بالنسبة لسليمة كان اعترافًا بحق ابنتها في أن يكون لها اسم، وهوية ، ومستقبل لا يبدأ بالعار. خرجت سليمة من المحكمة في مساء هادئ. كانت الشمس تميل إلى الغروب، وأشعتها الحمراء تغسل شوارع القاهرة القديمة. حملت زينب على كتفها، وسارت ببطء. لم يكن في انتظارها بيت. ولا زوج. ولا عمل مضمون. كان الطريق ما يزال مجهولًا. لكن شيئًا واحدًا تغيّر. لم تعد تسير من أجل نفسها وحدها. كانت تسير من أجل طفلة صغيرة أصبحت كل عالمها. انسابت دموعها على وجهها الأسمر النحيل ، غير أنها لم تكن دموع الهزيمة هذه المرة. كانت دموع أمٍّ أدركت أن الحياة قد تسلب الإنسان كل شيء، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منه إصراره على حماية من يحب. ظل السؤال الذي افتتح القضية يتردد في أروقة المحكمة : أيهما الأب ؟ أهو الرجل الذي أنجب ثم هرب ؟ أم الرجل الذي آوى ثم تراجع عندما عرف الحقيقة ؟ ولم يجد أحد جوابًا قاطعًا. أما سليمة، فقد كانت تعرف في أعماقها أن الأبوة ليست اسمًا يُكتب في شهادة الميلاد، ولا دمًا يجري في العروق وحده، بل مسؤولية ، ورحمة، ووفاء. وهي أمور قد تمنحها الحياة لطفل ، وقد تحرمها منه ، مهما حمل من أسماء الآباء. لقد عرفت أن بعض الرجال بلا ضمير ، ليسوا من بني البشر ، بل ذئاب ترتدي ملابس البشر ، ينهشون في لحم النساء دون ضمير ، جلست أمام أحد الجوامع لا لتتسول بل لتجد الراحة و السكينة في مجتمع لا يعرف للخير بابا .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال